كان فاكر الموضوع
ناسية الناس اللي كانوا بيدوروا عليكي امبارح؟
كل ما نستنى، الأسئلة بتزيد.
أم كريم فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
لو هنروح... هنروح كلنا.
...
في نفس الوقت...
مراد كان قاعد قدام الصورة القديمة.
كل دقيقة بيبص فيها، بيكتشف تفصيلة جديدة.
وفجأة لاحظ تاريخ مكتوب بخط صغير خلف الصورة.
15 8 2003
اتصل بشريف.
عايز أعرف الصورة دي اتصورت فين.
شريف رد
أنا بالفعل سألت.
ولقيت إيه؟
المصور لسه عايش... وعنده محل تصوير قديم في سوهاج.
مراد قام من مكانه فورًا.
جهز العربية.
هتنزل بنفسك؟
أيوه.
ولو والد نغم عرف؟
مراد رد وهو بيقفل الملف
أنا مش رايح أقابله... أنا رايح أدور على الحقيقة.
وفي اللحظة نفسها...
كانت نغم، وأم كريم، ودعاء، بيقفلوا باب البيت وبيتحركوا ناحية بحري، من غير ما يعرفوا إن عربية رمادية خرجت بهدوء من آخر الشارع... وبدأت تمشي وراهم، محافظة على مسافة، كأن سائقها متدرب على المراقبة من غير ما ينكشف نغم فضلت باصة للصورة كأنها مش قادرة تستوعب.
دعاء أخدتها منها بحذر.
يمكن ابن عمه.
نغم هزت رأسها.
مكتوب بوضوح... أخوه.
أم كريم مدت إيدها للدفتر الجلدي.
كان قديم، والغلاف متشقق من الزمن.
فتحته على أول صفحة.
كان مكتوب بخط مرتب
هذه الأوراق لا تُفتح إلا إذا ضاعت الحقيقة.
وتحتها توقيع واحد...
منصور عبدالرازق.
قلبت أم كريم الصفحة اللي بعدها.
كانت عبارة عن تواريخ وملاحظات قصيرة، كأن صاحب الدفتر كان بيسجل أحداث مهمة.
وفجأة توقفت عند صفحة عليها سطر متكرر أكتر من مرة
لا تتركوا الأطفال يدفعون ثمن أخطاء الكبار.
سادت لحظة صمت.
نغم همست
يعني إيه؟
قبل ما حد يرد، سمعوا صوت باب البيت الخارجي وهو بيتفتح ببطء.
التلاتة اتجمدوا.
دعاء همست
إحنا قفلناه!
خطوات هادية بدأت تقرب.
واحدة...
ورا التانية...
لحد ما وقفت قدام باب الأوضة.
اتشدت الأنفاس.
ثم ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض بالكامل، وسنده على عصاية.
بص عليهم من غير خوف.
وقال بهدوء
الحمد لله... أخيرًا وصلتوا.
أم كريم اتفاجئت.
إنت... إنت الحاج منصور؟!
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
الناس كلها فاكراني مت.
نغم قامت واقفة.
يبقى مين اللي بعتلي المفتاح والرسايل؟
الحاج منصور بص لها مباشرة.
أنا.
دعاء قالت بسرعة
لكن قالولنا إنك متوفي.
هز رأسه.
كان لازم الكل يفتكر كده... لأن في ناس كانت مستعدة تقتل أي حد يعرف الحقيقة.
قعد على أقرب كرسي، وأشار للدفتر.
الوقت جه إنكم تعرفوا جزء من اللي حصل.
نغم قعدت قدامه، وعينيها مليانة أسئلة.
قال بصوت هادئ
أبوك صفوان... وخال مراد... ماكانوش أعداء في البداية.
كانوا شركا، وبينهم عشرة عمر.
ولحد النهارده... في ناس مستفيدة إن الحقيقة تفضل مدفونة.
وقبل ما يكمل...
رن موبايل نغم.
رقم مجهول.
بصت للحاج منصور.
قال لها
ردي.
فتحت الخط.
جالها صوت رجالي خشن، قال جملة واحدة بس
لو الحاج منصور لسه عايش... قوله إن الوقت خلص.
وانقطع الاتصال.
في اللحظة نفسها...
الحاج منصور شحب وجهه، وقام واقف بصعوبة، واتجه بسرعة ناحية الشباك.
بص بره ثواني...
ثم قال بصوت منخفض، لكن مليان قلق
هما عرفوا مكاني بعد ما الحاج منصور قال هما عرفوا مكاني. عمّ الصمت المكان.
لكن بدل ما يهرب، لف ناحية نغم وقال بثبات
الهروب عمره ما حل حاجة. النهارده لازم الحقيقة كلها تطلع.
فتح الدفتر على آخر صفحة، وطلع منه ظرف قديم مختوم.
سلمه لنغم.
ده الدليل اللي احتفظت بيه عشرين سنة.
فتحت الظرف، ولقت عقد شراكة قديم بين صفوان الهواري وخال مراد، وصور ومستندات بتثبت إنهم كانوا شركاء بالفعل، وإن الخلاف الحقيقي ماكانش بينهم، لكنه حصل بسبب واحد تالت زور مستندات وأوقع بينهم، واستفاد من العداوة اللي كبرت سنة بعد سنة.
أما حادث مقتل خال مراد، فالقضية كانت أعقد مما اتقال للناس، والتحقيقات وقتها ما أثبتتش إن صفوان هو القاتل، لكن الإشاعات سبقت الحقيقة، وكل عيلة صدقت الرواية اللي وصلتها.
وفي اللحظة دي، وصل مراد للبيت بعد ما تتبع الخيوط بنفسه.
دخل وهو متحفز، لكن أول ما شاف المستندات، فضل يقلب فيها في صمت.
قرأ كل ورقة.
وبعدين بص للحاج منصور.
يعني... أبو نغم ماخاناش؟
رد الحاج منصور
ولا أبوها خانكم... ولا خالك كان عايز الدم يكمل. الكل كان ضحية كذبة اتبنت فوقها سنين من الكراهية.
مراد حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
افتكر كلام أمه، والغضب اللي عاش بيه سنين، وإصراره إنه يلاقي نغم وهو مقتنع إنها السبب.
لف ناحية نغم، وقال بصوت هادي لأول مرة
أنا ظلمتك... قبل حتى ما أعرفك.
نغم ردت بهدوء
وأنا كنت فاكرة إنك نسخة من الحكايات اللي سمعتها عنكم.
ساد صمت طويل.
ثم قال الحاج منصور
الانتقام بيورث انتقام... لكن الحقيقة لو اتقالت، ممكن تنهي اللي فات.
بعد أيام، اجتمع كبار العيلتين.
اتعرضت كل المستندات والشهادات القديمة.
ومع الوقت، بدأت الصورة الحقيقية تظهر، وانتهى خلاف استمر سنوات طويلة، بعدما عرف الجميع إن الدم والكراهية كانوا مبنيين على أكاذيب وسوء فهم استغله شخص آخر لمصلحته.
أما مراد، فلم يجبر نغم على الرجوع معه، وقال لها
الجواز اللي يبدأ بالإجبار عمره ما يعيش. القرار قرارك.
اختارت نغم تكمل دراستها الأول، وترجع آخر سنة في كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، وتبني حياتها بإرادتها.
ومراد بدأ يصلح أخطاء الماضي، ويعيد الحقوق لأصحابها، بعيدًا عن الغضب اللي عاش فيه سنوات.
وبعد شهور، لما اتقابلوا من جديد، كان اللقاء مختلفًا.
لا فيه خوف...
ولا إجبار...
ولا ثأر.
كان فيه احترام، وفهم، وبداية جديدة اختاروها هما الاتنين بإرادتهم.
تمت بحمد الله.