في ليلة فرحها بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

بيد مرتعشة فتح كريم أول صفحة...
لكن قبل ما يقرأ سطر واحد...
المحامي قال بسرعة
استنى.
كلهم بصوا له.
قال وهو بيعدل نضارته
المرحوم كتب ملاحظة في أول الدفتر.
أخذ الدفتر، وقرأ بصوت مسموع
إذا وصل هذا الدفتر إلى أيديكم، فاعلموا أن الحقيقة لن تفرّق بين بريء ومذنب... لكنها ستكشف من ضحّى، ومن كذب، ومن أخفى السر.
سكت لحظة...
ثم سلّم الدفتر لكريم.
بدأ يقرأ.
في يوم 14 أكتوبر، من خمس سنوات، وصلتني طفلة تبكي أمام باب بيتي...
شهقت كريمة.
اليوم ده...
وكأنها افتكرت حاجة كانت مدفونة في ذاكرتها.
فضل كريم يقرأ
كانت فاقدة جزءًا من ذاكرتها، ولا تعرف إلا اسمها الأول. وكانت تردد جملة واحدة طوال الليل أوعوا تفتحوا الصندوق.
اتسعت عينا كريمة.
وضعت يدها على رأسها وهي تتألم.
بدأت صور متفرقة ترجع لها...
بيت قديم...
مطر شديد...
وصندوق خشبي صغير...
وصوت رجل يقول
مهما حصل... محدش يفتح الصندوق.
نعمة قربت منها.
إنتِ مالك؟
ردت بصوت مرتعش
أنا... أنا سمعت الجملة دي قبل كده.
أما كريم...
فكان ثابتًا في مكانه.
لكنه لم يكن متفاجئًا.
لاحظت نعمة ذلك.
صرخت فيه
إنت كنت تعرف؟
خفض رأسه ببطء.
أيوه...
ساد الصمت.
ثم أكمل
عرفت الحقيقة من شهرين... قبل الفرح.
شهقت نعمة.
وعرفت وسكت؟
قال بصوت مكسور
لأن المحامي طلب مني ما أقولش حاجة... لحد الليلة دي.
المحامي هز رأسه.
دي كانت وصية المرحوم.
غضب حسن.
وصية إيه اللي تخلّي اتنين يتجوزوا وهم مش فاهمين حاجة؟
رد المحامي بهدوء
لأن السر ماكانش يخص الماضي بس...
كان يخص المستقبل كمان.
ثم فتح آخر جيب في الدفتر.
وأخرج ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
كان مكتوبًا عليه
لا يُفتح إلا إذا اعترف كريم بالسبب الحقيقي الذي جعله يقول كان لازم تدفع التمن.
نظر الجميع إلى كريم.
حتى كريمة.
كانت تنتظر إجابته.
ابتلع ريقه بصعوبة...
وأغمض عينيه.
ثم قال
أنا ما قصدتش إنها تدفع تمن ذنب عملته...
أنا كنت أقصد... إنها لازم تواجه الحقيقة اللي كانت مستخبية عنها طول السنين.
ثم نظر إلى كريمة مباشرة.
وأضاف بصوت خافت
لأن الشخص اللي أنقذك يوم الحريق...
ما ماتش زي ما كل الناس فاكرة.
وفي اللحظة دي...
صدر صوت هاتف قديم من داخل الخزنة.
هاتف لم يكن موصولًا بأي شاحن...
ولا حتى فيه شريحة ظاهرة.
لكنه كان بيرن...
وعلى شاشته ظهر اسم واحد فقط
المتصل الشاهد الأخير الكل بص للهاتف في ذهول.
الرنة استمرت...
مرة...
واتنين...
وثلاثة...
ولا حد كان عنده الجرأة يمد إيده.
المحامي قال بهدوء
رد يا كريم.
هز كريم راسه.
أنا خايف.
رد المحامي
إحنا كلنا بقينا جوه الحقيقة... مفيش رجوع.
مد كريم إيده المرتعشة، وضغط على زر الرد.
في الأول...
ماكانش فيه غير صوت نفس هادئ.
وبعدين...
صوت راجل كبير في السن قال
لو سمعتوا المكالمة دي... يبقى أنا غالبًا ما بقيتش عايش.
نعمة شهقت.
المحامي غمض عينيه.
عرف الصوت من أول كلمة.
كان صوت فؤاد الشاذلي نفسه...
مسجل قبل وفاته.
قال الرجل
أنا مش هقول أسماء...
لأن الأسماء ممكن تخدع.
لكن هقول الحقيقة.
سكت لحظة...
ثم أكمل
الحريق اللي حصل من خمس سنين... ماكانش حادث.
الكل اتجمد.
كان بسبب جهاز كهربائي قديم حصل فيه ماس مفاجئ.
لكن اللي الناس ما تعرفوش...
إنه كان فيه صندوق أمانات في البيت.
نظر كريم إلى كريمة.
كانت دموعها بتنزل في صمت.
واصل التسجيل
الصندوق ده ماكانش فيه فلوس...
ولا دهب...
كان فيه أوراق تثبت حق عيلة كاملة في ميراث كبير.
ولو الأوراق دي ضاعت...
الحق هيضيع للأبد.
حسن قال باستغراب
يعني كل ده بسبب أوراق؟
لكن التسجيل أكمل
قبل ما النار توصل للصندوق...
طفلة صغيرة أصرت ترجع تجيبه.
ارتعشت كريمة.
كأنها بدأت تتذكر.
ورغم إن الكبار كانوا بيصرخوا عليها تخرج...
هي رجعت.
نعمة همست
الطفلة دي... كريمة.
لكن التسجيل فاجأهم
الطفل اللي جرى وراها، وأنقذها قبل ما السقف يقع...
كان كريم.
نظر الجميع إلى كريم.
خفض رأسه في صمت.
ومن يومها...
الطفلين عاشوا كل واحد بعيد عن التاني...
بناءً على طلبي أنا.
شهقت نعمة.
ليه؟
لكن التسجيل أجاب
لأن الأوراق اختفت.
وكان لازم أفضل أدوّر عليها من غير ما حد يعرف إن الطفلين لسه عايشين ويحملوا السر.
انتهى التسجيل...
لكن قبل أن يغلق الهاتف...
اشتغل تلقائيًا تسجيل تاني.
صوت مختلف...
أقرب...
وأشد غموضًا.
قال
لو وصلتم للتسجيل ده...
يبقى حد سبقكم للمكان.
تبادل الجميع النظرات.
ثم أكمل الصوت
لأن الصندوق الحقيقي...
مش موجود في الغرفة دي.
وفي اللحظة نفسها...
صدر صوت احتكاك قوي فوقهم.
كأنه قطعة أثاث ضخمة اتحركت في الدور الأرضي.
ثم سمعوا صوت باب الفيلا الرئيسي وهو يُغلق بعنف...
رغم أن كل الموجودين كانوا في الغرفة السرية تحت السلم.
وساد صمت ثقيل...
قبل أن يسمعوا خطوات بطيئة...
تنزل درجات السلم المؤدي إليهم...توقفت الخطوات عند آخر درجة.
لم يتكلم أحد.
حتى أنفاسهم بقت مسموعة.
حسن شد أول سيخ حديد لاقاه جنب الحائط، ووقف قدام نعمة وكريمة.
أما كريم...
فكان مركز نظره على باب الغرفة السرية.
وببطء...
ظهر ظل شخص.
ولما دخل في نور الكشاف...
اتفاجأوا كلهم.
كان الحارس.
لكن وشه كان شاحب، وهدومه كلها تراب.
قال وهو بيلهث
اقفلوا الباب... بسرعة!
حسن زعق
في إيه؟
رد الحارس وهو بيبص وراه بخوف
في حد دخل الفيلا... وكان بيدور على الغرفة دي بالاسم.
المحامي عقد حاجبيه.
قال اسمها؟
أيوه... قال فين غرفة الوصية؟
ساد الصمت.
الغريب...
إن اسم غرفة الوصية ماكانش يعرفه غير فؤاد الشاذلي... والمحامي.
قال كريم بحدة
كان شكله عامل إزاي؟
الحارس هز رأسه.
ما شفتش وشه كويس... كان لابس جاكت غامق، وكاب على راسه.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
لقيت ده واقع منه.
المحامي فتح الظرف.
كان بداخله مفتاح آخر...
يشبه المفتاح القديم تمامًا.
لكن عليه الرقم 2 بدل الرقم 1.
وتحته ورقة صغيرة مكتوب فيها
من يملك المفتاحين... يفتح الحقيقة كاملة.
نعمة بصت للمحامي.
يعني فيه باب تاني؟
رد بعد تفكير
لا... غالبًا فيه خزنة تانية.
وفجأة...
افتكرت كريمة حاجة.
رفعت رأسها بسرعة وقالت
الساعة!
كلهم بصوا لها باستغراب.
جريت ناحية ساعة الحائط القديمة.
فؤاد بيه كان دايمًا يقول الزمن بيقف... لكن السر ما بيقفش.
قربت من الساعة...
ولاحظت إن عقرب الدقائق مش مكسور.
كان بيتحرك سنة صغيرة لو اتضغط عليه.
لفته لحد ما وصلت العقارب لنفس التوقيت المكتوب في الدفتر...
الحادية عشرة وسبع دقائق.
وفجأة...
سمعوا صوت تكة خافتة.
فتح درج صغير جدًا أسفل الساعة.
كان مستخبي بإتقان.
وفيه...
شريط كاسيت قديم.
وعليه ورقة مكتوب بخط واضح
لا تشغّلوا هذا الشريط إلا بعد معرفة صاحب المفتاح رقم 2.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف حسن.
رقم غريب.
رد بحذر.
جاله صوت هادئ جدًا قال
متتعبوش نفسكم...
صاحب المفتاح رقم 2...
واقف وسطكم من أول الليلة.
وانقطع الخط.
تبادل الجميع النظرات في صدمة.
كل واحد بدأ يبص للتاني...
وكل واحد بقى يشك في اللي واقف جنبه.
أما المحامي...
فخفض رأسه في صمت.
وكأن الجملة دي...
عرفته إن السر اللي فضل يحميه سنين...
بدأ أخيرًا ينكشف ساد الصمت...
صمت تقيل لدرجة إن صوت عقارب الساعة القديمة، بعد ما رجعت تشتغل، بقى أوضح من أنفاسهم.
نعمة كانت أول واحدة كسرت الصمت.
بصت للمحامي وقالت
إنت عارف مين صاحب المفتاح رقم 2... صح؟
المحامي ما ردش.
لكن سكوته كان كفاية.
حسن قرب منه بعصبية.
اتكلم!
أخذ المحامي نفسًا عميقًا، ثم قال
أنا أعرف... لكن مش من حقي أقوله.
كريم ضرب الترابيزة بقبضته.
كفاية وصايا وألغاز! إحنا تعبنا.
المحامي مد إيده في جيب الجاكيت، وأخرج ظرفًا أبيض صغيرًا.
كان مختومًا بنفس الشمع الأحمر.
وقال
المرحوم سلمني الظرف ده بنفسه.
وقال لي لو في يوم حد حاول يعرف صاحب المفتاح رقم 2 قبل معاده... سلمه الظرف، وسيبه يقرر بنفسه.
ناول الظرف إلى كريم.
فتح كريم الظرف ببطء...
ولقى جواه بطاقة صغيرة.
مكتوب عليها سطر واحد فقط
صاحب المفتاح رقم 2... هو الشخص الذي أخفى الصندوق لحماية الجميع، وليس لإخفاء الحقيقة.
رفع كريم رأسه.
الحيرة كانت باينة على وشه.
يعني إيه؟
قبل ما حد يجاوب...
كريمة فجأة قربت من المكتبة الخشبية في آخر الغرفة.
وقفت قدامها وهي بتبص على صف الكتب.
ثم مدت إيدها وسحبت كتابًا قديمًا.
الكتاب ما كانش بيتفتح...
كان زرًا مخفيًا.
بمجرد ما ضغطت عليه...
اتحركت قطعة صغيرة من الحائط.
ظهر تجويف ضيق...
وفي داخله صندوق معدني أسود.
لكن الغريب...
إن الصندوق كان فيه مكانين للمفاتيح.
مكان للمفتاح رقم 1...
ومكان للمفتاح رقم 2.
قال المحامي بهدوء
دلوقتي تأكدنا...
إن الصندوق الحقيقي هو ده.
لكن ما حدش كان يقدر يفتحه.
لأن المفتاح الثاني ما زال مع صاحبه.
وفي تلك اللحظة...
صدر صوت من خلفهم.
لو سمحتوا... ابعدوا عن الصندوق.
استدار الجميع بسرعة.
كان الحارس.
لكنه هذه المرة لم يكن خائفًا.
كان واقفًا بثبات.
وفي يده...
المفتاح رقم 2.
نظر إلى كريم مباشرة، وقال
أنا فضلت أحرس السر ده خمس سنين كاملة...
والليلة بس... جه الوقت أسلمه لصاحبه الحقيقي.
ثم رفع المفتاح أمام الجميع...
وأضاف
لكن قبل ما أي قفل يتفتح...
لازم تعرفوا ليه فؤاد الشاذلي أصر إن كريم وكريمة يتجوزوا الأول...
وسكت.
وكأن الإجابة...
هي أخطر سر في الحكاية كلها لم يمدّ أحد يده نحو المفتاح.
كل الأنظار كانت معلقة بالحارس.
نعمة قالت وهي تحاول تستوعب اللي سمعته
إنت... إنت كنت تعرف فؤاد الشاذلي؟
ابتسم الحارس ابتسامة باهتة.
اشتغلت معاه أكتر من عشرين سنة.
ولما حس إن عمره قرب يخلص، سلمني المفتاح وقال لي هتسلمه في الليلة اللي يجتمع فيها الاتنين بإرادتهم.
حسن عقد حاجبيه.
يعني الجواز ده ماكانش صدفة.
ولا حتى تعارف عادي.
رد الحارس
أبدًا.
التفتت كريمة إلى كريم.
إنت... كنت عارف إننا اتقابلنا بتخطيط؟
هز رأسه بالنفي.
والله ما كنت أعرف. أنا افتكرت إن كل اللي عرفته قبل الفرح هو موضوع الحريق بس.
المحامي أكد كلامه.
وده حقيقي. المرحوم كان رافض يقول لأي حد كل الحقيقة.
اقترب الحارس من الصندوق، ووضع المفتاح رقم 2 بجوار المفتاح الأول.
لكنه لم يدخله.
وقال
قبل ما الصندوق يتفتح... لازم تعرفوا سبب الجواز.
فتح المحامي آخر صفحة في الدفتر الجلدي.
وكان فيها خطاب قصير بخط فؤاد الشاذلي
لو اجتمع كريم وكريمة بعد كل هذه
تم نسخ الرابط