مجهول طلب مني بقلم زيزي احمد
مجهول طلب مني أنام على كتفه طول الرحلة... ولما الطيارة نزلت اكتشفت إنه الملياردير اللي البلد كلها بتدور عليه، وإن طليقي سبقني للمطار! ماريانا كروز طلعت الطيارة وهي شايلة شنطتين، وعربية البيبي المطبقة، وقلبها مكسور ألف حتة.
عندها 31 سنة، وعمرها ما كانت تتخيل إنها هتسيب مونتيري بالشكل ده... وبنتها آنا نايمة على صدرها، لا معاها بيت، ولا فلوس تكفيها، ولسه شايلة اسم جواز انتهى بطريقة وجعت أكتر من أي حاجة.
كانت رايحة مكسيكو سيتي عشان تبدأ من جديد عند بنت خالتها في إيزتابالابا.
ماكانش حلم.
كان آخر حل قدامها.
طليقها دانيال أرياجا كان غير كالون الشقة، وجمّد الحساب المشترك، ونزل صور مع واحدة تانية، كأن الأربع سنين اللي عاشهم معاها ماكانوش يفرقوا معاه.
ماريانا ماعيطتش وهي بتركب الطيارة.
هي كانت خلصت دموعها من بدري.
لكن أول ما الطيارة بدأت تستعد للإقلاع، وآنا بدأت تعيط وتتململ، حسّت إن كل اللي حواليها بصولها.
ست كبيرة لابسة نضارة شمس تمتمت بضيق
يا نهار... هو أنا لازم أقعد جنب بيبي بيعيط؟
ماريانا وطّت راسها ومسكت شنطة الحفاضات بإيديها.
وفجأة الراجل اللي قاعد جنبها اتكلم بهدوء خلى الكابينة كلها تسكت.
البيبي ما اختارش يركب الطيارة... ولو حد محتاج شوية صبر، فإحنا الكبار أولى.
لا صوته كان عالي.
ولا كلامه كان قليل الأدب.
لكن الست سكتت، وعدلت قعدتها وهي متضايقة، ومافتحتش بُقها تاني.
ماريانا بصتله.
كان شكله حوالي 38 سنة، لابس قميص أبيض بسيط وجاكيت كحلي، دقنه متشذبة، وعنيه باين فيها تعب واحد ماعرفش ينام من شهور.
شكرًا.
قالتها بصوت واطي.
ابتسم وقال
العفو... أنا ماتيو.
وأنا ماريانا.
ماحاولش يفتح كلام.
ولا سألها عن حياتها.
بس ساعدها تحط عربية البيبي، وناولها اللعبة لما آنا وقعتها، وحتى ضحّك البنت وهو بيعمل وشوش مضحكة بمنديل ورق.
ولأول مرة من أسابيع... ماريانا حسّت إنها قادرة تاخد نفس من غير إحساس بالذنب.
الطيارة كانت مليانة.
رجال أعمال، طلبة، سياح، وعائلات.
لكن بعد شوية، ماريانا بدأت تلاحظ حاجة غريبة.
في كذا واحد كان بيبص لماتيو باستمرار.
شاب على الناحية التانية رفع موبايله كأنه بيصور الشباك.
وبنتين قاعدين ورا كانوا بيهمسوا ويبصوله كل شوية.
ماتيو فضل مبتسم...
بس فكه كان مشدود.
وفجأة مال عليها وقال بصوت واطي
ممكن أطلب منك طلب غريب شوية؟
استغربت.
طلب إيه؟
بص حوالين الكابينة وقال
ممكن تعملي نفسك نمتي على كتفي؟
اتصدمت.
نعم؟
عارف إنه طلب غريب... بس الناس دي بتحاول تصورني. لو افتكرونا عيلة تعبانة من السفر، غالبًا هيسيبونا في حالنا.
المفروض كانت ترفض.
أي ست مكانها، معاها طفلة ولسه خارجة من طلاق، كانت هتخاف.
لكن كان في حاجة في عينيه.
مش غرور.
ولا خبث.
كان خوف حقيقي.
فحضنت آنا أكتر، وسندت راسها على كتفه.
وفعلًا...
الشاب نزل الموبايل.
والبنتين بطلوا يبصوا.
حتى الست اللي كانت متضايقة فقدت اهتمامها.
ماتيو خرج نفس طويل وقال
شكرًا.
ماريانا كانت ناوية تبعد بعد دقيقة.
لكن التعب غلبها.
ونامت بجد.
ولما فتحت عينيها...
كانت الطيارة خلاص بتستعد للهبوط في مكسيكو سيتي.
ماتيو ماكانش اتحرك من مكانه، وسايب دراعه ثابت عشان مايصحيهاش ولا يزعج آنا.
ابتسم وقال
نمتي أكتر من ساعتين.
اعتدلت بسرعة وهي محرجة.
آسفة... أكيد تعبتك.
ابتسم ابتسامة باهتة.
صدقيني... عديت بمواقف أصعب بكتير.
وقبل ما الطيارة توقف، مضيفة قربت منهم وقالت
أستاذ فياسينيور... فريق الأمن مستني حضرتك أول ما تنزل.
ماريانا اتجمدت.
فريق أمن؟
بصتله باستغراب.
تنهد وقال
واضح إنك ماتعرفيش أنا مين.
هزت راسها بالنفي.
قال بهدوء
أنا ماتيو فياسينيور... صاحب مجموعة فياسينيور.
ماريانا حسّت ريقها نشف.
الاسم ده كل المكسيك تعرفه.
شركات تكنولوجيا، وبنوك رقمية، ومؤسسات خيرية، وعمارات كاملة باسمه.
همست بعدم تصديق
إنت... ماتيو فياسينيور؟
هز راسه وقال بابتسامة هادية
وإنتِ أول واحدة من شهور تعاملني كأني مجرد راكب عادي.
قبل ما ترد...
موبايله اهتز.
فتح الرسالة، وملامحه اتغيرت فجأة.
سألته بقلق
في إيه؟
رفع عينه وبصلها بجدية وقال
ماريانا... في حد سأل عنك في المطار قبل ما الطيارة توصل.
وفي اللحظة دي...
حست إن الأرض بتسحب من تحت رجليها ووو
بقلم_زيزي_احمد
نزلت ماريانا من الطيارة وهي حاسة إن قلبها بيدق بعنف.
بصّت لماتيو، وقالت بصوت مرتعش
مين اللي سأل عني؟
رد وهو ماشي جنبها بخطوات ثابتة
واحد ادّعى إنه جوزك... أو بالأصح طليقك.
اتسعت عينيها.
دانيال؟
هز رأسه ببطء.
الأمن بلغني إن الراجل كان واقف من قبل وصول الرحلة، ومعاه صورتك، وكان بيسأل كل موظف يشوفه إذا كنتِ على الطيارة.
قبضت ماريانا على عربية آنا بقوة.
مستحيل... هو يعرف إني جاية هنا إزاي؟
ماتيو ما ردش.
لكن ملامحه كانت بتقول إنه بيفكر في نفس السؤال.
خرجوا من بوابة الوصول.
وفي اللحظة دي ظهر أربعة رجال ببدل سوداء، وقفوا حوالين ماتيو.
واحد منهم قال بسرعة
أستاذ ماتيو، العربية جاهزة، لكن لازم نتحرك فورًا.
وقبل ما يرد...
سمعوا صوت عالي وسط الزحمة.
ماريانااا!
اتجمد الدم في عروقها.
الصوت ده مستحيل تنساه.
لفّت ببطء...
وشافت دانيال بيجري ناحيتها، هدومه مكركبة، وعينيه كلها توتر، ومعاه اتنين رجالة شكلهم مش مريح.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وهو بيقرب.
أخيرًا لقيتك... كنت قلقان عليكي جدًا.
بصتله بصدمة.
قلقان؟ بعد اللي عملته؟
حاول يمسك إيدها، لكنها رجعتها بسرعة.
ابعد عني.
ملامحه اتغيرت للحظة، لكنه رجع يبتسم قدام الناس.
يا جماعة... دي مراتي السابقة، حصل بينا سوء تفاهم بس.
ماريانا قالت بحزم
إحنا مطلقين... ومافيش أي حاجة تربطني بيك.
دانيال قرب خطوة وقال بصوت منخفض ما سمعوش غيرها
هترجعي معايا بالعافية لو لزم الأمر.
شحب وشها.
لكن قبل ما يتكلم أكتر...
وقف ماتيو بينهم.
كان هادي جدًا.
لدرجة إن دانيال استغرب.
قال ماتيو
السيدة قالت إنها مش عايزة تتكلم معاك.
بصله دانيال باستخفاف.
وإنت مالك؟
مالي إنك بترفع صوتك على واحدة شايلة طفلة.
ابتسم دانيال بسخرية.
واضح إنك فارس أحلامها الجديد؟
ماتيو ما اتغيرش تعبيره.
واضح إنك محتاج تحترم حدود الآخرين.
في اللحظة دي...
رجالة الأمن اتحركوا خطوة واحدة للأمام.
دانيال بص لهم، وبعدها بص لماتيو باستغراب.
بدأ يحس إن الشخص اللي قدامه مش راكب عادي.
همس لأحد اللي واقفين معاه
هو ده...؟
الرجل فتح موبايله بسرعة، وما إن ظهرت صورة ماتيو حتى اتغير لون وشه.
شد دانيال من دراعه وهمس بانفعال
امشِ من هنا... دلوقتي.
لكن دانيال كان عنيد.
رفع صوته وقال
مش همشي غير لما مراتي ترجع معايا.
ابتسم ماتيو لأول مرة، لكن ابتسامته كانت باردة.
ثم قال جملة واحدة فقط
يبدو إنك هتحتاج تشوف ورقة الطلاق مرة تانية.
وفي نفس اللحظة...
وصل ضابط من أمن المطار، وقال وهو ينظر إلى دانيال
أستاذ... وصلتنا بلاغات إنك بتضايق إحدى المسافرات داخل صالة الوصول. هنحتاج حضرتك تيجي معانا دقيقة.
ارتبك دانيال.
أنا... أنا معملتش حاجة.
لكن الضابط أشار له بهدوء.
اتفضل.
ظل دانيال ينظر إلى ماريانا بنظرة غامضة وهو يبتعد، ثم قال بصوت منخفض
الموضوع لسه ما خلصش.
اختفى وسط رجال الأمن.
تنفست ماريانا للمرة الأولى منذ دقائق.
لكن ماتيو لم يبدُ مرتاحًا.
كان ينظر إلى شاشة هاتفه التي وصلت إليها رسالة جديدة.
قرأها، ثم أغلق الهاتف فورًا.
سألته ماريانا
في حاجة حصلت؟
نظر إليها للحظات، ثم قال بجدية
كنت فاكر إن اللي بيلاحقني صحفيين... لكن واضح إن الموضوع أكبر من كده.
يعني إيه؟
رفع بصره نحو موقف السيارات، وقال
العربية اللي كانت مستنياني من نص ساعة... اختفت.
وفي نفس الثانية...
توقفت سيارة سوداء بدون لوحات على بعد أمتار منهم، وانفتح بابها الخلفي ببطء، بينما خرج منها شخص يرتدي قبعة ونظارة سوداء، واتجه مباشرة نحو ماريانا وآنا شهقت ماريانا، كأنها خايفة حد ينتزعها من بين إيديها.