من يوم ما جوزي اتجوز عليا بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

لو بعد عمر.
وقلبت الصفحات.
كان مسجل فيها كل جنيه دخل المشروع من أول يوم.
وعند صفحات كتير كان كاتب ملاحظات صغيرة
نادية سابت فستان كانت نفسها فيه.
نادية اشتغلت زيادة عشان نسدد الإيجار.
لولاها كان المشروع قفل.
الدموع نزلت مني من غير ما أحس.
أول مرة أحس إنه كان شايل كل التفاصيل دي جواه.
لكن وأنا بقلب آخر صفحة، لقيت ظرف صغير تاني.
كان مكتوب عليه
يسلم لنادية بعد ما تخرجي من المخزن.
استغربت.
فتحته بسرعة.
كان جواه مفتاح آخر... ومعاه ورقة قصيرة
روحي البيت القديم... البيت اللي بدأنا فيه حياتنا. هتلاقي هناك آخر حاجة كنت مستني أسلمهالك بنفسي.
قفلت الصندوق، ورجعت كل حاجة مكانها، وخدت المفتاح.
وأنا خارجة من المخزن، رن تليفوني.
بصيت في الشاشة...
لقيت رقم المستشفى.
رديت بسرعة وقلبي وقع.
الممرضة قالت بصوت هادئ لكنه مستعجل
يا مدام نادية... الأستاذ أحمد فاق من النوم، وأول ما فتح عينه طلبك بالاسم... وقال إنه لازم يشوفك حالًا، قبل ما الوقت يفوت.
اتجمدت مكاني، ومفتاح البيت القديم كان لسه في إيدي، ومكنتش عارفة أروح المستشفى الأول... ولا أنفذ آخر طلب كتبه في الرسالة من غير ما أفكر كتير، قبضت على المفتاح وحطيته في شنطتي، وقلت
البيت القديم مش هيطير... لكن أحمد دلوقتي محتاجني.
لفيت العربية ورجعت المستشفى بأقصى سرعة.
أول ما دخلت الأوضة، لقيته فاتح عينيه، وكأنه كان مستني اللحظة دي.
لما شافني، ارتاح، وأشارلي أقرب.
قربت منه، فابتسم ابتسامة ضعيفة وقال
عرفت إنك جيتي... كنت واثق إنك هتختاري تيجي هنا الأول.
قلت وأنا بحاول أخفي دموعي
قول اللي عايز تقوله يا أحمد، ومتشغلش نفسك بأي حاجة.
سكت لحظة، ثم قال
فاكرة أول شقة سكنّا فيها؟
هزيت راسي.
قال أنا اشتريتها من صاحبها من خمس سنين... من غير ما أقول لحد.
بصيتله بدهشة.
كمل بصوت متقطع
كل ما كنت أعدي من الشارع ده... كنت أقف بالعربية وأبص عليها. كانت بتفكرني بأيام الفقر... وبالست اللي عمرها ما سابتني وأنا معنديش حاجة.
دموعي نزلت من غير ما أتكلم.
قال
المفتاح اللي معاكي... هو مفتاح الشقة. جواها حاجة كنت بحضرها من زمان... لكن المرض سبقني.
في اللحظة دي، دخل ابني الكبير وقال
يا ماما... الدكتور مستنيكي بره دقيقة.
خرجت مع الدكتور.
قال بهدوء
حالته مستقرة حاليًا، لكن لازم يبعد عن أي انفعال. وجودكم جنبه أهم حاجة.
رجعت تاني.
لقيت أحمد مغمض عينيه، لكنه أول ما حس إني دخلت قال
روحي الشقة... ولما ترجعي احكيلي شوفتي إيه.
قلت
أوعدك.
خرجت من المستشفى، والمرة دي اتجهت ناحية البيت القديم.
العمارة كانت زي ما هي، حتى السلم بنفس صريره القديم.
طلعت للدور التاني، وفتحت الباب بالمفتاح.
أول ما دخلت...
وقفت مكاني.
الشقة كانت متجددة بالكامل، لكن من غير أي مبالغة.
نفس ترتيب الأوض، ونفس مكان السفرة الصغيرة، وحتى الستارة كانت بنفس اللون اللي كنت بحبه زمان.
كأن الزمن رجع خمسة عشر سنة لورا.
وعلى الترابيزة في الصالة...
كان فيه صندوق خشبي صغير، وفوقه ورقة مكتوب فيها بخط أحمد
دي كانت أمنيتي... إننا نقعد هنا مرة تانية، ونفتكر البدايات... لكن النصيب كان له رأي تاني.
مددت إيدي ناحية الورقة...
وفجأة سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة من الخارج... وكأن حد معاه نسخة تانية من المفتاح، وبيحاول يدخل اتجمدت مكاني، وقلبي بدأ يدق بعنف.
بصيت ناحية الباب، وصوت المفتاح لسه بيلف بهدوء.
بعد لحظات، الباب اتفتح.
دخل راجل كبير في السن، أول ما شافني وقف مكانه واتفاجئ، وقال بسرعة
آسف... أنا افتكرت الشقة فاضية.
بصيت له باستغراب وقلت
حضرتك مين؟
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
أنا عم حسين... البواب القديم. الأستاذ أحمد إداني نسخة من المفتاح من سنين، وقالي كل أسبوع أطلع أنضف الشقة وأفتح الشبابيك، ولو في يوم شفت مدام نادية هنا، أقولها إنها كانت أغلى حاجة في حياته.
الكلام وقع عليا كالصاعقة.
قعد عم حسين على الكرسي وقال
عارفة؟ كل شهر كان ييجي يقعد هنا ساعة لوحده. كان يبص في كل ركن ويقول هنا كنا بنحلم... وهنا أول مرة ضحكت نادية لما المشروع نجح... وهنا أولادنا خدوا أول خطوة.
حسيت دموعي بتنزل من غير ما أقدر أمنعها.
عم حسين أشار للصندوق اللي على الترابيزة وقال
فتحتيه؟
قلت لسه.
قال
افتحيه... ده كان بيجهزه بنفسه.
فتحت الصندوق ببطء.
لقيت جواه ألبوم صور صغير، وأول إيصال إيجار للشقة، وأول فاتورة كهرباء باسم أحمد، ومفتاح قديم مربوط بشريط أحمر.
وتحتهم ظرف أبيض.
فتحت الظرف.
كان جواه خطاب بخط إيده
يمكن العمر ميدينيش فرصة أصلح كل اللي فات، لكن أتمنى لما تبصي للحاجات دي تفتكري إن أجمل سنين عمري كانت معاكم. الغلط غلطتي، والندم هيعيش معايا، لكن أملي الوحيد إن أولادنا يفضلوا متماسكين، وإنك تكملي حياتك مرفوعة الرأس، لأنك تستحقي كل خير.
قفلت الخطاب وأنا بحاول أتماسك.
في نفس اللحظة، رن تليفوني.
كان رقم المستشفى.
رديت بسرعة.
الممرضة قالت
مدام نادية... الأستاذ أحمد أول ما فاق طلب يشوف الألبوم اللي في الشقة... وقال لو حضرتك لقيتيه، هاتيه معاك... لأنه فيه صورة معينة عايز يوريهالكم هو بنفسه.
بصيت للألبوم بين إيديا.
بدأت أقلب صفحاته بسرعة...
لحد ما وصلت لآخر صفحة.
وهناك كانت صورة قديمة جدًا... لكن كان في ظهرها كتابة بخط أحمد، ماقريتهاش لسه.
وقبل ما أقلب الصورة وأشوف المكتوب...
قفلت الألبوم بسرعة، وجريت ناحيه المستشفى وأنا حاسة إن الصورة دي مخبية سرًا كبيرًا وصلت المستشفى وأنا حاضنة الألبوم على صدري كأنه أغلى حاجة معايا.
طلعت جري على أوضة أحمد.
أول ما دخلت، لقيته صاحي، وأول ما شاف الألبوم في إيدي ارتسمت على وشه ابتسامة هادية.
قال بصوت ضعيف
جبتيه...
ناولته الألبوم، لكنه هز رأسه وقال
لا... افتحي آخر صورة.
فتحت الصفحة الأخيرة، وطلعت الصورة من مكانها.
قال
اقلبيها.
قلبتها ببطء.
كان مكتوب بخط إيده
اليوم ده كان أول يوم قبض حقيقي من المشروع. يومها وعدت نادية إني مهما الدنيا اتغيرت، عمرها ما تهون عليا... وللأسف أنا اللي خالفت وعدي.
سكت لحظة، ثم قال
كنت محتفظ بالصورة دي كل السنين... كل ما أضعف قدام غرور الدنيا أبص لها، وأفتكر أنا كنت مين.
دموعي نزلت، لكني فضلت ساكتة.
أحمد كمل وهو بياخد نفسه بالعافية
عارفة ليه طلبت الألبوم؟ لأني عايز ولادنا يشوفوا الصورة دي بعدين... يعرفوا إن الإنسان ممكن يغلط، لكن لازم يعترف بغلطه، ولا ينسى فضل اللي وقفوا معاه.
في اللحظة دي دخل الولدين.
قربوا من أبوهم، وهو ابتسم لهم وقال
خدوا بالكم من أمكم... دي تعبت علشانكم وعشاني سنين طويلة.
الولدين هزوا راسهم، وكل واحد منهم مسك إيده.
الغرفة كلها سادها صمت مؤثر، ولم يكن يُسمع إلا صوت أجهزة المتابعة.
ثم التفت أحمد ناحيتي مرة أخرى، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا، وقال بصوت خافت
لسه... فيه حاجة واحدة... لازم أقولها...
وأخذ نفسًا عميقًا، بينما اقتربت منه أكثر، أنتظر كلماته التالية... دون أن أعرف ماذا سيقول قربت منه، ومسكت إيده بهدوء، وقلت
اتكلم يا أحمد... أنا سامعاك.
فتح عينيه بصعوبة، وبصلي نظرة كلها ندم، وقال
طول عمري كنت فاكر إن النجاح فلوس... وإن السعادة أحقق كل اللي اتحرمت منه وأنا صغير. لكن وأنا نايم على السرير ده، اكتشفت إن أغنى واحد هو اللي يلاقي حد يقعد جنبه وهو تعبان.
سكت شوية، وكأنه بيجمع أنفاسه، ثم كمل
الناس كلها بعدت... إلا إنتي... وإلا ولادنا.
فضلت ساكتة.
مكنتش عايزة أقطع كلامه.
قال
أنا مش بطلب منك ترجعيلي... ولا بطلب تسامحيني. دي حاجة بينك وبين ربنا. لكن بطلب منك طلب واحد.
قلت بهدوء
قول.
قال
أوعي الكره يدخل قلب ولادنا. أوعي يخلو غلطتي سبب إنهم يكرهوا الجواز أو يفقدوا الثقة في
تم نسخ الرابط