في قداس بنته بقلم زيزي احمد
أن أنفاسه توقفت.
مد يده نحو الشاشة دون أن يشعر.
بدأت ماريان تتكلم
يا بابا... لو بتشوف الفيديو ده، يبقى عدي وقت طويل.
توقف الفيديو فجأة.
ظهرت شاشة سوداء.
ثم رسالة
أدخل كلمة المرور.
ضرب مينا المكتب بيده.
لأ... كملي!
حاول جورج أكثر من كلمة.
تاريخ ميلاد ماريان.
تاريخ ميلاد ميرفت.
اسم الشركة.
لكن كل المحاولات فشلت.
وفجأة...
تذكر مينا الجملة التي كانت مكتوبة في دفترها عشرات المرات.
ماتتأخرش.
كتبها كما هي.
وضغط إدخال.
انفتح الفيديو من جديد.
تنهد جورج وقال
واضح إنها كانت عارفة إنك هتفتكر.
ابتسم مينا لأول مرة منذ أيام، رغم الدموع في عينيه.
واصلت ماريان كلامها
لو وصلت لحد هنا... يبقى أنت لسه بتدور، وده كان أملي.
يا بابا... في ناس هتحاول تمنعك تعرف الحقيقة، وفي ناس هتقولك تنسى.
لكن أوعدني... ما تتهمش حد قبل ما تشوف كل الأدلة.
ثم أخرجت ورقة مطوية أمام الكاميرا.
وقالت
كل الإجابات موجودة في الملف اللي اسمه الأمانة.
انتهى الفيديو.
فتح جورج الملف.
لكن قبل أن يظهر أي شيء...
انطفأت الكهرباء في المكتب كله.
غرق المكان في ظلام كامل.
قال مينا بقلق
دي أول مرة الكهرباء تقطع هنا.
وفي اللحظة نفسها...
سمعوا صوت باب المكتب الخارجي يُفتح ببطء.
ثم...
خطوات هادئة تقترب.
توقفت أمام الباب مباشرة.
ودق أحدهم الباب ثلاث دقات متتالية...
ثم جاء صوت رجل هادئ يقول
أستاذ مينا... أنا معايا رسالة أخيرة من ماريان... ولازم أوصلها لحضرتك الليلة الجزء السابع
نظر مينا إلى جورج في الظلام.
لم ينطق أي منهما.
عاد الصوت من خلف الباب، أكثر هدوءًا هذه المرة
أنا مش جاي أؤذي حد... ولو اتأخرت دقيقة واحدة، ممكن تضيع أمانة فضلت محفوظة سنتين.
أخرج جورج مصباحًا صغيرًا من درج مكتبه وأضاءه.
أشار إلى مينا ألا يفتح الباب قبل أن ينظر من العين السحرية.
اقترب مينا بحذر.
نظر...
فرأى رجلًا في الستين من عمره، يرتدي بدلة سوداء بسيطة، ويحمل حقيبة جلدية قديمة.
لم يتعرف عليه.
فتح الباب نصف فتحة.
قال الرجل باحترام
حضرتك الأستاذ مينا؟
أومأ برأسه.
أخرج الرجل بطاقة تعريف قديمة وقال
اسمي فؤاد... كنت أمين محفوظات في الكنيسة اللي كانت ماريان بتخدم فيها.
قطب مينا حاجبيه.
ومين قالك إني هنا؟
ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة.
اللي بعتلك أول رسالة... هو نفسه اللي بلغني.
وقبل أن يسأل مينا أي سؤال آخر...
عادت الكهرباء فجأة.
امتلأ المكتب بالنور.
وضع فؤاد الحقيبة على المكتب وقال
ماريان سلمتهالي قبل اختفائها بأيام.
نظر جورج بسرعة.
وليه مستني كل السنين دي؟
تنهد فؤاد وقال
لأنها قالتلي ما تسلمهاش غير لما أبويا بنفسه يبدأ يدور... ولو حد غيره طلبها، قول له إنها ضاعت.
فتح الحقيبة ببطء.
كان بداخلها مفكرة جلدية صغيرة.
وعلبة معدنية.
ومظروف مختوم بالشمع الأحمر.
أمسك مينا بالمظروف.
كان مكتوبًا عليه بخط ماريان
يفتح بعد مشاهدة ملف الأمانة.
ابتسم جورج وقال
واضح إنها كانت مرتبة كل خطوة.
فتحوا المفكرة أولًا.
كانت عبارة عن يوميات قصيرة.
وفي كل صفحة كانت ماريان تكتب تاريخًا، ثم ملاحظة.
لكن آخر صفحة كانت مختلفة.
لم تكن فيها سوى جملة واحدة
لو حصل لي أي شيء... ابحثوا عن الحقيقة في دير الأنبا أنطونيوس.
ساد الصمت.
قال مينا باستغراب
أنا ولا عمري رحت الدير ده مع ماريان.
رد فؤاد بهدوء
لكن هي كانت بتروح مع والدتها ميرفت كل سنة.
نظر مينا إلى جورج بدهشة.
ميرفت ما قالتليش ده أبدًا.
قال جورج وهو يغلق المفكرة
واضح إن فيه تفاصيل كتير من حياة ميرفت نفسها، إنت ما كنتش تعرفها.
وفي تلك اللحظة...
صدر صوت إشعار من هاتف مينا.
فتحه بسرعة.
وصلت رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول.
ما تفتحوش ملف الأمانة على أي جهاز متصل بالإنترنت.
ثم بعد ثوانٍ...
وصلت رسالة ثانية.
فيه حد وسطكم... بينقل كل خطوة بتعملوها.
رفع مينا رأسه ببطء.
نظر إلى جورج...
ثم إلى فؤاد...
وللمرة الأولى منذ بدأت الرحلة...
شعر أن الخطر لم يعد في الماضي...
بل أصبح داخل الغرفة نفسها الجزء الثامن
ساد صمت ثقيل داخل المكتب.
لم يتحرك أحد.
كان كل واحد منهم ينظر إلى الآخر، وكأن الرسالة زرعت الشك في القلوب.
أغلق مينا هاتفه ووضعه على المكتب.
ثم قال بهدوء
مش هتهم حد... لكن من دلوقتي، أي خطوة هنعملها لازم تبقى قدام الكل.
أومأ جورج موافقًا.
أما فؤاد، فجلس في هدوء وقال
وده اللي كانت ماريان نفسها عايزاه.
اقترب جورج من الكمبيوتر.
فصل كابل الإنترنت بنفسه، ثم أغلق شبكة الواي فاي.
وقال
دلوقتي الجهاز معزول تمامًا.
أعاد فتح الفلاشة.
ثم ضغط على ملف الأمانة.
ظهرت عشرات الملفات المرتبة حسب التواريخ.
وفي مقدمتها ملف بعنوان
ابدأ بالحقيقة.
فتحوه.
لم يكن فيديو هذه المرة...
بل رسالة صوتية.
ضغط مينا على زر التشغيل.
وجاء صوت ماريان واضحًا
يا بابا... أول حاجة لازم تعرفها، إن اللي حصل من سنتين ما كانش مجرد حادث طريق.
تجمدت ملامح مينا.
واصل الصوت
العربية اتعطلت قبل الحادث بساعات، وأنا كنت عارفة إن فيها مشكلة، لكن ماكنتش أعرف إنها هتوصل للحادث اللي حصل.
تنهدت في التسجيل، ثم أكملت
لما فوقت بعد الحادث... لقيت ناس حواليا بيقولوا إن لازم أختفي فترة، لأن في أوراق مهمة لو وقعت في إيد الشخص الغلط، هتضيع حقوق ناس كتير.
نظر مينا إلى جورج.
قال بصوت خافت
يعني كانت عايشة بعد الحادث...
هز جورج رأسه، لكنه لم يعلق.
استمر التسجيل
أنا وافقت أستخبى... بشرط واحد.
سكتت لحظة.
إن أول ما الخطر يخلص... أرجع لحضنك.
اغرورقت عينا مينا بالدموع.
لكن التسجيل لم ينته.
قالت ماريان
ولو أنا ما قدرتش أرجع... يبقى أكيد فيه سبب أكبر مني.
ثم توقف الصوت.
ظهر ملف آخر اسمه
الشاهد الأول.
قبل أن يفتحه جورج...
رن هاتف فؤاد.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلقه فورًا.
لاحظ مينا ارتباكه.
سأله
مين كان بيتصل؟
رد فؤاد بسرعة
رقم غلط.
لكن مينا لمح اسمًا على الشاشة قبل أن تنطفئ...
دير الأنبا أنطونيوس.
رفع رأسه ببطء.
رقم غلط... ولا حد مستني يعرف إحنا وصلنا لإيه؟
لم يجب فؤاد.
واكتفى بالنظر إلى الأرض.
وفي اللحظة نفسها...
وصلت رسالة جديدة إلى هاتف مينا من الرقم المجهول
لو عايز تشوف ماريان بعينك... سافر الدير قبل شروق الشمس. بعد كده هيبقى فات الأوان النهاية
لم ينم مينا تلك الليلة.
ظل ينظر إلى الرسالة الأخيرة، وكأنها الفرصة الوحيدة التي بقيت له.
وقبل أذان الفجر، انطلق هو وجورج إلى دير الأنبا أنطونيوس.
كان الطريق طويلًا، وكل دقيقة تمر كانت أثقل من التي قبلها.
وعندما وصلا إلى الدير، استقبلهما أحد الرهبان وكأنه كان ينتظرهما.
قال بهدوء
الأستاذ مينا؟
أومأ برأسه.
ابتسم الراهب ابتسامة حزينة وقال
اتفضل... في حد نفسه يشوفك.
توقف قلب مينا.
دخل ممرًا طويلًا حتى وصل إلى حديقة صغيرة داخل الدير.
وهناك...
كانت تقف شابة ترتدي ملابس بسيطة، وظهرها إليه.
قال بصوت مرتجف
ماريان...
استدارت ببطء.
وانهمرت دموعه.
كانت هي.
كبرت سنتين، لكن ابتسامتها لم تتغير.
ركض نحوها، وهي أيضًا جرت نحوه.
احتضنها بقوة، وهو يبكي لأول مرة دون أن يخجل.
قال وهو يربت على شعرها
سامحيني... سامحيني يا بنتي.
بكت ماريان وقالت
أنا عمري ما زعلت منك يا بابا... كنت بس مستنية اليوم ده.
وقف جورج بعيدًا، ومسح دموعه في صمت.
بعد أن هدأت المشاعر، جلست ماريان تحكي الحقيقة كاملة.
بعد الحادث، نُقلت إلى مستشفى قريب وهي فاقدة الوعي.
ولأن أوراقها كانت مفقودة، حدث خطأ في تسجيل البيانات، وفي الوقت نفسه كان هناك جثمان آخر تعذر التعرف عليه.
وسط الارتباك، اعتقد الجميع أنها هي المتوفاة.
وقبل تصحيح الخطأ، ظهرت مستندات كانت والدتها ميرفت قد تركتها مع المحامي جورج، تثبت حقوق عدد من العاملين والشركاء الصغار في شركة العائلة، وتمنع ضياع أموالهم.
لكن بعض أصحاب المصالح حاولوا الاستيلاء على تلك الحقوق، فنصح أشخاص أمناء ماريان بأن تبقى بعيدة فترة قصيرة حتى تُحفظ المستندات وتُستكمل الإجراءات القانونية.
ومع مرور الوقت، تعقدت الأمور أكثر، حتى أصبح إعلان ظهورها المفاجئ قد يفسد كل ما كانت تسعى إليه والدتها قبل وفاتها.
لذلك ظلت على تواصل مع عدد محدود جدًا من الأشخاص الذين وثقت بهم، وكانت تتابع أخبار
والدها من بعيد، حتى تأكدت أنه بدأ يبحث بنفسه عن الحقيقة.
أما نانسي...
فلم تكن شريكة في أي جريمة، ولم تكن قد أخفت ماريان.
هي أيضًا كانت تعتقد أن ماريان توفيت، مثل مينا تمامًا.
لكنها كانت تخشى أن يؤدي فتح الماضي من جديد إلى انهيار استقرار العائلة والشركة، لذلك حاولت منعه من البحث، بدافع الخوف لا بدافع الذنب.
وماهر...
كان يخشى فقط أن تؤدي المفاجآت إلى نزاعات قانونية تهدد الشركة التي قضى سنوات في إدارتها، فتصرف باندفاع، لكنه لم يكن جزءًا من أي مؤامرة.
بعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة أمام الجهات المختصة.
صُححت السجلات الرسمية.
وأُلغيت شهادة الوفاة الخاطئة.
وعادت ماريان إلى بيتها.
دخلت غرفتها، فوجدتها كما تركتها.
الكتب في أماكنها...
والصور على الحائط...
والإسورة الفضية ذات الصليب الصغير ما زالت في يدها.
ابتسمت وهي تنظر إلى والدها.
وقالت ضاحكة
فاكر آخر رسالة بعتها لك؟
ابتسم مينا وسط دموع الفرح.
أيوه... كتبتي ماتتأخرش.
ردت وهي تمسك يده
وأخيرًا... جيت في معادك.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد مينا يؤجل لقاء من يحب، ولا يترك كلمة محبة لوقت آخر.
لأنه تعلم أن أغلى ما في الحياة ليس المال ولا النجاح...
بل أن تجد من تحب بجوارك، قبل أن تظن أنه أصبح مجرد ذكرى.
تمت.