استنيته 5سنين
المحتويات
في إنقاذ الشركة في وقت من الأوقات.
رفع رأسه وهو مش مصدق.
يعني... كل ده كان بسببكم؟
هز الحاج منصور رأسه بالنفي.
وقال وهو ينظر إلى سارة
مش بسببنا... بسببها.
سارة حاولت تغير الكلام، لكن جدها أكمل
كل قرار من دول، سارة هي اللي أصرت عليه. كانت كل مرة تقول سيبوا الشركة تقف على رجليها، ومحدش يعرف إننا ساعدنا.
أحمد شعر بغصة في حلقه.
افتكر كل مرة كان يشكر الحظ...
وكل مرة كان يفتكر إن الأزمة اتحلت بالصدفة.
وطلعت الصدفة اسمها... سارة.
في اللحظة دي، رن هاتف الحاج منصور.
استمع للحظات، ثم تغيرت ملامحه.
أنهى المكالمة، ونظر إلى سارة وقال بجدية
وصلنا عرض جديد.
سألته
عرض إيه؟
قال
شركة أجنبية كبيرة عايزة تستحوذ على شركة الشرق بالكامل، ومستعدة تدفع مبلغ ضخم جدًا.
ساد الصمت.
ثم أضاف
والرد لازم يكون قبل نهاية الأسبوع...أحمد حس إن قلبه وقع.
يستحوذوا على الشركة؟!
الحاج منصور هز رأسه بهدوء.
العرض كبير جدًا... وأصحاب الأسهم هيوافقوا من غير تفكير لو محدش قدم بديل.
أحمد مسك الملف بسرعة وبدأ يقلب فيه.
الأرقام كانت مغرية فعلًا.
لكن في آخر بند، لفت انتباهه شرط صغير.
لو تمت الصفقة...
اسم الشركة هيتغير، والإدارة الحالية كلها هتخرج.
يعني الشركة اللي والده تعب في بنائها سنين، هتختفي في لحظة.
تنهد أحمد وقال
لا... أنا مستحيل أوافق.
ابتسم الحاج منصور وقال
علشان كده طلبت تشوف العرض بنفسك.
بص أحمد لسارة.
إيه رأيك؟
سارة ردت بهدوء
الشركة عندها قيمة أكبر من الفلوس... لكن لازم يكون عندكم خطة تثبتوا بيها إنكم تقدروا تكملوا لوحدكم.
أحمد قال بثقة
هنعملها.
ابتسمت لأول مرة من قلبها.
إذن عندكم ثلاثة أيام.
...
رجع أحمد للشركة.
جمع كل المهندسين والمحاسبين ومديري المشروعات في قاعة الاجتماعات.
وقال
إحنا قدام اختبار صعب... يا إما نثبت إننا نستحق نكمل، يا إما الشركة كلها تضيع.
لأول مرة من سنين...
اشتغل الجميع بروح واحدة.
كل قسم قدم أفكار.
وكل موظف حاول يوفر مصروف أو يجيب عميل جديد.
حتى العمال في المواقع كانوا بيشتغلوا ساعات إضافية من غير ما حد يطلب منهم.
أما سارة...
فكانت تتابع كل حاجة من بعيد.
كل مساء يوصلها تقرير عن تقدم الشركة.
لكنها كانت ترفض أي تدخل مباشر.
وقالت لأستاذ خالد
المرة دي لازم النجاح يكون بتعبهم هم.
وفي صباح اليوم الثالث...
دخل أحمد مكتبه.
فوجد ظرفًا أبيض على المكتب.
فتح الظرف.
وجد بداخله ورقة واحدة مكتوب فيها بخط اليد
فيه مناقصة حكومية هتتفتح بكرة الصبح... لو قدمتوا الملف الصحيح، هتكون هي الفرصة اللي هتنقذ الشركة.
وفي أسفل الورقة...
ماكانش فيه توقيع.
لكن كان مرسوم وردة عباد شمس صغيرة.
ابتسم أحمد من غير ما يشعر.
وأول مرة...
عرف مين اللي بعت الرسالة، حتى لو اسمها ماكانش مكتوب أحمد ضم الورقة بين إيديه، وابتسم.
لكن المرة دي... ما راحش يسأل سارة إذا كانت هي صاحبة الرسالة.
هو كان متأكد.
قال لنفسه
طول عمرها بتساعد من غير ما تستنى شكر.
خرج من مكتبه وهو ماسك الملف، ونادى على فريق العمل كله.
الليلة دي محدش هيروح بيته قبل ما نجهز ملف المناقصة.
بدأ سباق مع الوقت.
المهندسون يراجعوا الرسومات.
المحاسبون يراجعوا التكلفة.
والقسم القانوني يراجع كل ورقة أكثر من مرة.
كانت الساعة قربت على الثانية بعد منتصف الليل.
أحد الموظفين قال وهو مرهق
يا باشمهندس... خلاص، الملف جاهز.
ابتسم أحمد لأول مرة من أيام.
تعبكم ده مش هيضيع.
...
في صباح اليوم التالي...
وصل أحمد إلى مقر الجهة المسؤولة عن المناقصة قبل الموعد بساعة.
وكان أول شركة تسلم ملفها.
وبعد دقائق...
بدأت الشركات المنافسة توصل.
من بينها شركات أكبر، وإمكانياتها أضخم.
لكن أحمد كان واثق في شغله.
بعد تسليم الملف...
خرج من المبنى.
وفوجئ بسارة واقفة في الجهة المقابلة من الشارع، ماسكة كوب قهوة، وكأنها كانت في طريقها لمكان تاني.
ابتسمت وقالت
قدمتوا الملف؟
ابتسم هو كمان.
أيوه.
مرجعته كويس؟
أكتر من عشر مرات.
هزت رأسها برضا.
إذن متقلقش.
أحمد ضحك وقال
إنتِ دايمًا بتتكلمي بثقة.
ردت بابتسامة
لأن النجاح بيبدأ من الثقة.
وقبل ما يكمل كلامه...
رن هاتف سارة.
ردت، واستمعَت لثوانٍ.
ثم قالت
حاضر... أنا جاية.
قفلت المكالمة، وبصت لأحمد.
لازم أمشي.
قال بسرعة
سارة...
وقفت.
شكرًا.
ابتسمت باستغراب.
على إيه؟
قال وهو ينظر في عينيها
على كل مرة ساعدتينا فيها... حتى وإحنا مش عارفين.
لم ترد.
اكتفت بابتسامة هادئة، ثم ركبت سيارتها وانطلقت.
...
مر يومان.
وكان الجميع في شركة الشرق ينتظر نتيجة المناقصة.
الهواتف لا تتوقف عن الرنين.
والموظفون يراقبون البريد الإلكتروني كل دقيقة.
وفجأة...
دخل السكرتير إلى مكتب أحمد وهو يلهث.
وفي يده ظرف مختوم بالشمع الأحمر.
قال بصوت متوتر
النتيجة وصلت يا باشمهندس...أحمد وقف من مكانه بسرعة.
كل اللي في المكتب سكت.
مد إيده وأخذ الظرف، لكنه فضل يبصله ثواني من غير ما يفتحه.
مدير الحسابات قال بتوتر
افتحه يا باشمهندس.
أخذ أحمد نفسًا عميقًا، وفض الشمع الأحمر.
أخرج الورقة، وبدأ يقرأ.
وفجأة...
ابتسم.
ثم رفع رأسه وهو غير مصدق.
كسبنا.
في لحظة واحدة، انفجر المكتب بالتصفيق.
بعض الموظفين دمعت عيونهم من الفرحة.
وفي الخارج، الخبر انتشر في الشركة كلها.
العمال خرجوا من مواقعهم يهنوا بعض.
بعد شهور من الخوف والقلق...
رجعت الأمل للشركة من جديد.
في نفس الوقت...
كان الحاج منصور يتابع الأخبار من مكتبه.
دخل عليه أستاذ خالد وقال مبتسمًا
زي ما حضرتك توقعت... شركة الشرق كسبت المناقصة.
نظر الحاج منصور إلى سارة التي كانت تقرأ أحد التقارير.
وقال
مبروك.
رفعت رأسها باستغراب.
ليا؟
ابتسم.
لأنك راهنتِ عليهم... وكسبتي الرهان.
ردت بهدوء
الفضل لله... ثم لتعبهم.
في المساء...
أصر أحمد أن يذهب بنفسه إلى فيلا الحاج منصور.
كان يحمل في يده بوكيه كبير من عباد الشمس.
فتح له الحارس البوابة، وأرشده إلى الحديقة.
كانت سارة تجلس تحت شجرة كبيرة، تقرأ كتابًا.
رفعت عينيها، وابتسمت عندما رأته.
اقترب منها ومد لها الورد.
وقال
المرة دي... أنا اللي جبتلك عباد الشمس.
ضحكت لأول مرة منذ رجوعه.
وأخذت الورد وهي تقول
شكله أجمل من اللي كنت جايباه من خمس سنين.
ابتسم أحمد وقال
لأن المرة دي... جاي وأنا فاهم قيمته.
جلس أمامها للحظات في صمت.
ثم قال
أنا اكتشفت إني كنت أعرف عنك حاجات قليلة جدًا.
ردت بابتسامة هادئة
وأنا كنت مستنية اليوم اللي تعرفني فيه من غير ما أقول أنا مين.
قبل أن يرد...
خرج الحاج منصور إلى الحديقة.
وكانت ملامحه هذه المرة مختلفة... أكثر جدية.
نظر إلى أحمد وقال
بما إن الشركة وقفت على رجليها... فاضل اختبار واحد بس.
نظر أحمد إليه باستغراب.
اختبار إيه يا حاج؟
ابتسم الجد، وأخرج من جيبه ملفًا صغيرًا، ووضعه على الطاولة بينهما.
وقال
قبل ما أحدد موعد فرحكم... لازم تشوف اللي جوه الملف ده أحمد نظر إلى الملف، ثم إلى سارة.
كانت هادئة... وكأنها تعرف ما بداخله.
فتح الملف ببطء.
وجد في الصفحة الأولى تقريرًا عن شركة الشرق للمقاولات.
لكن هذه المرة لم يكن تقريرًا عن الديون أو المشروعات.
كان تقريرًا عن العاملين.
أسماء الموظفين.
سنوات خدمتهم.
وظروفهم الاجتماعية.
وفي آخر كل صفحة ملاحظات بخط اليد.
قرأ أحمد أول ملاحظة
المهندس سامي... رفض عرضًا من شركة منافسة وقت الأزمة، حتى لا يترك زملاءه.
ثم الثانية
عم حسن، حارس المخزن، باع سيارته ليسدد مصاريف علاج زوجته، ومع ذلك لم يتأخر يومًا عن عمله.
رفع أحمد رأسه باستغراب.
إيه ده؟
ابتسم الحاج منصور وقال
دي الشركة الحقيقية... مش المباني ولا المعدات. الناس اللي فيها.
ثم أشار إلى آخر صفحة.
كانت مكتوبًا فيها
خطة تطوير العاملين وتحسين أوضاعهم.
قال الجد
لو الشركة بدأت تكسب من جديد، أول ناس لازم يشعروا بالخير هم اللي وقفوا جنبها وقت الشدة.
سكت لحظة، ثم أكمل
في التجارة، المكسب مهم... لكن السمعة والعدل أهم.
أحمد أغلق الملف، وقال بإخلاص
أوعد حضرتك... أول قرار هأخده بعد أول أرباح، هيكون لصالح العاملين.
ابتسم الحاج منصور، ونظر إلى سارة.
وده كان الاختبار.
استغرب أحمد.
اختبار؟
قال الجد
كنت أقدر أختبرك بالأموال... لكن الفلوس ممكن أي حد يعرف يتعامل معاها. إنما الإنسان بيبان لما يبقى معاه سلطة.
سارة ابتسمت، وقالت
كنت واثقة إن إجابتك هتكون كده.
وفي تلك اللحظة...
دخل أستاذ خالد مسرعًا
متابعة القراءة