في ليلة فرحها بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

السنوات، فاعلموا أن القدر منحكم فرصة جديدة. ما انكسر في الماضي لن يصلحه إلا اتفاقكما في الحاضر. لا تفتحوا الصندوق وأنتم مختلفون، لأن ما بداخله يحتاج قرارًا واحدًا، لا قرارين.
سألت نعمة باستغراب
قرار إيه؟
رد الحارس
المرحوم كان بيقول إن اللي جوه الصندوق مش مجرد أوراق...
ده شيء هيغيّر حياة العيلتين.
ساد الصمت.
ثم التفت الحارس إلى كريم وكريمة.
أنا مش هسألكم إذا كنتم هتكملوا الجواز ولا لأ.
أنا هسألكم سؤال واحد.
نظر إليهما بثبات.
هل تقدروا تثقوا في بعض... ولو لخمس دقايق؟
نظر كريم إلى كريمة.
كانت المرة الأولى منذ بداية الليلة التي يختفي فيها الخوف من عينيها.
قالت بهدوء
أنا لسه زعلانة منك... لكن حاسة إن الليلة دي أكبر من أي خلاف بينا.
أومأ كريم برأسه.
وأنا مستعد أعرف الحقيقة كاملة... مهما كانت.
ابتسم الحارس لأول مرة.
وأدخل المفتاحين في القفلين.
لف المفتاح الأول...
ثم الثاني...
فصدر صوت معدني قوي.
وانفتح الصندوق ببطء.
لم يكن بداخله ذهب...
ولا أموال...
بل ملف أزرق سميك، ومظروف مختوم، وعلبة مخمل صغيرة.
فتح كريم العلبة أولًا.
فوجد بداخلها خاتمًا فضيًا قديمًا، منقوشًا من الداخل بكلمتين
العهد باقٍ.
أما المظروف...
فكان مكتوبًا عليه
لا يُفتح إلا بعد قراءة الملف كاملًا.
مدّ المحامي يده نحو الملف الأزرق...
ثم توقف فجأة.
لأن أول صفحة فيه لم تكن مستندًا...
بل صورة حديثة.
صورة التُقطت قبل شهرين فقط.
وكانت تُظهر كريم...
وكريمة...
وهما يجلسان في أحد المقاهي، يوم خطبتهما.
تجمد الجميع.
نعمة همست في ذهول
دي صورة جديدة... مين كان بيراقبكم؟
وفي أسفل الصورة...
كانت هناك جملة بخط اليد
إذا كنتم ترون هذه الصورة... فاعلموا أن صاحب السر ما زال بينكم... ولم يقل كلمته الأخيرة اتسعت عينا كريم وهو يقلب الصورة.
كان متأكدًا من شيء واحد...
هو وكريمة لم يلاحظا يومًا أن أحدًا كان يصورهما.
قال حسن بغضب
يعني فيه حد كان متابعكم من شهرين؟
هز المحامي رأسه ببطء.
واضح إن فؤاد الشاذلي ماكانش الوحيد اللي بيعرف السر.
مد كريم يده إلى الملف الأزرق.
فتح أول صفحة.
كانت مليانة مستندات قديمة، وعقود شراء، وإقرارات، ورسائل بخط اليد.
وفي آخر الصفحة الأولى، كانت جملة مكتوبة بالقلم الأحمر
اقرؤوا الورقة رقم سبعة أولًا.
بدأوا يعدّوا الأوراق...
واحد...
اتنين...
تلاتة...
لحد ما وصلوا للورقة السابعة.
كانت رسالة قصيرة.
قرأها كريم بصوت مرتفع
إذا وصلتم إلى هذه الورقة، فاعلموا أن هناك شخصًا بينكم لم يكذب... لكنه لم يقل الحقيقة كاملة.
ساد الصمت.
نعمة بصت لكل الموجودين.
حسن...
كريمة...
المحامي...
الحارس...
حتى كريم نفسه.
كل واحد بقى يشك في الثاني.
أكمل القراءة
هذا الشخص احتفظ بسر واحد فقط... لأنه لو قاله في وقته، لانقسمت العائلتان إلى الأبد.
وفجأة...
قالت كريمة بصوت منخفض
أنا فاكرة.
التفت الجميع إليها.
وضعت يدها على رأسها.
أنا فاكرة الليلة دي...
بعد الحريق... كان فيه راجل شال الصندوق قبل ما البيت ينهار.
ابتلع كريم ريقه.
شفتي وشه؟
هزت رأسها.
لأ... لكني فاكرة حاجة غريبة.
كان بيعرج في رجله الشمال.
ساد صمت ثقيل.
ثم...
تحولت كل الأنظار تلقائيًا إلى الحارس.
لأنه منذ دخل الفيلا...
كان واضحًا أنه يعرج في رجله اليسرى.
رفع الحارس عينيه إليهم.
لم ينكر.
ولم يغضب.
بل قال بهدوء
أيوه...
أنا اللي خرجت الصندوق من البيت.
شهقت نعمة.
لكن الحارس أكمل بسرعة
ولو ما كنتش خرجته... كانت الحقيقة كلها اتحرقت.
سأله حسن بحدة
طيب ليه خبيته؟
نظر الحارس إلى الملف الموجود على الطاولة.
ثم قال
لأن اللي طلب مني أخبيه...
ماكانش فؤاد الشاذلي.
تجمد الجميع.
المحامي همس
مستحيل...
رد الحارس وهو ينظر مباشرة إلى نعمة
اللي طلب مني أخبيه...
كانت واحدة من أهل البيت.
ارتعشت يد نعمة.
وبدأت تسترجع في ذهنها كل ما حدث منذ خمس سنوات...
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد.
هي...
لم تطلب من أحد أن يخفي أي صندوق.
إذن...
من المقصود بكلمة
واحدة من أهل البيت؟نظرت نعمة إلى الحارس في ذهول.
وقالت بحدة
قصدك مين؟ اتكلم من غير ألغاز.
الحارس تنهد وقال
لو قلت الاسم دلوقتي... هتفتكروا إني باتهم حد ظلم.
وعشان كده... خلي الدليل هو اللي يتكلم.
مد يده داخل الملف الأزرق، وسحب ظرفًا صغيرًا آخر.
كان مكتوبًا عليه
يفتح بعد اعتراف الحارس.
فتح الظرف.
وأخرج منه مفتاحًا صغيرًا جدًا، لا يتعدى طول الإصبع.
قال المحامي
ده مش مفتاح باب...
رد الحارس
لأ... ده مفتاح درج.
بدأ الجميع يدور في الغرفة.
وفجأة اقتربت كريمة من المكتب الخشبي القديم.
كان يبدو عاديًا جدًا...
لكنها لاحظت ثقبًا صغيرًا أسفل أحد الأدراج.
أدخل الحارس المفتاح.
صدر صوت خفيف...
وانفتح درج سري لم يكن ظاهرًا.
كان بداخله دفتر مذكرات صغير.
غلافه الجلدي باهت من الزمن.
لكن أول ما فتحه المحامي...
عرفه فورًا.
همس
دي مذكرات فؤاد الشخصية...
قلب أول صفحة.
وكان مكتوبًا فيها
إذا قرأتم هذه السطور، فاعلموا أنني أخفيت اسمًا واحدًا طوال خمس سنوات... حمايةً لصاحبه، لا خوفًا منه.
قلب الصفحة التالية.
وجد قائمة بأسماء كل من كانوا موجودين يوم الحريق.
وبجوار كل اسم ملاحظات قصيرة.
حتى وصل إلى آخر اسم.
توقف فجأة.
واتسعت عيناه.
خطف كريم الدفتر من يده.
قرأ الاسم...
ثم رفع رأسه ببطء.
كانت الصدمة واضحة على وجهه.
قال حسن بعصبية
مين؟
لكن كريم أغلق الدفتر بسرعة.
وقال
مستحيل...
كريمة أمسكت ذراعه.
قول.
هز رأسه.
لو قلت الاسم دلوقتي... كل اللي اتبنى هينهار.
نعمة صرخت فيه
كفاية أسرار!
سكت كريم لحظات...
ثم قال جملة واحدة فقط
الشخص ده... كان حاضر فرحنا النهارده.
وفي اللحظة نفسها...
جاء صوت من أعلى الفيلا.
صوت باب يُفتح ببطء...
ثم صوت خطوات هادئة.
وبعدها...
صوت رجل يقول من الدور العلوي
واضح إنكم وصلتم للدفتر أخيرًا... وأنا جيت في الوقت المناسب.
تجمد الجميع.
لأنهم كانوا متأكدين...
أن كل المدعوين غادروا الفيلا منذ ساعات.
ومع ذلك...
كان هناك شخص آخر في البيت...
يعرف كل أسرارهم لم ينتظر كريم ثانية واحدة.
أمسك الخريطة وقال
يلا.
لكن يوسف رفع يده.
استنى.
المكان اللي رايحين له بقاله سنين مقفول... ولو دخلتوه بالطريقة الغلط، هتضيعوا الدليل.
خرج الجميع إلى الجنينة.
نسيم الفجر كان باردًا، والهدوء غريب.
وقف يوسف عند ركن بعيد، مغطى بأشجار الياسمين.
وأشار إلى الأرض.
هنا كان المبنى.
حسن بص حواليه باستغراب.
إحنا عملنا الجنينة دي بإيدينا... عمرنا ما شوفنا أي أساسات.
ابتسم يوسف.
لأن فؤاد بنفسه أمر يردم المكان بعد الحريق.
ناول كريم مجرفة كانت مخبأة خلف سور صغير.
بدأ الحفر.
وبعد دقائق...
ارتطمت المجرفة بشيء صلب.
انحنى حسن ونظف التراب بيديه.
ظهر غطاء حديدي دائري، عليه نفس العلامة المنقوشة على الخاتم الفضي
العهد باقٍ.
أخرج الحارس الخاتم من جيبه.
وما إن وضعه داخل التجويف الموجود في الغطاء...
حتى صدر صوت خافت.
ثم ارتفع الغطاء ببطء.
ظهر سلم حجري ضيق ينزل إلى أسفل.
نظر يوسف إليهم وقال
من هنا خرج فؤاد آخر مرة... وهو شايل الصندوق.
نزلوا واحدًا تلو الآخر.
في النهاية وجدوا غرفة صغيرة، مختلفة عن الغرفة السرية داخل الفيلا.
كانت أقدم...
وجدرانها من الحجر.
وفي منتصفها منضدة حجرية.
فوقها صندوق خشبي صغير.
غير مقفل.
لكن فوقه رسالة.
فتحها كريم وقرأ
إذا وصلتم إلى هنا، فاعلموا أنكم لم تبحثوا عن كنز... بل عن الحقيقة. والصندوق لا يحتوي على شيء ثمين... بل على إجابة السؤال الذي فرّقكم منذ بداية الليلة.
فتح الصندوق ببطء.
كان بداخله...
منديل أطفال قديم، ولعبة خشبية صغيرة، ورسالة مطوية بعناية.
استغربت نعمة.
إيه ده؟
ابتسم يوسف لأول مرة.
دي الحاجات اللي كانت مع الطفلين يوم الحريق.
فتحت كريمة الرسالة.
كانت بخط فؤاد الشاذلي
يا كريم... ويا كريمة...
لو أنتما بتقراوا الرسالة دي، يبقى قدرتوا توصلوا للحقيقة من غير كراهية.
السر الحقيقي عمره ما كان الحريق... ولا الصندوق... ولا الميراث.
السر الحقيقي هو الشخص اللي استغل الحريق زمان، وخلى كل واحد منكم يصدق حكاية مختلفة.
توقف كريم عن القراءة.
لأن في آخر الرسالة كان مكتوبًا
واسم هذا الشخص موجود... داخل المنديل نفسه.
نظر الجميع إلى المنديل القديم.
كان يبدو عاديًا...
لكن عندما فردته كريمة تحت ضوء الكشاف...
بدأت تظهر حروف باهتة، كأنها كُتبت بحبر لا يظهر إلا بعد مرور الزمن.
ومع ظهور أول حرف...
شهق يوسف فجأة.
وقال بقلق شديد
لا... مستحيل!
الاسم اللي بيظهر ده... مش الاسم اللي كنت متوقعه أبدًا...تبادل الجميع النظرات.
لم يجرؤ أحد على الكلام.
الصوت كان واضحًا...
هادئًا...
وواثقًا.
ثم بدأت الخطوات تقترب من السلم.
درجة...
ثم الثانية...
ثم الثالثة.
وقف حسن أمام أسرته وقال بحزم
أيًا كان اللي فوق... محدش يتحرك من مكانه.
لكن كريم قال بهدوء
لأ... أنا اللي هطلع.
أمسكته نعمة من ذراعه.
مش لوحدك.
ابتسم لها ابتسامة باهتة.
اطمني يا أمي... اللي فوق مش جاي يؤذينا.
استغربت كريمة.
إنت عرفت منين؟
رد وهو ينظر إلى الدفتر
لأن الشخص ده... لو كان عايز يأذينا، كان عملها من زمان.
صعد كريم السلم ببطء.
وخلفه حسن.
أما الباقون فظلوا يراقبون من أسفل.
ولما وصل للدور الأرضي...
لقى راجل واقف قدام الشباك الكبير، ضهره ليهم.
لابس بدلة رمادي، وشعره كله أبيض.
كان بيتفرج على جنينة الفيلا، كأنه صاحب المكان.
قال كريم
حضرتك مين؟
استدار الرجل ببطء.
كانت ملامحه هادئة.
وقال
اسمي يوسف.
كنت أقرب صديق لفؤاد الشاذلي.
المحامي، أول ما شافه، اتسعت عيناه.
يوسف؟!
إنت... سافرت بره مصر من خمس سنين!
ابتسم يوسف.
وده اللي خلي الكل يفتكر إني اختفيت.
أخرج من جيبه ظرفًا آخر.
ووضعه على الطاولة.
فؤاد سلمني الظرف ده، وقال لي لو لقوكم وصلتم للحقيقة من غير ما تختلفوا... سلمهولهم.
فتح كريم الظرف.
كانت فيه خريطة قديمة للبيت.
لكن الغريب...
إنها كانت بتوضح مكانًا غير موجود في الفيلا.
أشارت الخريطة إلى مبنى صغير خلف الجنينة، كان قد هُدم منذ سنوات.
قال يوسف
هناك بدأت الحكاية...
وليس في البيت.
وقبل أن يسأله أحد أي سؤال...
أكمل
كل اللي عرفتموه الليلة مجرد نصف الحقيقة.
أما النصف الثاني...
فما زال مدفونًا تحت أرض المبنى القديم.
ساد الصمت.
ثم أشار يوسف إلى الخريطة وقال
إذا طلعت الشمس قبل ما توصلوا للمكان...
هيضيع آخر دليل للأبد.
نظر الجميع إلى بعضهم.
كانت الساعة تقترب من
تم نسخ الرابط