في ليلة فرحها بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

في ليلة فرحها، العروسة صرخت صرخة هزّت البيت كله... وحماتها لما دخلت الأوضة لقتها مرمية على الأرض بترتعش، وابنها واقف بيهمس كان لازم تدفع التمن.
يا ماما... أنا مستحيل أكمل مع الراجل ده.
قالتها كريمة وهي مرمية على الأرض، فستان فرحها متكرمش، نفسها متقطع، وعينيها مليانين رعب عمر نعمة ما شافته في وش عروسة لسه متجوزة.
من ساعة واحدة بس، كان جنينة الفيلا في المعادي مليانة ورد أبيض، وريحة التورتة، والضحك، والأغاني. النور المعلق بين الشجر كان عامل منظر كأنه نجوم نازلة من السما، وآخر المعازيم كانوا لسه خارجين وهم بيقولوا
ألف مبروك... فرح يفرح.
نعمة كانت مستنية اليوم ده من سنين.
كريم كان ابنها الوحيد... سندها وفخرها. شاب محترم، متعلم، اشتغل مهندس في شركة كبيرة، وعمره ما سبب لها وجع قلب.
ولما عرفهم على كريمة من سنتين، حسّت إن ربنا أخيرًا رزقها بالبنت اللي عمرها ما خلفتها.
كريمة ما كانتش بتحاول تلفت نظر حد.
أول مرة دخلت البيت كانت لابسة هدوم بسيطة، وابتسامتها هادية، ولما لقت المواعين متكومة في المطبخ، دخلت غسلتها من غير ما حد يطلب منها.
ومن يومها، بقت نعمة تعتبرها بنتها.
كانت كل ما تنزل السوق تجيب لها الحاجة اللي بتحبها، وتستناها كل يوم جمعة عالغدا، وتناديها تلقائي
يا بنتي.
علشان كده...
لما سمعت الصرخة في ليلة الفرح، قلبها وقع.
الصوت كان جاي من أوضة العرسان.
وماكانش صوت هزار...
ولا صوت خضة.
كانت صرخة طالعة من قلب واحد بيموت من الرعب.
جوزها حسن بص لها وقال
سمعتي؟
لكن نعمة كانت قامت بالفعل، وبتجري ناحية الأوضة وهي حافية.
أخو حسن كان طالع السلم هو كمان وهو بيقول
في إيه؟
ما ردتش عليه.
فضلت تخبط على الباب بكل قوتها.
يا كريم... افتح الباب!
مفيش رد.
خبطت تاني.
يا ابني افتح!
ولا صوت.
ولا حركة.
حسن زق الباب بقوة...
ولما الباب اتفتح...
كلهم اتجمدوا مكانهم.
السرير لسه مترتب.
ورد الفرح زي ما هو.
كاسات العصير لسه مليانة.
لكن كريمة كانت مرمية جنب الحيطة، حضنة نفسها، وجسمها كله بيترعش.
أما كريم...
فكان قاعد على الأرض، هدومه مبهدلة، ووشه غرقان عرق، وعنيه تايهة.
نعمة جريت على كريمة.
مالك يا بنتي؟ حصل إيه؟
لكن كريمة زحفت لورا وهي بتصرخ
لا... ابعدي... بالله عليكي.
قالت نعمة وهي بتحاول تهديها
أنا نعمة... أنا زي أمك.
بصتلها كريمة، ودموعها نازلة.
وقالت بصوت متقطع
يا ماما... أنا مقدرش أبقى مرات الراجل ده... هو بيكرهني.
سكتت الأوضة كلها.
حسن لف ناحية ابنه وقال بغضب
عملت فيها إيه؟
كريم فتح بقه...
لكن ما طلعش صوت.
وفجأة...
انهار في العياط.
عياط طفل صغير.
وقال وهو بيشهق
أنا... ماكنتش فاكر إنها هتخاف كده.
نعمة بصتله بصدمة.
يعني إيه؟
بلع ريقه وقال
كنت عايزها تخاف... وبس.
كريمة انفجرت في البكا.
حسن وأخوه خدّوها أوضة الضيوف علشان تهدى.
أما نعمة...
فضلت واقفة قدام ابنها.
وقالت بحزم
بصلي يا كريم.
رفع عينه بالعافية.
مش دلوقتي يا أمي.
لا... دلوقتي.
سكت ثواني...
وبعدين قال بصوت بارد عمرها ما سمعته منه
كان لازم تدفع التمن.
اتجمدت نعمة.
تدفع تمن إيه؟
بص ناحية الباب اللي خرجت منه كريمة...
وقال
تمن اللي عملته في بسمة.
في اللحظة دي...
نعمة فهمت إن الفرح ده ماكانش فرح.
كان فخ...
متغطي بالورد والزينة والزغاريد.
والمصيبة الحقيقية...
لسه ما بدأتش ووو و
بقلم_زيزي_احمد
في أوضة الضيوف، كانت كريمة قاعدة وهي لافة شال أبيض على كتفها، وكل ما حد يسألها عمل إيه؟ كانت تهز راسها وتقول
مش هقدر أقول... مش دلوقتي.
أما كريم، فقفل على نفسه أوضة المكتب القديمة، ورفض يفتح لأي حد.
نعمة كانت حاسة إن ابنها مخبي حاجة أكبر بكتير من مجرد خلاف بين عريس وعروسته.
بعد ساعة...
رن جرس الفيلا.
الوقت كان بعد نص الليل.
استغربوا كلهم.
مين ممكن ييجي في الوقت ده؟
الخفير فتح الباب...
ولقى راجل كبير في الستينات، لابس بدلة سودا قديمة، وماسك ظرف بني سميك.
قال بهدوء
أنا لازم أقابل العريس... حالًا.
حسن نزل بنفسه.
حضرتك مين؟
الراجل بص حواليه وكأنه بيتأكد إن محدش سامعه، وقال
أنا المحامي الخاص بالمرحوم فؤاد الشاذلي.
الاسم وقع على كريم زي الصاعقة.
طلع يجري من المكتب لأول مرة، وخطف الظرف من إيد الراجل.
صرخت نعمة
مين فؤاد الشاذلي؟
لكن كريم ما ردش.
فتح الظرف بسرعة...
وأول ما شاف الورقة اللي جواه، وشه اصفر.
إيده بدأت ترتعش.
وكريمة، أول ما لمحت الورقة من بعيد...
شهقت وقالت
لا... مستحيل... الورقة دي لسه موجودة؟!
نعمة بقت تبص مرة على ابنها ومرة على كريمة.
إنتوا تعرفوا بعض في إيه؟
سكتوا.
المحامي قال بهدوء
واضح إن الحقيقة لسه ما اتقالتش.
حسن زعق
حقيقة إيه؟
المحامي طلع ملف قديم عليه آثار حريق خفيفة، وحطه على الترابيزة.
وقال
من خمس سنين... حصل حادث في بيت قديم في المنصورة.
الكل افتكر إنه مجرد حريق.
لكن الحقيقة... إن اللي مات في الحريق ماكانش شخص واحد.
الأوضة كلها سكتت.
وكريمة بدأت تبكي من غير صوت.
أما كريم...
فقفل الملف بسرعة وهو بيقول بعصبية
مش هسمح لحد يفتحه.
المحامي رد بمنتهى البرود
للأسف... دي مش رغبتك.
لأن المرحوم كتب في وصيته إن الملف ده يتفتح... أول ليلة بعد جوازك من كريمة.
ساد صمت مرعب.
كل الأنظار راحت ناحية كريمة.
لكن المفاجأة الأكبر...
إنها همست وهي مغمضة عينيها
أنا كنت فاكرة إن السر ده اندفن للأبد...
وفي اللحظة نفسها...
انطفأت الكهرباء في الفيلا كلها.
وسُمعت من آخر الجنينة خبطة قوية...
كأن حد فتح البوابة الحديد من برّه...
رغم إن الحارس كان واقف قدامها من دقيقة واحدة بس الظلام لفّ الفيلا كلها في لحظة.
اتسمّرت نعمة مكانها، بينما حسن جري ناحية لوحة الكهرباء وهو بينادي
حد يشغّل كشاف الموبايل!
خلال ثوانٍ، أنوار الموبايلات نورت المكان.
لكن البوابة الخارجية كانت مفتوحة فعلًا...
والحارس واقف قدامها مذهول.
قال وهو بيبلع ريقه
والله يا بيه... ما شوفتش حد دخل ولا خرج.
وفجأة...
سمعوا صوت خطوات بطيئة جاية من وسط الجنينة.
خطوة...
وبعدين خطوة...
وبعدين سكون.
أخو حسن مسك عصاية كانت جنب الباب ونزل يجري.
ولما وصل عند شجرة الياسمين الكبيرة...
وقف مكانه وهو بيحدق في الأرض.
يا جماعة... تعالوا.
كلهم قربوا.
كانت فيه علبة خشب صغيرة، مقفولة بقفل نحاس قديم.
وفوقها ورقة مكتوب عليها بخط واضح
لا تفتحوها إلا بحضور كريمة.
شهقت كريمة أول ما شافت الخط.
همست بصوت مرتعش
أنا أعرف الخط ده...
نعمة مسكت إيدها.
بتاع مين؟
لكن كريمة هزت راسها.
لو قلت دلوقتي... كل حاجة هتبوظ.
كريم شد العلبة من على الأرض بعصبية.
محدش هيفتحها.
المحامي قال بحزم
لا... لازم تتفتح.
دي آخر أمانة سابها المرحوم.
فضلوا يبصوا لبعض ثواني.
وفي الآخر...
مد حسن إيده وفك القفل.
أول ما الغطا اتفتح...
لقوا مفتاح قديم جدًا، وميدالية فضة محفور عليها رقم واحد فقط.
وتحتها رسالة قصيرة
المفتاح يفتح الباب... لكن الحقيقة موجودة تحت السلم.
الكل بص تلقائيًا ناحية السلم الداخلي للفيلا.
نعمة استغربت.
تحت السلم؟
قال المحامي بهدوء
المرحوم اشترى الفيلا دي قبل ما يبيعها لكم بسنين.
وكان دايمًا يقول إن فيه مكان محدش يعرفه غيره.
قلب حسن بدأ يدق بعنف.
تقصد... فيه غرفة مخفية؟
وقبل ما حد يرد...
طلع صوت خبطات من تحت السلم نفسه.
خبطة...
ثم خبطة تانية...
ثم الثالثة كانت أقوى...
كأن في حد... بيحاول يخرج من الناحية التانية الخبط وقف فجأة...
لكن الصمت اللي جه بعده كان أخوف من أي صوت.
نعمة ضمت إيديها وهي بتتمتم
يا ساتر يا رب...
حسن قرب بحذر من تحت السلم، وسلط كشاف الموبايل على الحائط.
في البداية، ما شافش غير الرخام العادي.
لكن المحامي أشار إلى الميدالية الفضية.
جرّبها.
كريم كان رافض.
كفاية... مش لازم نكمل.
بصت له كريمة لأول مرة من ساعة ما خرجت من أوضة العرسان، وقالت بصوت هادي
لا... لازم الحقيقة كلها تظهر.
أخذ حسن الميدالية، ولاحظ إن فيها تجويف صغير على شكل الرقم واحد.
ولما قربها من جزء معين في الحائط...
سمعوا صوت تك.
وببطء...
بدأ جزء من الرخام يتحرك للداخل، كاشفًا عن باب حديدي قديم، عليه آثار صدأ.
اتسعت عيون الجميع.
قال نعمة وهي تضع يدها على فمها
إزاي الباب ده موجود في بيتنا وإحنا ما نعرفش؟
رد المحامي
لأن محدش كان المفروض يعرف بوجوده... إلا اللي معاه المفتاح.
مد كريم إيده بسرعة، وكأنه هيقفل الباب تاني.
لكن كريمة أمسكت ذراعه.
همست
خلاص يا كريم... الهروب مش هينفع.
نظر إليها طويلًا...
وفي عينيه كان واضح إنه بيصارع حاجة جواه من سنين.
فتحوا الباب.
كان فيه سلم ضيق نازل لتحت.
الهوا اللي طلع من المكان كان تقيل، كأنه باب ما اتفتحش من زمن بعيد.
نزل حسن أول واحد.
وراه نعمة، ثم المحامي، وبعدهم كريم وكريمة.
في آخر السلم...
كانت فيه أوضة صغيرة.
مفيهاش غير ترابيزة خشب، وخزنة حديد، وساعة حائط قديمة واقفة عند الساعة الحادية عشرة وسبع دقائق.
المحامي ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
حتى الساعة... واقفة عند نفس الدقيقة.
نعمة سألت باستغراب
إيه أهمية الوقت ده؟
لكن قبل ما يرد...
لاحظت كريمة صورة قديمة معلقة على الحائط.
قربت منها وهي بتترعش.
الصورة كانت لرجل وسيدة... وبينهم طفل صغير وبنت صغيرة.
لكن اللي خلّى الدم يتجمد في عروقها...
إن الطفل كان كريم.
والبنت...
كانت هي نفسها.
رجعت خطوتين لورا وهي تهمس
إزاي... الصورة دي اتصورت قبل ما إحنا حتى نتقابل؟
وساعتها...
فتح المحامي الخزنة بالمفتاح القديم.
وأخرج منها دفتر جلدي أسود، مكتوب على غلافه بخط واضح
لا يُقرأ إلا إذا اجتمع كريم... وكريمة... بعد زواجهما.
تبادل الاثنان نظرات مليئة بالخوف.
ثم مدّ المحامي يده بالدفتر نحوهما، وقال
اللي مكتوب هنا... هيغيّر كل اللي أنتم فاكرين إنكم عارفينه.
وساد صمت ثقيل...
قبل أن يفتح كريم الصفحة الأولى

تم نسخ الرابط