حماتي بكت تحت رجلي بقلم ندي الجمل
أنا سلمى، متجوزة أحمد بقالي سنة ونص. بعد الجواز بشهرين سافر يشتغل بره، ورجع بعد سنة يقضي معايا تلات شهور، وبعدها سافر تاني. حياتنا كانت هادية، وكل اللي مستنياه إنه يرجع ونبدأ حياتنا بجد.
أما ندى، فكانت دايمًا هادية، مبتخرجش كتير، ومبتتكلمش إلا للضرورة. ولما بدأ الحمل يظهر عليها، استغربت جدًا، لأن كريم مرجعش من السفر من سنة كاملة.
افتكرت إن أكيد في حاجة غلط في الحسابات، لكن أم أحمد جمعتنا كلنا في أوضة الصالون وقفلت الباب، وكانت ملامحها كلها خوف.
قربت مني، وحطت غويشة دهب في إيدي، وقالت بصوت مكسور
اعملي اللي بقولك عليه، وبعدها هفهمك كل حاجة.
رجعتلها الغويشة فورًا وقلت
أنا مش فاهمة حاجة... وليه عايزة الناس تفتكر إني أنا اللي حامل؟
نزلت دموعها وقالت
لأن الحقيقة لو ظهرت... ناس بريئة هتدفع تمنها.
بصيت لندى، لقيتها بتبكي من غير ما تنطق بحرف. مكنتش نظرة واحدة فيها إحساس بالذنب... كانت كلها خوف.
قلت بعصبية
الطفل ده ابن مين؟
ندى رفعت عينها ليا لأول مرة وقالت
لو قلتلك الحقيقة... عمرك ما هتصدقيها.
وقبل ما حد ينطق بكلمة تانية، سمعنا خبطات قوية على باب الشقة.
فتحنا الباب...
وكان الواقف قدامنا شخص المفروض إنه مختفي من ست شهور... والجميع كان متأكد إنه كان الواقف قدامنا شخص المفروض إنه مختفي من ست شهور... والجميع كان متأكد إنه مات.
ندى أول ما شافته شهقت، وسندت على الحيطة وهي بتعيط.
أما حماتي، فحطت إيديها على قلبها وقالت بصوت مخنوق إنت... إنت عايش؟!
الرجل رفع عينه بهدوء وقال أيوه... عايش. لكن اللي حصل معايا كان لازم يفضل سر لحد النهارده.
بصيت له وأنا مش فاهمة أي حاجة.
كان اسمه ياسر، ابن خال كريم، وآخر مرة العيلة شافته كانت قبل ست شهور، لما سافر في شغل على الحدود، وبعدها انقطعت أخباره تمامًا، ووصلهم خبر إنه مات في حادث.
دخل وقفل الباب وطلع ظرف بني قديم من شنطته.
حطه على الترابيزة وقال الورق ده هيجاوب على كل أسئلتكم.
فتح كريم الظرف بإيدين بتترعش، وبدأ يقرأ.
بعد ثوانٍ، بصلنا بصدمة.
الورق كان عبارة عن تقارير طبية قديمة، وعقد رسمي موثق، وكلها بتثبت إن ندى خضعت قبل سفر كريم لعملية تجميد أجنة بأمر من الأطباء، بعد ما عرفوا إن حالته الصحية هتخليه يسافر فترة طويلة للعلاج والعمل، وإن فرص الإنجاب بعد كده هتكون ضعيفة.
وقبل سفره بأيام، كتب كريم موافقة قانونية وطبية على إتمام نقل الجنين لندى في الوقت اللي يحدده الطبيب إذا تأخر رجوعه.
لكن الطبيب اللي كان متابع الحالة توفى فجأة، والمستشفى اتعرضت لحريق، فضاعت كل الأوراق، وماحدش في العيلة كان يعرف الحقيقة غير ياسر... لأنه كان الشاهد على الإجراءات.
حماتي انهارت وهي بتقول أنا خفت الناس تفتكر في حاجة وحشة... وخفت على سمعة ندى.
ندى مسحت دموعها وقالت كنت مستنية ياسر يرجع بالورق... محدش كان هيصدقني من غير دليل.
أنا بصيت لها باعتذار.
لأول مرة من شهور، حسيت إن الحمل ده كان وراه حكاية أكبر بكتير من اللي كنا متخيلينه.
لكن قبل ما حد يفرح...
رن جرس الباب مرة تانية.
ولما فتح كريم...
اتجمد مكانه وهو بيقول
إزاي...؟! المستشفى بعتت مين في الوقت ده؟!جرى كريم ناحية الباب، وفتح وهو قلبه بيدق بسرعة.
كان واقف قدامه راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده حقيبة جلد قديمة.
قال بهدوء أنا جاي من المستشفى... وضروري أقابل الأستاذة ندى.
ندى أول ما شافته، وشها اصفر، وهمست الدكتور...!
استغربت وبصيت لها. إنتِ تعرفيه؟
هزت راسها وقالت ده الدكتور اللي كان مسؤول عن حالتي قبل ما يسافر كريم.
دخل الراجل وقعد بهدوء، وفتح الشنطة، وطلع منها ملف سميك لونه أزرق.
حطه على الترابيزة وقال الملف ده كان في خزنة المستشفى، واتقفل عليه بالغلط بعد الحريق. من أسبوعين بس وإحنا بنجرد الأرشيف ولقيناه.
كل العيون اتثبتت على الملف.
حماتي كانت بتتمتم بالدعاء، وأنا حاسة إن السر لسه أكبر بكتير.
فتح الدكتور أول صفحة، وبص لندى وقال قبل ما أتكلم... لازم أسألك سؤال واحد.
ندى هزت راسها.
قال حد غير الموجودين هنا عرف بموضوع الملف ده؟
ندى ردت بسرعة لأ.
تنهد الدكتور وقال الحمد لله... لأن في حد حاول ياخده قبل ما أوصل بيه.
سكتنا كلنا.
أنا قلت بذهول يعني إيه حاول ياخده؟
بص حواليه واتأكد إن الباب مقفول، وبعدها قال بصوت منخفض أول امبارح دخل شخص المستشفى، وادعى إنه قريب للعيلة، وطلب الملف بالاسم... ولما رفضنا، اختفى قبل ما الأمن يوصل.
كريم عقد حواجبه وقال مين الشخص ده؟
الدكتور طلع صورة مطبوعة من الملف، وقلبها على الترابيزة.
كلنا قربنا نبص عليها...
وفي اللحظة اللي عيني وقعت فيها على الصورة، حسيت الدم اتجمد في عروقي.
لأن الشخص اللي في الصورة... كنا كلنا عارفينه كويس.
لكن المفاجأة إنه كان المفروض مسافر بره مصر من شهور... ومستحيل يكون موجود هنا.
وقبل ما أي حد ينطق، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب الشقة من بره...
والمفاجأة إن محدش فينا كان مستني أي زائر في الوقت ده اتسمرت كل العيون ناحية الباب.
صوت المفتاح وقف فجأة... وبعدها اتفتح الباب ببطء.
دخل عم أحمد، والد كريم وأحمد، وهو باين عليه الإرهاق، وما إن شاف الدكتور والملف على الترابيزة حتى اتغير لون وشه.
قال بحدة مين سمحلك تفتح الملف ده؟
رد الدكتور بهدوء بعد إذنك يا حاج، الملف ده حق أصحابه، والوقت جه يعرفوا الحقيقة.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
فجأة مد عم أحمد إيده ناحية الملف كأنه هيخده، لكن كريم سبقه ومسكة.
وقال محدش هيلمسه غير لما أفهم كل حاجة.
تنهد عم أحمد وقعد على الكرسي، وحط إيده على راسه.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي... لكن كنت بتمنى يتأخر.
بصيتله باستغراب.
إيه اللي مستخبي في الملف؟
فتح الدكتور صفحة في النص، وأخرج منها ظرف أبيض مختوم بالشمع الأحمر.
قال الظرف ده اتكتب بخط إيد كريم... قبل ما يسافر.
كريم اتفاجئ.
أنا؟! مستحيل... أنا عمري ما شوفت الظرف ده.
رد الدكتور إنت كتبته، لكن بناءً على طلب والدك، وقلتلي مايتفتحش إلا لو حصلت مشكلة.
عم أحمد غمض عينه، وكأنه بيسترجع ذكرى قديمة.
ندى بدأت دموعها تنزل من غير كلام.
أما أنا، فكنت حاسة إن كل دقيقة بتعدي بتكشف سر جديد.
مد كريم إيده ناحية الظرف...
لكن قبل ما يفض الختم...
رن تليفون الدكتور.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه فجأة.
رد بسرعة أيوه...
سكت ثواني، ثم وقف من مكانه بعنف.
إيه؟! إزاي خرج؟!
كلنا بصينا له في ذهول.
قفل المكالمة، وقال بصوت مرتبك
لازم نمشي من هنا حالًا... لأن الشخص اللي كان بيدور على الملف عرف إنه عندكم... وهو في الطريق للشقة دلوقتي.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت أقدام بتقف قدام باب الشقة...
ثم جرس الباب رن مرة واحدة...
وبعدها جاء صوت رجل من الخارج يقول بهدوء
افتحوا... أنا مش جاي أؤذي حد... أنا جاي آخد حاجة تخصني اتجمدنا كلنا.
ولا حد فينا قدر ينطق.
الراجل كرر كلامه بنفس الهدوء
افتحوا... خمس دقايق بس، وبعدها همشي.
كريم بص للدكتور وقال تعرفه؟
الدكتور هز راسه بالنفي، لكن ملامحه كانت بتقول إنه قلقان جدًا.
أما عم أحمد، فكان بيبص ناحية الباب وكأنه عارف الصوت.
همس الصوت ده... مستحيل.
قلت بسرعة مين؟
قبل ما يرد، الباب خبط خبطتين أقوى.
الراجل من بره قال يا حاج أحمد... أنا عارف إنك جوه.
أول ما سمع عم أحمد اسمه، وشه اصفر.
قام من مكانه