جوزي حول بقلم حكايات رشا
تحت دقنه.
قال بهدوء مطمئن
متقلقيش... الحالة مستقرة لحد دلوقتي.
اتنفست الصعداء.
أمال حضرتك ناديتني ليه؟
مد لي استمارة.
في أثناء التحضير اكتشفنا إن فيه إجراء إضافي ممكن نحتاجه لو لقينا الالتهاب منتشر أكتر من المتوقع. لازم توقيعك بالموافقة.
قريت الورقة بسرعة، ووقعت من غير تردد.
الدكتور دخل تاني، وباب العمليات اتقفل.
رجعت أقعد على الكرسي في الممر.
كان الملف لسه في حضني.
فتحته من جديد.
بعد صفحة الممتلكات، لقيت ورقة فيها أرقام حسابات، وأماكن حفظ العقود، وأرقام خزنة صغيرة في البيت.
وآخر الصفحة كان مكتوب
كل ده حقنا إحنا الاتنين، ومحدش له حق يتصرف فيه من غير موافقة التاني.
حسيت بغصة في قلبي.
لو كان مؤمن بالكلام ده... ليه اتصرف لوحده في أكبر مبلغ جمعناه؟
وأنا سرحانة، فريدة قربت مني بهدوء.
قعدت على الكرسي اللي جنبي.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
أنا عارفة إنك زعلانة مني.
مردتش.
كملت هي
ولو الزمن رجع، كنت هرفض آخد الفلوس بالطريقة دي.
لفيت أبصلها.
كان ممكن ترفضي من الأول.
هزت رأسها بأسى.
أخويا كان مصر يساعدني، وأنا صدقته لما قال إنك عارفة.
بصيت لها باستغراب.
قالك إني عارفة؟
قالت وهي منزلّة عينيها
أيوه... قال إنكم اتفقتوا، وإنك موافقة تؤجلوا شراء الشقة كام شهر.
الكلام نزل عليّ كالصاعقة.
يعني حتى هي كانت فاكرة إن الموضوع بعلمي.
في اللحظة دي، حماتي كانت واقفة بعيد، ولما سمعت الكلام قربت بسرعة.
أنا كنت فاكرة إن ياسمين تعرف هي كمان.
بصيت لها بحدة.
حضرتك بنفسك كنتِ بتقولي لابنك ميقوليش غير بعد ما الشقة تخلص.
اتلخبطت ملامحها.
وسكتت.
الصمت كان أبلغ من أي رد.
وفجأة، باب العمليات اتفتح.
خرج الدكتور، وشال الكمامة.
كلنا وقفنا مرة واحدة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
الحمد لله... الجزء الأصعب عدّى.
لكن قبل ما نلحق نفرح...
أكمل وهو بيبص ناحيتي مباشرة
بعد ما يخرج للإفاقة، فيه موضوع مالي وقانوني لازم تتحركوا فيه بسرعة... لأن التأخير فيه ممكن يضيع جزء كبير من حقوقكم.
ونظره استقر على الملف اللي في إيدي...
وكأنه كان يعرف أن الإجابة كلها موجودة بين صفحاته خرج طارق من غرفة العمليات بعد ساعات طويلة، وشوية بشوية بدأ يفوق من البنج.
أول ما فتح عينيه، لقاني قاعدة جنبه.
فضل ساكت لحظات، وبعدها قال بصوت ضعيف
أنا غلطت.
مردتش.
كمل وهو بيبص في الأرض
مش غلطت لما ساعدت أختي... غلطت إني عملت ده من وراكي، وبفلوس إحنا الاتنين، وفي وقت كان ممكن نحتاج فيه كل جنيه.
كانت أول مرة أشوفه بيعترف من غير ما يبرر.
بعد يومين، خرج من المستشفى، وأول مكان طلب يروحه مكانش البيت...
كان البنك.
هناك، وقّعت فريدة على طلب كسر الشهادة، واترجع الجزء اللي لسه موجود من الفلوس للحساب المشترك.
أما المبالغ اللي كانت اتدفعت للمقاول ومحلات التشطيب، فاتفقت مع أصحابها على جدول لاسترداد جزء منها وإلغاء بعض التعاقدات، والباقي التزمت فريدة بسداده من دخلها على أقساط شهرية.
وقفت قدامي وهي بتسلمني أول إيصال سداد، وقالت
أنا السبب في اللي حصل، ومش هرتاح غير لما آخر جنيه يرجع.
بصيت لها وقلت بهدوء
الغلط بيتصلح بالأفعال، مش بالكلام.
هزت رأسها، ومن يومها بدأت تلتزم، شهرًا بعد شهر.
أما حماتي...
فبعد اللي شافته في المستشفى، عرفت إن تدخلها بين أولادها كان سببًا في شرخ كبير داخل الأسرة.
جت تزورنا بعد فترة، وقالت قدام ابنها
أنا كنت فاكرة إني بجمعكم... لكن للأسف كنت بفرقكم. سامحوني.
مكنش الاعتذار هيمحي اللي حصل، لكنه كان بداية لتغيير حقيقي.
بعدها بأسبوع، قعدت أنا وطارق على نفس السفرة اللي كنا بنحلم عليها ببيت جديد.
طلع عقد الحساب المشترك، وقال
من النهارده، أي قرار مالي كبير... لازم يكون بتوقيعنا إحنا الاتنين.
وافقته، لكن بشرط واحد.
الثقة لما تتكسر، بترجع بالتدريج. هنبدأ من جديد، لكن بالأفعال.
ابتسم وقال
وده أقل حقك.
مرت الشهور، وفريدة أوفت بوعدها، ورجعت كل المبلغ جنيهًا وراء جنيه.
ولما اكتمل آخر قسط، دخلت علينا وهي ماسكة إيصال التحويل الأخير، وحطته على الترابيزة.
كده... آخر جنيه رجع.
بص لها طارق، ثم بص لي.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
مش لأن ال ألف رجعوا...
لكن لأن كل واحد في البيت فهم درسًا عمره ما هينساه
المال ممكن يتعوض، لكن الثقة لو ضاعت، استرجاعها محتاج صدق، واعتراف بالخطأ، وصبر طويل.
ومن يومها، بقى عندنا قاعدة واحدة في البيت، مكتوبة ومعلقة قدام المكتب
أي قرار يخص الأسرة... لا يُتخذ إلا بموافقة الأسرة.
وكانت دي النهاية اللي أنقذت بيتًا من الانهيار، ليس لأن المشكلة لم تقع، بل لأن أصحابها اختاروا إصلاحها بدلًا من الهروب منها.