طلعت حامل ياأمي

لمحة نيوز

بارد، وصوت الأجهزة مالي المكان.
اقترب من الحضانة الصغيرة، وشاف ابنه بحجمه الضئيل، صدره بيطلع وينزل بصعوبة، وإيده الصغيرة متشبثة بطرف البطانية كأنها بتحاول تقاوم.
مد ماجد صباعه من الفتحة المخصصة في الحضّانة، ولمس كف ابنه برفق.
وفي لحظة ما كانش متوقعها...
الأصابع الصغيرة انقبضت حول صباعه.
اتجمد مكانه، وامتلأت عينه بالدموع.
الدكتور ابتسم ابتسامة هادئة وقال دي حركة انعكاسية طبيعية... لكن أوقات بتدي للأهل أمل كبير.
ماجد همس وهو بيبكي أنا هوعدك... عمري ما هسيبك ولا هسيب أمك تاني.
وفي الخارج، كانت ولاء تنتظر أي خبر.
وفجأة، رن هاتفها.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها أول ما شافت اسم المتصل...
اسم كانت فاكرة إنه خرج من حياتها من شهور، لكنه رجع يظهر في اللحظة الأصعب.
ترد... ولا تقفل الخط؟
يتبع...ولاء فضلت تبص لشاشة الموبايل ثواني، وإيدها بتترعش.
أم ماجد لمحت الاسم وسألتها باستغراب مش هتردي؟
ولاء أخدت نفسًا عميقًا وضغطت على زر الرد.
ألو؟
جالها صوت راجل كبير في السن يا بنتي، أنا عماد، المحاسب بتاع الشركة اللي كنتي شغالة فيها. سامحيني إني بكلمك في الوقت ده، بس كنت بتصل أطمن عليكي بعد ما عرفت إنك ولدتي.
ولاء ارتاحت شوية بعد ما سمعت صوته. الله يطمنك يا أستاذ عماد... ادعيلنا بس.
قال بهدوء ادعيلكم من قلبي. وعلى فكرة، في ظرف كان عندي باسمك من سبع شهور. حاولت أوصلك أكتر من مرة، لكن بعد ما غيرتي عنوانك ورقمك مقدرتش.
استغربت ظرف؟
أيوه. انتي فاكرة اليوم اللي قدمتي فيه استقالتك؟ وقتها الإدارة صرفتلك كل مستحقاتك، وكمان كان ليكي مبلغ من صندوق العاملين. الورق فضل عندي لأنك مشيتي بسرعة.
ولاء سكتت لحظة، ثم قالت دلوقتي مش فارق معايا أي فلوس... أهم حاجة ابني يقوم بالسلامة.
في اللحظة دي خرج ماجد من الحضّانة، وكانت الدموع لسه في عينيه.
شاف ولاء بتتكلم في التليفون، لكنه ما سألهاش مع مين.
استنى لما قفلت المكالمة، وقرب منها بهدوء.
ابننا... مسك صباعي.
ابتسمت لأول مرة من شهور، ابتسامة صغيرة لكنها صادقة.
بجد؟
هز رأسه وهو بيحاول يبتسم حاسس إنه بيقولنا يتمسكوا ببعض.
قبل ما ولاء ترد، خرج الدكتور مرة تانية.
بص لهم وقال في استجابة بسيطة للعلاج، ودي علامة كويسة، لكن الساعات الجاية لسه مهمة جدًا.
ارتاحت قلوبهم قليلًا، لكن القلق ما راحش.
قرروا يفضلوا كلهم في المستشفى.
عدت ساعات بطيئة...
ومع أول خيط نور للشمس، صدر صوت مختلف من جهاز المراقبة داخل الحضّانة.
الممرضة ابتسمت بسرعة ونادت الدكتور.
وكل العيون اتجهت ناحية الإزاز، مستنية تعرف هل دي بداية انفراجة حقيقية... ولا مجرد لحظة مؤقتة؟
يتبع...الدكتور دخل الحضّانة بسرعة، وراجع القراءات على الأجهزة، ثم بص للممرضة وقال بابتسامة هادئة
الحمد لله... النفس بقى أفضل من امبارح، والجسم بدأ يستجيب للعلاج.
ماجد سند ضهره على الحيطة كأن الحمل اللي فوق كتفه خف شوية، وغمض عينيه وهو بيتمتم الحمد لله...
ولاء نزلت دموعها في هدوء، لأول مرة كانت دموع فيها راحة، مش خوف.
بعد ساعة، سمحوا لهم يشوفوا الطفل من قريب لدقائق معدودة.
وقفت ولاء قدام الحضّانة، وإيدها على قلبها، وهمست أنا مستنياك تيجي البيت... أوضتك جاهزة، وهدومك جاهزة، وحتى الألعاب الصغيرة اللي اشتريتها وأنا بخبي حملي عن الناس... كلها مستنياك.
ماجد بص لها باستغراب. إنتي كنتي مجهزة كل ده؟
هزت رأسها. كل شهر كنت أشتري حاجة بسيطة، وأقول يمكن ربنا يجبر خاطري وأشوف اليوم ده.
ماجد حس بغصة في قلبه. افتكر كل كلمة جارحة قالها، وكل مرة صدّق فيها كلام غيره قبل ما يسمع منها.
قال بصوت مليان ندم أنا ضيعت أسعد شهور كان المفروض أكون جنبك فيها.
ردت بهدوء اللي فات فات... دلوقتي أهم حاجة ابننا.
وفي اللحظة دي، دخلت أم ماجد وهي شايلة شنطة صغيرة.
حطتها قدام ولاء وقالت دي هدومك وهدوم البيبي. رجعت البيت وجبتهم... ولقيت كمان صندوق صغير في الدولاب باسمك.
ولاء اتفاجئت. صندوق؟
أيوه... مكتوب عليه يفتح يوم ما ابني ييجي الدنيا.
بصت ولاء للصندوق، وارتعشت إيديها وهي بتفتحه ببطء.
كان جواه بطانية صغيرة مطرزة بإيدها، ورسالة مطوية، وصورة لأول أشعة كانت عملتها وهي في بداية الحمل.
ماجد مد إيده للصورة، وعينيه اتملت دموع.
أما الرسالة... ففضلت ولاء ماسكاها من غير ما تفتحها.
تنهدت وقالت كتبتها من شهور... يوم ما عرفت إني حامل.
ماجد بص لها وقال في هدوء لما تحسي إن الوقت مناسب... ابقي اقريهالي.
ولاء ضمت الرسالة لصدرها، ونظرت ناحية الحضّانة، بينما صوت جهاز المراقبة كان أكثر هدوءًا من أي وقت فات.
لكن في نفس اللحظة، اقتربت ممرضة منهم وقالت
في شخص بره بيسأل عن والدة الطفل... وبيقول معاه أمانة لازم يوصلها بنفسه.
تبادل الجميع نظرات الاستغراب...
مين الشخص ده؟... وإيه الأمانة اللي مستني يوصلها بعد كل اللي حصل؟
يتبع...ولاء بصت لماجد باستغراب، وقالت للممرضة
مين هو؟
الممرضة هزت كتفها قال إنه مش هيطول، بس لازم يسلم الأمانة بإيده.
ماجد قال بهدوء خليه يدخل.
بعد لحظات، دخل راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه بسيطة، وماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما شاف ولاء، ابتسم ابتسامة هادية وقال الحمد لله إنك بخير يا بنتي.
ولاء حاولت تفتكره، وبعد ثواني اتسعت عينيها.
أنت... عم حسن؟ البواب بتاع العمارة القديمة!
ابتسم وهو هز راسه. أيوه يا بنتي.
حط الشنطة على الترابيزة، وطلع منها علبة صغيرة ملفوفة بقماش أبيض.
ناولها لولاء وقال دي أمانة عندي من يوم ما سيبتي الشقة.
استغربت وهي فتحت القماش.
كان جواه دفتر صغير، ومعاه ظرف مقفول.
قال عم حسن يوم ما نقلتي، نسيتيهم. حاولت أوصلك كتير، لكن معرفتش مكانك. ولما
تم نسخ الرابط