طلعت حامل ياأمي
سمعت بالصدفة إنك هنا، جيت على طول.
ولاء فتحت الدفتر الأول.
كان عبارة عن مفكرة كتبت فيها يوميات حملها.
أول صفحة كانت بتاريخ اليوم اللي عرفت فيه إنها هتبقى أم.
قرأت بصوت منخفض
النهارده عرفت إن ربنا رزقني بطفل... أول حد تمنيت أقوله هو ماجد، لكن كان بينا وقتها جدار كبير من الزعل. بدعي ربنا ييجي يوم يعرف فيه الحقيقة بنفسه، ويحب ابننا قد ما كنت بحلم.
ماجد نزلت دموعه من غير ما يحاول يخبيها.
قفل الدفتر برفق، وقال أنا ضيعت أيام عمرها ما هترجع.
ولاء سكتت، ومدت إيدها للظرف المقفول.
وقفت لحظة قبل ما تفتحه، كأنها خايفة من اللي جواه.
فتحت الظرف ببطء...
ولقت فيه صورة سونار للجنين، وخطاب صغير مكتوب بخط إيدها.
بصت لماجد وقالت الخطاب ده... كتبته ليك، لكن عمري ما بعتّه.
ماجد مد إيده وهو متردد.
ممكن... أقرأه؟
ولاء فضلت ساكتة ثواني، ثم حطت الخطاب في إيده.
ما إن بدأ يفتح الورقة، حتى رن جرس الحضّانة بقوة، وخرجت الممرضة تنادي بسرعة
يا دكتور... الطفل فتح عينيه!
اتجهت كل الأنظار ناحية الحضّانة، وسقط الخطاب من يد ماجد على الأرض، قبل أن يقرأ منه حرفًا واحدًا...
يتبع...ماجد جرى ناحية الحضّانة، وولاء حاولت تقوم من الكرسي، لكن أثر العملية منعها، فسندتها أم ماجد لحد ما وقفوا قدام الإزاز.
الدكتور كان واقف جوه، بيقرب كشاف صغير من عين الطفل، وبعد لحظات ابتسم وقال للممرضة
ممتاز... دي علامة كويسة جدًا.
ماجد حس إن قلبه رجع يدق من جديد.
سأل بلهفة يعني هيبقى كويس؟
الدكتور خرج إليهم وقال بهدوء لسه محتاج وقت، لكن كل استجابة بيعملها بتخلينا أكثر تفاؤلًا. أهم حاجة دلوقتي إنه يكمل بنفس القوة.
ولاء حمدت ربنا وهي بتبص لابنها، ولاحظت إن صوابعه الصغيرة بتتحرك كل شوية، كأنه بيحاول يمسك الهوا.
رجعوا يقعدوا في الاستراحة، وهناك افتكر ماجد الخطاب.
انحنى، والتقط الورقة اللي كانت وقعت على الأرض، ومسح عنها أثر حذائه قبل ما يبص لولاء.
قال بهدوء لو لسه موافقة... أحب أقرأه.
هزت رأسها بالموافقة.
فتح الورقة بحذر، وكانت أول سطورها
إلى ماجد...
يمكن لما تقرأ الكلام ده أكون قدرت أقولك الخبر بنفسي، ويمكن الظروف تمنعني. بس حبيت تعرف إن أول ما عرفت إن ربنا رزقنا بطفل، مكنش في قلبي غير دعوة واحدة... إن ابننا يكبر وهو شايف أبوه بيحبه، وبيتعلم منه الرحمة قبل أي حاجة تانية.
لو حصل بينا خلاف، أتمنى ما يكونش هو السبب إنه يتحرم من وجودنا إحنا الاتنين حواليه...
ماجد وقف عن القراءة، والدموع غلبته.
رفع عينه ناحية ولاء وقال بصوت متقطع إنتِ حتى وإنتِ موجوعة... كنتِ بتفكري فيه، مش في نفسك.
ابتسمت ولاء ابتسامة خفيفة وقالت الأم أول ما تعرف إنها حامل... حياتها كلها بتتغير.
في تلك اللحظة، خرجت الممرضة مرة أخرى وهي تحمل ورقة.
قالت في خبر كويس... الدكتور هيبدأ يقلل دعم جهاز التنفس تدريجيًا لو الحالة فضلت مستقرة لحد بالليل.
تنفس الجميع الصعداء.
لكن قبل أن تكتمل فرحتهم، اقترب موظف الاستقبال من ماجد وقال
حضرتك الدكتور الكبير طالب يقابلك في مكتبه أول ما تفضى. بيقول في موضوع مهم يخص الطفل، وعايز يتكلم مع الأب والأم مع بعض.
نظر ماجد إلى ولاء، ثم إلى باب مكتب الطبيب.
كان واضحًا من نبرة الموظف أن اللقاء ده هيكون مهم جدًا... وربما يغيّر الأيام القادمة كلها.
يتبع...دخل ماجد وولاء مكتب الدكتور، وكل واحد فيهم قلبه بيدق أسرع من التاني.
الدكتور ابتسم أول ما شافهم، وقفل الملف اللي قدامه وقال
اطمنوا... المرة دي الخبر كله خير.
بصوا لبعض في صمت.
كمل الدكتور ابنكم استجاب للعلاج بشكل أفضل من المتوقع. هيقعد كام يوم كمان في الحضّانة للاطمئنان، وبعدها بإذن الله هيروح البيت.
ولاء غطت وشها بإيديها وهي بتحمد ربنا، وأم ماجد خرّت ساجدة في ركن المكتب وهي تردد لك الحمد يا رب... لك الحمد.
بعد أسبوع...
خرج الطفل من الحضّانة، ملفوف في بطانية بيضا، وولاء شايله بين إيديها لأول مرة.
ماجد كان ماشي جنبها، وكل شوية يبص لابنه وكأنه خايف يغمض عينه فيختفي الحلم.
وقف قبل ما يركبوا العربية، وبص لولاء وقال قدام أمه
أنا ظلمتك. وجرحتك. وصدقت كلام الناس قبل ما أسمعك. وعارف إن الاعتذار وحده ما يمحيش الوجع... لكن بطلب منك فرصة أصلح اللي أفسدته.
سكت لحظة، ثم أخرج من جيبه دبلتها.
احتفظت بيها كل الشهور دي... يمكن كان جوايا أمل إن اليوم ده ييجي.
ولاء بصت للدبلة، ثم لابنها، ثم قالت بهدوء
أنا مش هرجع عشان النسيان... هرجع لو هنبدأ من جديد على أساس الاحترام والثقة.
هز ماجد رأسه وقال
أوعدك.
رجعوا البيت، لكن البيت ما رجعش زي ما كان.
بقى فيه قوانين جديدة.
مافيش قرار من غير ما يتناقشوا فيه سوا.
ومافيش حد، مهما كان قريب، يتدخل بينهم.
أما أم ماجد، فكانت أول واحدة تحترم الحدود دي، وكانت كل يوم تثبت بأفعالها إنها اتعلمت من غلطها.
بعد شهور...
كان الطفل بيحاول ياخد أول خطواته، وماجد فاتح دراعاته من ناحية، وولاء واقفة تضحك من الناحية التانية.
الطفل خطا أول خطوة... ثم الثانية... ووقع.
قبل ما أي حد يجري عليه، ضحك بصوت عالي.
ضحكوا كلهم معاه.
ابتسم ماجد وقال
يمكن دي أول حاجة ابننا علمهالنا... إن الوقوع مش نهاية، طول ما في حد يمد إيده يساعدك تقوم.
ولاء بصت لابنها، ثم لماجد، وقالت
ربنا عوضنا بعد صبر طويل.
ضم ماجد ابنه، ونظر إلى السماء هامسًا
الحمد لله... على الفرصة الثانية.
النهاية.