جوزي حول بقلم حكايات رشا
المحتويات
عليهم زي الصاعقة.
حماتي حاولت تغير الموضوع بسرعة.
دلوقتي وقت فلوس؟! ابني بيموت.
رديت من غير ما أرفع صوتي
وأنا من ساعة ما عرفت الحقيقة، حياتي كلها واقفة.
طارق بص لأخته بعينين مليانين رجاء.
فريدة... حولي أي مبلغ دلوقتي... بس عشان العملية.
فريدة بلعت ريقها، وبصت لأمها قبل ما ترد.
أنا... أنا مقدرش.
اتجمدت ملامح طارق.
يعني إيه متقدريش؟!
قالت وهي بتفرك إيديها بعصبية
الفلوس... خرجت من الحساب.
سكتت الدنيا حوالينا.
حتى صوت الأجهزة في الممر بقى كأنه بعيد.
طارق اتشبث في طرف السرير وقال بصوت متقطع
خرجت؟! راحت فين؟
فريدة نزلت عينيها للأرض.
دفعت جزء للمقاول... وجزء للمحلات... والباقي...
قاطعتها حماتي بسرعة وهي بتزعق
مش وقته الكلام ده!
لكن طارق كان بيبصلها لأول مرة بنظرة مختلفة.
نظرة كلها ذهول.
يعني... ال ألف... مبقاش منهم حاجة؟
وقبل ما حد يرد...
خرج موظف من الاستقبال وهو بينادي بأعلى صوته
الأستاذ طارق... مطلوب توقيع عاجل حالًا.
كل العيون اتجهت ناحيته.
الموظف كان ماسك ظرفًا أبيض مختومًا، وقال
فيه ورقة وصلت باسم المريض من أقل من عشر دقائق... واللي بعتها قالت إنها لازم تتفتح قدام الأسرة كلها.
وساعتها... حسيت إن اللي جاي هيغيّر كل حاجة الموظف مد الظرف ناحية طارق، لكن إيده كانت بترتعش من شدة الألم.
الدكتور أخده منه وقال بحزم
التوقيع بعدين... المريض حالته متستحملش أي انفعال.
لكن طارق أصر، ومد إيده بالعافية.
هات... يمكن يكون فيه حل.
فتح الظرف، وطلع منه ملف صغير وإيصال مختوم.
كلنا بصينا عليه في صمت.
طارق قلب الورقة الأولى، واتغير لون وشه فجأة.
قلت باستغراب
إيه اللي فيها؟
مردش.
كان بيقرأ السطور بسرعة، وكل ما يكمل سطر، ملامحه بتتبدل أكتر.
حماتي قربت منه تحاول تشوف.
وريني يا ابني.
شد الورقة بعيد عنها وقال لأول مرة بنبرة حادة
استني.
الكلمة وقعت على الكل بغرابة، لأن طارق عمره ما كلم أمه بالطريقة دي.
بعدها رفع عينه لفريدة.
هو... هو إنتِ عملتي اللي اتفقنا عليه؟
فريدة ارتبكت.
أيوه... يعني... على قد ما قدرت.
على قد ما قدرت؟
قالها وهو بيضغط على أسنانه.
أنا قلتلك متدفعيش ولا جنيه قبل ما تخلصي الإجراءات.
بدأ العرق ينزل من جبينها.
المقاول كان بيهدد يوقف الشغل... وأنا خفت.
حماتي دخلت بينهم بسرعة.
يعني هتسيبوا الراجل يموت علشان كام فاتورة؟
بصيت لها بهدوء.
الفواتير دي اتدفعت من فلوس كانت أمانة.
سكتت.
لأول مرة، ملقتش رد.
في اللحظة دي، رن موبايل فريدة.
بصت للشاشة، واتوترت أكتر.
قفلت المكالمة.
بعد ثانيتين... رن تاني.
الدكتور اتضايق وقال
لو سمحتوا، يا إما تحلوا المشكلة في دقيقتين، يا إما أنقل الحالة لمستشفى حكومي لو وافق المريض.
فريدة فتحت المكالمة أخيرًا، وبعد ثواني قالت بصوت منخفض
إيه؟!... دلوقتي؟!
كلنا بصينا لها.
قفلت المكالمة وهي وشها شاحب.
طارق سألها
في إيه؟
اترددت، وبعدين قالت
المقاول... بيقول فيه مشكلة كبيرة في الشقة... ولازم حد يروح حالًا.
طارق ضرب بإيده على السرير وهو بيتأوه.
الشقة تستنى... أنا اللي مبقاش عندي وقت!
وقبل ما حد يتكلم...
دخل أحد موظفي البنك إلى الاستقبال وهو بيسأل بصوت واضح
مين الأستاذ طارق؟
رفع طارق إيده بصعوبة.
اقترب الموظف وقال
حضرتك، فيه إجراء متعلق بالتحويلات الأخيرة... ولازم نتأكد من بعض البيانات بنفسك قبل نهاية اليوم.
ساد صمت ثقيل...
وشعرت أن هذا الإجراء البسيط قد يكشف تفاصيل لم يكن أحد يتوقع ظهورها في ذلك التوقيت فريدة أخدت نفسًا طويلًا، وبصت لطارق بعينين مليانين تردد.
أنا غلطت... وغلط كبير.
حماتي قاطعتها بسرعة
اسكتي! مش وقته الكلام ده.
لكن طارق رفع إيده يمنعها.
خليها تتكلم.
فريدة مسحت دموعها وقالت
لما حولتلي الفلوس، قلتلي أحط جزء منها في شهادة لحد ما المقاول يطلب باقي المستحقات. وأنا عملت كده فعلًا.
طارق هز رأسه.
وده اللي اتفقنا عليه.
سكتت ثواني، ثم قالت
بس بعد يوم... المقاول كلمني وقال إن الأسعار هتزيد، ولازم أدفع مقدم أكبر. روحت أكسر جزء من الشهادة، لكن الإجراءات أخدت وقت، ولسه المبلغ مرجعش للحساب.
موظف البنك تدخل بهدوء
الكلام ده ممكن نتأكد منه بسهولة لو عرفنا رقم الشهادة.
فريدة فتحت شنطتها بسرعة، وطلعت ملف بلاستيك صغير.
إيديها كانت بترتعش وهي بتسلمه للموظف.
قلب الموظف الورق بسرعة، ثم رفع عينه وقال
الشهادة موجودة فعلًا... ولسه سارية.
تنفس طارق لأول مرة كأنه لقى بصيص أمل.
يعني نقدر نصرف منها؟
الموظف فكر لحظة، ثم قال
فيه إمكانية... لكن لازم صاحب العلاقة يحضر بنفسه ويوقع على طلب كسرها.
فريدة قالت بسرعة
أنا مستعدة... نروح حالًا.
الدكتور تدخل بنبرة حاسمة
أنا مش هقدر أستنى ساعات. الحالة لازم تدخل العمليات في أقرب وقت.
وقفت في مكاني وأنا بحاول أفكر.
كل دقيقة بتعدي كانت بتزود الخطر.
وفجأة افتكرت حاجة.
لفيت ناحية طارق وسألته
هو التأمين الصحي بتاع الشركة... مش كان بيغطي العمليات الكبيرة؟
طارق فتح عينيه بتعب شديد.
كنت فاكر كده... بس معرفش التفاصيل.
أخرجت بطاقة التأمين من الملف مرة تانية، وبصيت فيها كويس.
في الركن السفلي كان فيه رقم خدمة العملاء.
ناولتها لموظف الاستقبال.
لو سمحت... اتصل بيهم حالًا.
الموظف أخد البطاقة، وبعد دقائق من المكالمة، رجع وهو ماسك ورقة مطبوعة.
بص للدكتور وقال
فيه موافقة مبدئية على تغطية جزء كبير من تكلفة العملية... لكن...
الدكتور سأله بسرعة
لكن إيه؟
رد الموظف
لازم نوصل أصل مستند معين من ملف المريض خلال ساعة واحدة... وإلا الموافقة هتتلغي.
سألت بقلق
والمستند ده فين؟
الموظف قلب الورقة، ثم قال
حسب البيانات... المستند موجود في بيت الأستاذ طارق.
ساد الصمت.
الكل بص لبعضه.
البيت يبعد أكثر من ساعة في الزحام...
والوقت المتاح أقل من ساعة طارق بص لموظف البنك وهو بيتنفس بصعوبة.
دلوقتي؟! أنا شايف حالتي قدامك.
الموظف هز رأسه باحترام.
أنا مقدر يا فندم، لكن الإدارة كلفتني أوصل لحضرتك بنفسي. في مراجعة روتينية على التحويلات الكبيرة، ولازم يتم التأكيد من صاحب الحساب.
مد له جهاز إلكتروني صغير.
مجرد توقيع أو بصمة، ولو حضرتك مش قادر، الإجراءات هتتأجل.
بصيت لطارق، ولأول مرة حسيت إنه محتار فعلًا.
حماتي اتدخلت بسرعة.
يا ابني وقع وخلاص.
لكن موظف البنك قال بهدوء
قبل أي توقيع، لازم أوضح إن أي إقرار هيكون مسئولية صاحب الحساب بالكامل.
الجملة خلت طارق يسحب إيده.
لف ناحيتي وقال بصوت واطي
ياسمين... هاتي الورقة أشوفها.
ناولته الملف.
فضل يقلب فيه دقيقة كاملة، وبعدها رفع عينه لفريدة.
أنا سألتك سؤال واحد... الفلوس كلها اتدفعت؟
فريدة عضت على شفايفها.
لأ... مش كلها.
يعني كام باقي؟
سكتت.
ردي.
قالتها بصوت مهزوز
فيه مبلغ... لسه.
اتسعت عيون طارق.
قد إيه؟
مش معايا دلوقتي.
قد إيه يا فريدة؟!
قالتها وهي بتكاد تبكي
...حوالي ربعمية ألف.
أنا اتجمدت.
يعني أكتر من نص المبلغ لسه موجود.
طارق ضغط على أسنانه وقال
حوليهم دلوقتي.
فريدة هزت رأسها بسرعة.
مينفعش.
ليه؟
لأن... لأن الفلوس في شهادة، ولو كسرتها دلوقتي هخسر جزء كبير منها.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة المفارقة.
يعني خساير الشهادة أهم من عملية أخوكي؟
فريدة نزلت رأسها، ومردتش.
أما حماتي، فحاولت تبرر
البنت كانت بتفكر لمصلحة الكل...
قاطعتها بهدوء
مصلحة الكل ولا مصلحة الشهادة؟
في اللحظة دي، الدكتور خرج من غرفة الكشف بسرعة.
إحنا مقدامناش وقت. لازم القرار يتاخد حالًا.
طارق غمض عينه، وبعدين فتحها وهو بيبص لأخته.
آخر مرة هسألك... هتكسري الشهادة وترجعي الفلوس ولا لأ؟
ساد صمت ثقيل.
كل ثانية كانت بتعدي، كانت ملامح طارق بتزيد إرهاقًا.
وأخيرًا... رفعت فريدة رأسها، وقالت جملة خلت حتى الدكتور يبص لها باستغراب
هعمل اللي بتقول عليه... بس فيه حاجة لازم تعرفها الأول.
وسكتت...
وكأن الاعتراف اللي هتقوله بعد لحظات، هيغيّر مجرى الأحداث كلها اتجمدت في مكاني، والورقة لسه في إيدي.
صوت الباب وهو بيتفتح كان واضح في هدوء الشقة.
اتلفت ناحية الصالة، وقلبي بيدق بسرعة.
بعد ثواني، دخل راجل كبير في السن، شايل شنطة جلد سودة، وأول ما شافني وقف مكانه.
قال باستغراب
آسف... هو طارق مش موجود؟
بصيتله بحذر.
حضرتك مين؟
طلع مفتاح من جيبه ورفعه قدامي.
أنا عماد... صاحب الشقة. طارق كان مخليني معايا نسخة
متابعة القراءة