طلعت حامل ياأمي
طلعت حامل يا أمي. وأنا طلقتها وهي كانت حامل ومعرفش.
صوته اتكسر وهو بيقولها في التليفون في طرقة المستشفى الفاضية، كأن الكلمة وقفت في زوره.
قفل معاها بعد ما قالتله جاية حالاً، وفضل واقف دقيقة يبص على انعكاسه الباهت في إزاز الحضّانة، مش قادر يصدق إن اللي جوه ده ابنه.
رجع أوضة ولاء الساعة 6 الصبح. الباب زقّه بالراحة. كانت صاحية، عينيها مفتوحة على السقف الأبيض، المحلول بينقط ببطء في دراعها الرفيع، ووشها أصفر زي الورق.
أول ما سمعت خطوته، رموشها اتهزت، بس مابصتش عليه.
حط الكرسي الحديد جنب سريرها وقعد. صوت الكرسي هو اللي كسر الصمت. لأول مرة من سبع شهور، قعدوا سوا من غير صريخ ولا باب بيتقفل جامد.
ماجد فرك كفوفه بتوتر، صوته واطي ومبحوح الدكتور بتاع الأطفال بيقول... بيقول أول يومين حرجين في حياة ابننا.
ولاء بلعت ريقها بصعوبة عارفة.
سكتت ثانية، وبصت ناحية الشباك أنا بقالي شهرين باجي المستشفى دي أتابع. بس في عيادة التأمين الصباحية. عشان عارفة إنك بتبقى هنا نبطشي بالليل بس. مكنتش عايزاك تشوفني وأنا بطني بتكبر.
ماجد عينه نزلت على إيديها. خست للنص. دبلتها مش موجودة، بس في علامة بيضا باهتة مكانها لسه معلمة في جلدها.
ليه مقولتيش إنك حامل لما طلقتك؟ صوته اتخنق فجأة، كنتي تقدري ترفعي عليا قضية، تبهدليني، تاخدي حقك، أي حاجة!
ولاء لفت وشها ناحيته ببطء. عنيها حمرا وناشفة من العياط عشان اليوم اللي رميت عليا يميني وقلتلي إنتي مبتخلفيش، بصيت في عينك وعرفت إنك مصدق أمك ومصدق نفسك. ولو كنت جيت قلتلك أنا حامل، كنت هتقول إني بكدب عشان أرجعك وأربطك بعيّل. أنا مش رخيصة أوي كده يا ابن عمي.
سكت. الأجهزة حوالينهم هي اللي بتتكلم. مفيش رد يتقال، كل الكلام مات على لسانه.
الباب خبط خبطة خفيفة. أمه دخلت لاهثة، طرحتها مايلة، جريت على ولاء وباست راسها وهي بتعيط بحرقة سامحيني يا بنتي.. سامحيني إني سكت يوم ما ابني ظلمك، أنا اللي خربت بيتكم بإيدي.
ولاء أخيراً انهارت. عيطت بصوت عالي، عياط سبع شهور متخزن.
ماجد قام وقف مرة واحدة، مش قادر يستحمل. بص على الاتنين، وبعدين خرج جري ناحية الحضّانة.
قعد على الكرسي البلاستيك اللي قدام الإزاز، حط وشه بين إيديه، وبص لابنه اللي متوصّل بخراطيم قد دراعه، وهمس بصوت مكسور مش مسموع غير لربنا خليك. عشان خاطري خليك. عشان ألحق أصلح أي حاجة.... يتبع
صلوا على النبي في التعلقات
وتابعوا معايا هنا الرواية هتنزل كاملة على الصفحة بعد ساعة، خرج دكتور الأطفال من الحضّانة وهو شايل الملف الأزرق، ووشه ملامحه هادية لكن مرهقة.
ماجد قام يجري عليه قبل حتى ما ينادي اسمه.
ابني عامل إيه يا دكتور؟
الدكتور بصله ثواني وقال لسه بدري نحكم. النفس ابتدى ينتظم شوية، لكن لسه محتاج حضّانة ومتابعة دقيقة. كل ساعة بتفرق.
الكلمة دي كانت كفاية ترجع الروح في قلبه شوية.
رجع وقف قدام الإزاز، وحط كفه عليه، كأنه بيحاول يوصل لابنه من خلاله.
في نفس الوقت، كانت ولاء بتحاول تقوم من السرير.
أم ماجد سندتها بسرعة. رايحة فين يا بنتي؟
قالت وهي بتضغط على جرح العملية عايزة أشوفه... حتى لو من بعيد.
الممرضة رفضت في الأول، لكن بعد إلحاح الدكتور سمحلها تقف دقيقة واحدة قدام الحضّانة على كرسي متحرك.
أول ما وقفت قدام الإزاز، دموعها نزلت من غير صوت.
همست أنا وعدتك يا حبيبي إنك هتيجي الدنيا وتلاقيني جنبك... وأنا هنا.
في اللحظة دي، جهاز المراقبة طلع صوت مختلف.
الممرضة جريت بسرعة، والدكتور دخل الحضّانة ومعاه فريق كامل.
ماجد اتجمد مكانه.
ولاء مسكت طرف الكرسي بقوة لدرجة إن صوابعها ابيضّت.
الباب اتقفل، والستاير اتحركت، ومحدش بقى شايف اللي بيحصل جوه.
مرت خمس دقايق...
وبعدين عشرة...
ولا حد خرج.
كل ثانية كانت كأنها ساعة.
وفجأة، خرج الدكتور وهو بيشيل الكمامة من على وشه.
بص لماجد وقال في حاجة محتاجين نعرفها فورًا... لأن عليها هيتحدد العلاج اللي هنكمل بيه.
ماجد قلبه وقع.
إيه هي؟
فتح الدكتور الملف، وبص لولاء ثم لماجد وقال بجدية
في معلومة طبية كانت مستخبية طول الشهور اللي فاتت... ولو طلعت صحيحة، هتفسر كل اللي حصل من أول جوازكم لحد النهارده.
وساد الصمت...
وكل واحد فيهم حس إن الحقيقة اللي جاية، ممكن تغيّر حياتهم للأبد...
يتبع...الباب اتفتح بسرعة، ودخل شاب في أواخر العشرينات، هدومه عليها تراب السفر، وأنفاسه متقطعة كأنه جري من أول الشارع لحد المستشفى.
وقف عند الاستقبال وقال بصوت عالي فين دكتور الأطفال؟ أنا جاي من معمل التحاليل.
الدكتور خرجله فورًا، والشاب مد إيده بظرف أبيض مختوم.
حضرتك طلبت الملف الأصلي بنفسك. أول ما عرفنا إن الحالة مستعجلة، بعتوني بيه.
فتح الدكتور الظرف قدامهم، وسحب الأوراق واحدة واحدة، وبص فيها باهتمام شديد.
بعد لحظات، رفع عينه وقال الحمد لله... حصل لبس في نسخة الملف اللي وصلت القسم، لكن الأصل سليم.
ماجد اتنفس لأول مرة من ساعة ما دخل المستشفى.
يعني ابني؟
الدكتور هز راسه بهدوء لسه محتاج علاج ورعاية، لكن مفيش المعلومة اللي كانت مقلقانا. هنبدأ الخطة العلاجية فورًا.
ولاء غمضت عينيها وهي بتحمد ربنا، وأم ماجد رفعت إيديها للسما وهي بتردد الحمد لله... الحمد لله.
لكن قبل ما حد يفرح، خرجت ممرضة من الحضّانة وهي بتدور بعينيها عليهم.
مين فيكم والد الطفل؟
ماجد اتقدم بسرعة.
قالت الطبيب محتاجك جوه دقيقة واحدة.
قلبه دق بعنف.
لبس الغطاء الأزرق ودخل الحضّانة لأول مرة.
الهواء كان