حماتي بكت تحت رجلي بقلم ندي الجمل
المحتويات
صفحاته بسرعة.
وفجأة وقف عند صفحة كانت لازقة ببعضها.
فصلها بحذر...
ولقينا ظرفًا رفيعًا مخفيًا بين الورق.
فتحناه...
كانت أول ورقة من الأربع.
وفي أسفلها خريطة مرسومة بالقلم، وفي آخر الخريطة مكتوب
ابدأوا من البيت القديم... لكن لا تدخلوا من الباب الرئيسي.
وفي نفس اللحظة...
وصلت رسالة إلى هاتف كريم من رقم مجهول، فيها صورة مباشرة للبيت القديم...
وكان واضح في الصورة أن شخصًا يقف داخل إحدى النوافذ، يراقب المكان، رغم أن البيت مغلق ومهجور منذ عشرين عامًا فضل كريم مكبر الصورة بإصبعه، وكلنا اتجمعنا حواليه.
الشخص اللي واقف في الشباك كانت ملامحه مش واضحة، لكن كان ماسك في إيده فانوس قديم، والأنوار اللي طالعة منه كانت ضعيفة.
ندى همست الصورة دي متصورة دلوقتي... بصوا على الساعة اللي فوق باب البيت.
بصينا كويس.
الساعة كانت منورة، وبتعرض نفس توقيت اللحظة اللي إحنا فيها.
يعني اللي بعت الصورة... واقف قدام البيت القديم في نفس الوقت.
وقبل ما حد يتكلم، وصلت رسالة تانية.
قدامكم ساعة واحدة... بعد كده كل حاجة هتتغير.
الدكتور قال بحزم لازم نتحرك.
عم أحمد اعترض لا... إحنا مش عارفين مين اللي بيبعت الرسائل.
لكن كريم كان حسم قراره.
لو فضلنا قاعدين، هنفضل طول عمرنا تايهين.
بعد عشر دقايق...
كنا كلنا راكبين عربيتين، وفي طريقنا للبيت القديم.
الطريق كان هادي بشكل غريب.
ولما وصلنا...
وقفنا قدام بيت كبير، سوره مغطى باللبلاب، والشبابيك كلها مقفولة، لكن الغريب...
كان في نور خافت خارج من أوضة في الدور التاني.
قلت بخوف إزاي في نور؟
عبد التواب بص للبيت وقال
آخر مرة شفت النور ده... كانت ليلة وفاة الحاج محمود.
فتح كريم باب السور بصعوبة.
صوت الحديد وهو بيصر كان مخيف.
دخلنا الحديقة، وكانت الأشجار مالية المكان، كأن محدش دخلها من سنين.
وفجأة...
سمعنا صوت جرس قديم بيرن من جوه البيت.
رنة واحدة...
وبعدها سكت.
ندى مسكت دراعي.
حد جوه.
الدكتور هز راسه.
أو حد عايزنا نفتكر إن في حد جوه.
افتكر كريم الرسالة، فلف ناحية يمين البيت.
كان في ممر ضيق بين الحائط والسور.
مشينا فيه لحد ما وصلنا لباب خشبي صغير، مستخبي ورا شجرة ياسمين ضخمة.
عبد التواب ابتسم لأول مرة.
هو ده.
طلع كريم المفتاح القديم.
لكن قبل ما يحطه في القفل...
لقينا ورقة متثبتة بمسمار في الباب.
فكها بسرعة.
كان مكتوب فيها بخط واضح
لو وصلتوا لحد هنا... يبقى في واحد منكم مخبي الحقيقة من البداية... ولو معرفتوش هو مين قبل ما تدخلوا، يبقى الباب ده عمره ما هيفتح السر الحقيقي.
سادت لحظة صمت.
وكل واحد فينا... بدأ يبص للتاني، وكأن الشك دخل القلوب لأول مرة سكتنا جميعًا.
الكلمات اللي على الورقة كانت كفيلة إنها تزرع الشك بينا.
كريم بص لعم أحمد، وعم أحمد بص للدكتور، وأنا لقيت ندى بتبص في الأرض ومش رافعة عينيها.
قلت بحزم بدل ما نشك في بعض، كل واحد يقول هو عارف إيه.
عبد التواب هز رأسه وقال دي كانت وصية الحاج محمود... الحقيقة متتقالش مرة واحدة، كل واحد يقول الجزء اللي عنده.
تنهد عم أحمد وقال أنا هبدأ.
سكت لحظة، ثم قال
من عشرين سنة، أبويا جمعنا كلنا هنا. كان معاه أربع ظروف، ووزع كل ظرف على شخص مختلف. وقال إن الظروف دي عمرها ما تتجمع إلا لو العيلة اتعرضت لخطر.
الدكتور أكمل وأنا كنت واحد من الناس اللي استلموا ظرف... لكن مش علشان أنا من العيلة، علشان كنت الطبيب اللي الحاج محمود بيثق فيه.
استغرب كريم.
يعني إنت تعرف جدي من زمان؟
ابتسم الدكتور ابتسامة خفيفة.
أعرفه من قبل ما تتولد.
ندى رفعت رأسها لأول مرة.
والظرف بتاعك فين؟
الدكتور فتح حقيبته الجلد، وأخرج ظرفًا قديمًا اصفر لونه من الزمن.
حطه جنب الظرف اللي لقيناه في الملف.
بقوا اتنين.
بصينا لعبد التواب.
ابتسم وقال
وأنا معايا التالت.
طلع ظرفًا ملفوفًا في قطعة قماش قديمة.
كريم قال بسرعة
يبقى ناقص ظرف واحد.
كل الأنظار راحت لعم أحمد.
لكن المفاجأة...
هز رأسه وقال
مش معايا.
سكتنا.
قلت باستغراب
أمال مع مين؟
رد وهو بيبص ناحية البيت
مع الشخص اللي كان الحاج محمود واثق إنه هيحافظ على العيلة أكتر من أي حد.
كريم قال مين؟
وقبل ما عم أحمد يجاوب...
سمعنا صوت فتح شباك في الدور التاني.
رفعنا رأسنا كلنا.
الستارة اتحركت ببطء.
وشخص ظهر للحظة، حط حاجة على حافة الشباك...
ثم اختفى.
بعد ثوانٍ، الحاجة دي وقعت في الجنينة.
جرى كريم بسرعة وجابها.
كانت... الظرف الرابع.
لكن الغريب...
إن الظرف كان جديد، كأنه مكتوب من أيام قليلة، وليس من عشرين سنة.
ولما قلبناه...
لقينا على ظهره عبارة واحدة مكتوبة بالحبر الأزرق
مش كل رسالة قديمة... اتكتبت في الماضي فضل كريم ماسك الظرف، ومحدش فينا اتجرأ يفتحه.
قلت وأنا ببص لعبد التواب إزاي الظرف يبقى جديد وهو المفروض من عشرين سنة؟
عبد التواب قرب منه، قلبه بين إيديه، وقال الختم قديم... لكن الورق نفسه جديد.
الدكتور عقد حاجبيه.
يعني حد فتح الظرف الأصلي... واستبدله.
عم أحمد اتنهد تنهيدة طويلة، وقال كنت خايف من اللحظة دي.
كريم لف ناحيته بعصبية.
إنت كل شوية تقول كنت خايف! احكيلنا الحقيقة كاملة.
رد عم أحمد الحقيقة إن أبويا كان متوقع إن حد هيحاول يغير الرسائل... علشان كده كان سايب علامة سرية.
علامة إيه؟
أشار إلى الظرف.
افتحوه.
فتح كريم الظرف بحذر.
طلع منه ورقة واحدة.
في أولها مكتوب
إذا وصلتكم هذه الرسالة، فتأكدوا أولًا من الختم الداخلي.
قلبنا الورقة.
مفيش أي حاجة.
الدكتور مسك الظرف نفسه، وبص جواه باستخدام كشاف الموبايل.
وفجأة قال
استنوا...
مد صباعه لجوه الظرف، وطلع شريطًا رفيعًا جدًا من الورق، كان ملزوق في الجنب من الداخل.
فردناه على الترابيزة الحجرية الموجودة في الجنينة.
كان عليه أرقام فقط
17 4 22 9
ندى قالت دي أكيد شفرة.
عبد التواب ابتسم لأول مرة من ساعة ما وصل.
الحاج محمود كان بيحب الألغاز... مستحيل يسيب أرقام من غير معنى.
وأثناء ما إحنا بنفكر...
طلع صوت ساعة قديمة من داخل البيت.
دق... دق... دق...
أربع دقات متتالية.
رغم إن محدش دخل البيت.
الدكتور رفع رأسه بسرعة.
الساعة!
افتكرت الرسالة اللي كانت بتقول
دوروا في الساعة المعلقة في أوضة المكتب.
بص كريم للباب الجانبي.
واضح إن الوقت جه.
حط المفتاح في القفل.
لفه ببطء...
وسمعنا صوت تك.
الباب اتفتح لوحده سنتيمترات قليلة.
لكن قبل ما ندخل...
لقينا ورقة صغيرة منزلقه من تحت الباب من الداخل... رغم إن البيت مقفول.
رفعها كريم، وقرأ بصوت مسموع
اللي هيدخل الأول... هو الوحيد اللي هيشوف الحقيقة كاملة... لكن مش هيقدر يحكيها لحد.
ساد صمت ثقيل...
وبدأنا نبص لبعض، وكل واحد فينا بيفكر
مين فينا هيغامر ويدخل أولًا؟بعد لحظات من الصمت، قال كريم
أنا هدخل.
حاول عم أحمد يمنعه، لكنه أصر.
دخل كريم وحده، بينما أغلق الباب خلفه ببطء... ومن الخارج لم نسمع أي صوت.
مرت دقيقة...
ثم دقيقتان...
ثم خمس دقائق كاملة.
بدأ القلق يقتلنا.
وفجأة، انفتح الباب.
خرج كريم، لكن ملامحه كانت مختلفة تمامًا. لم يكن خائفًا... بل كان مصدومًا.
قلت بسرعة إيه اللي شفته؟
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
مش مهم أنا شفت إيه... المهم إنكم تشوفوه بنفسكم.
دخلنا جميعًا.
في آخر الممر كانت أوضة المكتب كما تركها الجد قبل عشرين عامًا.
التراب يغطي كل شيء، إلا ساعة الحائط القديمة... كانت لا تزال تعمل.
اقترب الدكتور منها، ولاحظ أن العقرب الكبير يتحرك بصعوبة.
رفع الساعة من على الحائط...
فانفتح تجويف صغير خلفها.
أخرج منه صندوقًا حديديًا.
المفتاح القديم فتحه بسهولة.
فتحنا الصندوق...
ولم نجد ذهبًا ولا أموالًا.
وجدنا ملفات، وعقودًا، وشهادات، ورسائل مكتوبة بخط الجد.
قرأ عم أحمد أول رسالة، وما إن انتهى حتى انفجر في البكاء.
قال بصوت متهدج
أبويا كتب كل حاجة... وكتب الحقيقة كاملة.
كانت الأوراق تثبت أن الجد قسم أملاكه بالعدل بين أولاده وأحفاده، لكن أحد
متابعة القراءة