من يوم ما جوزي اتجوز عليا بقلم زهرة الربيع
الناس. علميهم إن الإنسان بيتحاسب على أفعاله... وإنهم يكونوا أحسن مني.
حسيت إن الكلمات طالعة من قلبه فعلًا.
هزيت راسي وقلت
اطمن... ولادك هيفضلوا فاكرين إنك أبوهم، وهيتعلموا من الصح والغلط.
ابتسم لأول مرة ابتسامة ارتاح لها قلبه.
في اللحظة دي دخل الطبيب، وطلب إن أحمد يرتاح لأن المجهود أثر عليه.
خرجت أنا والولاد برا الأوضة.
ابني الصغير مسك إيدي وقال
ماما... بابا هيخف، صح؟
حضنته بقوة، وقلت
إحنا هندعيله... وربنا كريم.
وبينما كنا قاعدين في الممر، خرج المحامي من المصعد، وكان في إيده ظرف جديد.
بصلي وقال بهدوء
مدام نادية... الأستاذ أحمد طلب مني أسلمك الظرف ده، لكن قال مايتفتحش إلا لما هو بنفسه يقولك إن الوقت جه.
بصيت للظرف...
وكان مكتوب عليه بخط أحمد
آخر أمانة.
حطيته في شنطتي، وأنا حاسة إن الرسالة دي هتغير حاجات كتير... لكن لسه وقتها مجاش.
يتبع...عدت الأيام، وأحمد كان بين يوم يتحسن شوية، ويوم يتعب أكتر.
كنا أنا والولاد موجودين معاه كل يوم تقريبًا، نقرأ له شوية من القرآن، ونتكلم معاه في حاجات بسيطة تريحه.
وفي صباح يوم هادئ، فتح عينه وبصلي وقال
حاسس النهارده إن نفسي أخف شوية... افتحي الظرف.
استغربت وقلت
دلوقتي؟
هز رأسه وقال
أيوه... ده وقته.
طلعت الظرف من الشنطة، وفتحته قدامه.
كان جواه رسالة قصيرة، ومفتاح صغير، وعقد داخل ملف شفاف.
بدأت أقرا الرسالة بصوت هادئ
نادية... لو وصلتي للرسالة دي وأنا لسه عايش، يبقى ربنا اداني فرصة أقولك قدام عيني إن كل اللي عملته ده مش عشان أشتري رضاكي، لأن الرضا عمره ما يتشري. أنا عملته عشان أرد جزء من الحق اللي ليكي.
بصيت لأحمد، لقيته مغمض عينيه والدموع نازلة على خده.
كملت القراءة
المفتاح ده لمكتب صغير جنب المصنع. كنت مجهزه من شهور، وحاطط فيه كل الدفاتر والصور وأول أدوات اشتغلنا بيها. نفسي أولادنا يشوفوا الرحلة من أولها، ويعرفوا إن النجاح الحقيقي بيبدأ بالتعب، وإن أمهم كانت شريكة في كل خطوة.
أما العقد، فكان خاصًا بإنشاء صندوق تعليمي باسم الأسرة، يخصص جزءًا من أرباح المشروع لدعم دراسة أولادهما، مع إمكانية مساعدة بعض الطلاب المحتاجين كل عام، تنفيذًا لرغبته.
أحمد فتح عينه وقال
كنت نفسي أسيب ورايا حاجة تنفع الناس... يمكن ربنا يغفرلي تقصيري.
قلت بهدوء
ربنا هو الأعلم بالقلوب... ركز دلوقتي في علاجك.
ابتسم وقال
أول مرة من سنين أحس براحة.
وفي تلك اللحظة، دخل الطبيب بابتسامة خفيفة، وقال
التحاليل الجديدة ظهرت... وفيها حاجة محتاجين نتكلم فيها.
نظرت إلى وجه الطبيب، ثم إلى أحمد...
ولم أستطع أن أعرف من تعبيرات وجهه إن كانت الأخبار تحمل أملًا... أم مفاجأة أخرى.
يتبع...خرجت مع الدكتور إلى مكتبه، وقلبي معلق بكل كلمة هيقولها.
قعد، وبص في التحاليل، ثم قال بهدوء
الحالة لسه صعبة، لكن جسمه استجاب للعلاج أحسن من المتوقع. محتاج وقت، ومحتاج يبعد تمامًا عن أي ضغط نفسي.
حمدت ربنا من قلبي.
رجعت الأوضة وأنا أول مرة أحس إن فيه بصيص أمل.
أول ما أحمد شافني، قرأ الخبر من وشي، وقال بابتسامة خفيفة
واضح إن الدكتور مطمنك.
قلت وأنا بابتسم لأول مرة من شهور
قال إنك لازم تتمسك بالأمل.
رد وهو بيبص للسقف
الأمل ده إنتوا.
بعد أسبوعين، بدأ يتحرك شوية، ويقعد على السرير لفترات أطول.
وفي يوم طلب من ولادنا ييجوا يقعدوا معاه لوحدهم شوية.
خرجت أنا برا، وسيبتهم.
بعد نص ساعة، ابني الكبير خرج وعينه محمرة.
قلت بقلق
مالك؟
قال وهو بيحضني
بابا كان بيوصينا نخلي بالنا منك، وقال إن تعبك معاه عمره ما يتنسى.
الكلمات دي هزتني من جوا.
رجعت دخلت له.
لقيته ماسك مسبحة، ووشه هادي لأول مرة.
قال
فاكرة يوم ما بدأنا من الصفر؟
ضحكت وسط دموعي وقلت
فاكرة... كنا بنعد الجنيه قبل ما نصرفه.
ابتسم وقال
لو ربنا كتبلي عمر جديد... نفسي أرجع الإنسان اللي كنت عليه وقتها.
وقبل ما أرد، الباب خبط.
دخل عامل من الشركة، وفي إيده صندوق صغير.
قال
يا أستاذ أحمد... العمال كلهم جمعوا الحاجات دي وبعتوهالك.
فتحنا الصندوق.
كان جواه عشرات الخطابات المكتوبة بخط إيد العمال.
كل واحد فيهم بيشكره على موقف عمله معاه، أو مساعدة قدمها له في وقت ضيق.
أحمد فضل يقراهم واحد واحد، وكل شوية يبتسم أو تدمع عينه.
وقال بصوت هادئ
يمكن دي أول مرة أحس إن الفلوس مش أهم حاجة... الأثر الطيب هو اللي بيفضل.
ثم رفع رأسه ونظر إليّ وقال
نادية... بعد ما أخرج من هنا، نفسي أزور مكان واحد معاكم.
سألته
فين؟
ابتسم ابتسامة غامضة، وقال
المكان اللي بدأت فيه الحكاية كلها...
ثم سكت، ورفض يقول أي كلمة زيادة، وكأنه كان مخبي مفاجأة جديدة لم يحن وقتها بعد.
يتبع...بعد أيام، سمح الأطباء لأحمد يخرج من المستشفى، على شرط يلتزم بالراحة والعلاج والمتابعة.
يوم خروجه، كنت أنا والولاد واقفين مستنيينه.
لما خرج على الكرسي المتحرك، بص حوالينه، ثم قال بابتسامة هادئة
الحمد لله... أول نفس بره المستشفى.
ركبنا العربية، لكن بدل ما يقول للسائق يروح البيت، قال
على المصنع القديم.
استغربنا، لكن محدش سأله.
بعد نص ساعة وصلنا.
كان المصنع القديم مقفول من سنين، لكنه كان لسه واقف، شاهد على بداية المشوار.
نزل أحمد ببطء، وسند على ابنه الكبير، ومشى لحد الباب.
طلع من جيبه مفتاح قديم، وفتحه.
دخلنا كلنا.
المكان كان بسيط جدًا، فيه أول ماكينة اشتغل عليها، ومكتب خشب صغير، ورفوف عليها أدوات قديمة.
ابتسم وقال
هنا بدأ كل شيء.
لف ناحية ولاده وقال
شايفين المكان ده؟ أبوكم ماكنش غني، وأمكم كانت أول واحدة تصدق في حلمه.
ثم بص ناحيتي وقال
فاكرة أول يوم الماكينة عطلت؟
ضحكت رغم دموعي.
قلت
وفضلت تصلح فيها لحد الفجر، وأنا قاعدة جنبك أعملك شاي.
ضحك لأول مرة ضحكة طالعة من قلبه.
وبعدين فتح درج المكتب.
طلع منه برواز صغير.
كان فيه صورة لينا إحنا الاتنين قدام أول ماكينة، وإحنا لسه شباب.
وقال للولاد
الصورة دي هتفضل هنا... عشان أي حد يدخل المكان يعرف إن النجاح عمره ما بيكون شغل شخص واحد.
الولاد بصوا للصورة، وبصوا ليا، وحضنوني.
وفي اللحظة دي، دخل واحد من العمال القدامى، كان شعره كله شاب.
أول ما شاف أحمد، جري عليه وسلم عليه بحرارة، وقال
وحشتنا يا باشمهندس... المصنع فقد روحه من يوم ما قفل.
أحمد ابتسم وقال
الروح عمرها ما كانت أنا... الروح كانت الناس اللي اشتغلت بإخلاص.
ثم بص للماكينة القديمة، وقال بهدوء
نفسي أشوفها شغالة مرة واحدة.
العامل ابتسم، ولف المفتاح.
بعد محاولتين...
اشتغلت الماكينة، وطلع صوتها القديم اللي ملأ المكان.
كلنا سكتنا.
الصوت رجعنا خمسة عشر سنة لورا.
وأحمد غمض عينيه، وابتسم، كأنه استعاد أجمل ذكرى في عمره.
ثم فتح عينيه، ونظر إليّ نظرة طويلة، وكأنه كان يريد أن يقول شيئًا أخيرًا... لكنه آثر أن يؤجله لوقت آخر.
يتبع...فضل واقف قدام الماكينة شوية، كأنه بيودّع حاجة من عمره.
الصوت القديم كان ماشي في المكان، وهو ساكت تمامًا.
وبعدين لف ناحيتنا وقال بهدوء غريب
كفاية كده... أنا أخدت اللي كنت محتاجه.
مسك إيدي، ومسك إيد ابنه الكبير، وقال
مش عايزكم تفضلوا شايلين اللي فات... عايزكم تكملوا.
بصلي نظرة طويلة، فيها امتنان وندم وسلام في نفس الوقت، وقال
نادية... لو في يوم جرحتك، فسامحيني قد ما تقدري... ولو مقدرتيش، على الأقل افتكري إنك كنتِ أعظم حاجة حصلتلي.
قبل ما أرد، سكت فجأة.
سند رأسه على الكرسي، ونفسه هدى جدًا.
ابنه نده عليه بخوف
بابا؟
لكن مفيش رد.
الدكتور اللي كان معانا اتقدم بسرعة، وبص عليه لحظات صمت طويلة
وبعدين هز رأسه بهدوء.
ساعتها الدنيا سكتت كلها.
لا صوت ماكينة، ولا كلام، ولا أي حاجة.
بس كان في إحساس غريب راحة.
قعدت على الأرض جنب الكرسي، من غير
صريخ، من غير صوت.
دموعي نزلت بهدوء، وأنا ببص له.
مش نفس الرجل اللي غدر ووجع ولا نفس اللي اتكسر.
كان إنسان راح وهو شايل اعترافه وندمه، ورايح لحسابه عند رب كريم.
الولاد حضنوني، وكل واحد فيهم كان بيعيط بصمت.
وفي اليوم اللي بعده، ودعناه في هدوء.
من غير ضجيج، من غير مظاهر كبيرة.
لكن في قلبي، كان في جملة واحدة بتتكرر
هو راح... بس ساب حكاية عمر كامل بين الألم والوفاء.
وبعدها بشهور
المصنع رجع يشتغل من جديد.
بس المرة دي، مش باسمه هو لوحده.
كان باسم عائلة أحمد ونادية
ونادية لأول مرة، وقفت تبص لقدام مش لورا.
وانتهت الحكاية.