كان فاكر الموضوع
كان فاكر الموضوع ورقة جواز شرعي وخلاص هتيجي البيت، أمه هتربيها على إيدها، وهو مش هيقرب لها.
بس كلمة هربت نغزته في رجولته.
رمى الفنجان في الحوض واتصل بأمه تاني.
يا أمي، البنت دي هربت إزاي؟ كنتي فين؟
إنعام ردت بصوت نايم ومستغرب يا مراد إنت هتحقق معايا الساعة 4 الفجر؟ بقولك نزلت في ريست على الصحراوي قالت هتدخل الحمام ومرجعتش. هكون خطفتها أنا يعني؟
ومابلغتيش ليه؟
أبلغ أقول إيه؟ مرات ابني اللي لسه كاتب عليها الصبح هربت؟ عايز تفضحنا؟
مراد قفل، ودمه بيغلي. مش عشان خايف عليها، عشان حاسس إنها ضحكت عليه.
فتح درج مكتبه، طلع صورة بطاقتها اللي المأذون كان مصورها. نغم صفوان الهواري، 22 سنة، سوهاج.
بص للصورة. أول مرة يشوف وشها. عيون بريئة، وملامح هادية، مش شكل واحدة بتهرب ليلة فرحها.
مسك تليفونه واتصل بواحد اسمه شريف، شغال عنده في الأمن في شركته.
شريف، عايزك في شغل خاص. واحدة هربت من أمي على طريق سوهاج إسكندرية. اسمها نغم صفوان الهواري، دي صورة بطاقتها، هبعتهالك.
تمام يا مراد بيه، ندور فين؟
في كل حتة. كماين، مستشفيات، محطات قطر. بنت صعيدية لوحدها وبفستان فرح مش هتوه. ولما تلاقيها.. ماتكلمهاش. كلمني أنا الأول.
قفل، وبص للبحر تاني.
فاكرة هتهربي من مراد زيدان يا بنت صفوان؟ أبوكي قتل خالي، وإنتي فاكرة هتفلتي كده؟ أنا اللي هجيبك بنفسي، وهعرفك الهروب تمنه إيه.
ماكانش يعرف إنها مانامتش في حضن حد، ولا هربت مع حد. كانت نايمة على سرير ضيق في بحري، لابسة جلابية مستلفة، وحاضنة عقد جوازهم وهي بتعيط في صمت عشان ماتصحيش دعاء بنت الست اللي استضافتها في بيتها.
عدى أسبوع.
نغم ماكانتش من النوع اللي يقعد يتفرج على الناس وهي بتخدمه. تاني يوم الصبح، صحيت على صوت أم كريم وهي بتجهز القفاص.
رايحة فين يا حاجة؟
السوق يا بنتي، نامي إنتي.
لا. أنا جاية معاكي.
دعاء ضحكت وهي بتربط شعرها إنتي فاكرة فرش الخضار ده سهل؟ الشمس هتاكلك، إنتي بشرتك دي مش هتستحمل الشمس هنا.
نغم ردت وهي بتشمر كم الجلابية وأبويا كان عنده أرض، وكنت بنزل مع العمال ألم القطن بإيدي وأنا عندي 14 سنة. وريني هتعملي إيه.
وفعلا نزلت.
أول يومين الناس في الحارة كانوا بيبصوا. مين البنت الحلوة اللي مع أم كريم دي؟ أم كريم كانت بترد ردة واحدة بنت أختي، جاية تقعد معانا كام يوم من البلد.
نغم اتعلمت توزن الطماطم، وتفاصل مع الستات، وتزعق للعيال اللي بتمد إيدها على الخيار. وفي آخر اليوم كانت إيديها لونها احمر من الشمس، وضهرها واجعها، بس كانت بتضحك بجد لأول مرة من يوم الفرح.
بالليل، هما التلاتة قاعدين يقمعوا بامية قدام التلفزيون، دعاء قالت فجأة نغم، إنتي متعلمة؟
آه، آداب إنجليزي، بس ماكملتش آخر سنة، أبويا قعدني في البيت لما جالي العريس.
دعاء عينيها نورت إنجليزي؟ طب ما تشتغلي معايا! أنا بدي دروس لعيال ابتدائي في أوضتي، العيال مغلبيني في الإنجليزي، تيجي تساعديني ونقسم الفلوس؟
نغم سكتت ثانية، وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة موافقة. بس بشرط، الفلوس تروح لأمك الأول، أنا قاعدة على قلبكم ببلاش.
أم كريم زغرتها في كتفها اخرسي يا بنت، إنتي بنتي التانية خلاص، واللي يقول غير كده هقطع لسانه.
في نفس الليلة، نغم طلعت عقد الجواز من تحت المخدة، بصت على اسم مراد زيدان، وطبقته تاني وشالته في درج الكومودينو. مش هتفضل عايشة على ورقة.
عند مراد
شريف، بتاع الأمن، كان واقف قدام مراد في المكتب بعد أسبوع من التدوير، ووشه مش مبسوط.
يا مراد بيه، دورنا في كل الرستات على طريق الصحراوي، وكل المستشفيات من سوهاج لإسكندرية، وكماين الشرطة. مفيش بنت بفستان فرح ظهرت خالص.
مراد خبط بإيده على المكتب يعني إيه؟ اتبخرت؟
اللي يقلق أكتر.. إن أهلها في سوهاج مابلغوش إنها مختفية. كلمت واحد لينا هناك، صفوان الهواري قاعد في الدوار عادي ولا كأن بنته اتجوزت امبارح.
مراد وقف وبص للبحر. حاجة غلط. لو هربت، أبوها كان قلب الدنيا. ولو أمه بتكدب.. ليه؟
اتصل بإنعام يا أمي، إنتي نزلتي البنت فين بالظبط على الصحراوي؟
إنعام اتوترت ثانية هو إيه التحقيق ده يا مراد؟ بقولك هربت وخلاص، انسى البنت دي، هجوزك ست ستها.
لا مش هنسى. دي على اسمي. لو حد لقاها في الشارع وعرف إنها مرات مراد زيدان هتبقى فضيحتنا إحنا. أنا هنزل أدور بنفسي.
فجأة جاتله رسالة اول لما قرأها اتصدم.....
صلوا على النبي في التعلقات
وتابعوا معايا الرواية هتنزل كاملة هنا على الصفحة مراد فضل باصص في شاشة الموبايل كأنه مش مستوعب اللي قراه.
الرسالة كانت من رقم مجهول.
لو عايز تعرف مراتك راحت فين... ابدأ تدور جوه بيتك الأول.
فضل ساكت ثواني، وبعدها كتب بسرعة
مين؟
عدت دقيقة... اتنين... تلاتة.
وجاله رد.
لما تعرف الحقيقة، هتعرف إن اللي حصل ليلة الفرح ماكانش زي ما اتحكالك.
قبل ما يكتب أي كلمة تانية، الرقم بقى خارج الخدمة.
شد نفس طويل، وقبضته اتقفلت على الموبايل.
مش أول مرة يتعرض لتهديد، لكنه لأول مرة يحس إن حد بيلعب معاه وهو مش شايفه.
ضغط زر الجرس.
دخل شريف بسرعة.
خير يا مراد بيه؟
ناولّه الموبايل.
شريف قرأ الرسالة أكتر من مرة، وبعدين قال الرقم متسجل بخط جديد، واتقفل بعد الرسالة مباشرة.
مراد قال بهدوء مخيف اعرفلي الرقم ده طلع منين، حتى لو هتقلب البلد.
تمام.
وقبل ما شريف يخرج، مراد ناداه.
ومن النهارده... محدش يعرف إني بدور على نغم.
شريف استغرب.
ليه؟
لأن اللي بعت الرسالة دي عايز يعرف أنا هتحرك إزاي.
...
في الناحية التانية...
نغم بدأت تتأقلم مع حياتها الجديدة.
أوضة صغيرة.
سرير حديد.
وشباك بيطل على شارع شعبي مليان أصوات البياعين.
لكن لأول مرة من سنين، كانت بتحس إنها بتاخد قرارها بنفسها.
بعد كام يوم، بقت بتساعد دعاء في الدروس.
الأطفال حبّوها بسرعة.
كانت تشرح الإنجليزي ببساطة، وتحوّل الكلمات لألعاب وضحك.
وفي نهاية كل حصة، كانوا يجروا عليها يقولوا
أبلة نغم... هتيجي بكرة؟
فتبتسم من قلبها وترد
أكيد.
حتى أم كريم بقت تلاحظ إن وشها رجع فيه لون بعد ما كان كله خوف.
وفي ليلة هادية، وهم قاعدين يتعشوا، خبط الباب.
دعاء قامت تفتح.
لقيت راجل كبير واقف برا.
لابس جلابية نضيفة، وشعره كله أبيض.
سأل بهدوء
دي بيت أم كريم؟
أيوه.
بص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش سامعه.
وقال
أنا جاي أوصل أمانة... تخص بنت اسمها نغم.
دعاء اتجمدت مكانها.
أما نغم، أول ما سمعت اسمها، حسّت قلبها وقع.
أم كريم خرجت بسرعة.
حضرتك مين؟
الراجل مد إيده بظرف بني مقفول بالشمع الأحمر.
وقال بصوت منخفض
الأمانة دي كان لازم توصلها من أسبوع... لكن الظروف أخرتني.
ثم استدار ومشى، قبل ما حد يقدر يسأله أي سؤال.
فضلوا الثلاثة يبصوا للظرف في صمت.
لا عليه اسم المرسل.
ولا أي عنوان.
بس على ظهره جملة واحدة مكتوبة بخط قديم
ما تفتحيش الظرف ده إلا لو عايزة تعرفي ليه حياتك اتقلبت ليلة الفرح نغم رجعت خطوتين لورا، ووشها فقد لونه.
همست وهي بتبص من فتحة الستارة
العربية دي... أنا شفتها قبل كده.
دعاء قربت منها بسرعة.
متأكدة؟
هزت نغم راسها ببطء.
كانت واقفة آخر الشارع عند دوار أبويا... يوم الفرح. افتكرتها عربية حد من المعازيم، لكن دلوقتي أنا متأكدة إنها هي.
بره...
الخبط على الباب زاد.
يا أهل البيت... افتحوا، عندنا كام سؤال وبنمشي.
أم كريم ما استعجلتش.
ردت من ورا الباب
مين حضرتك؟
ناس بندور على واحدة من البلد.
وإنتوا تبع مين؟
سكت