الخدامه خبته بقلم زيزي احمد
الحاج رجب ثواني، ثم تنهد وقال
فيها سر... لكن لازم أتأكد منه الأول.
مد الملف ناحية مريم.
اقري.
فتحت الصفحة ببطء.
الصورة كانت باهتة فعلًا، لكن الوجوه واضحة.
الحاج عبد التواب واقف في افتتاح أول مصنع للعائلة، وحواليه عدد من الشركاء القدامى.
عم حسين ابتسم وهو يشوف الصورة.
الله... اليوم ده فاكره كأنه امبارح.
لكن ابتسامته اختفت فجأة.
لأنه لاحظ الشخص الواقف في آخر الصورة.
قال وهو يضيق عينيه
هو... هو ده!
سأل الحاج رجب بسرعة
عرفته؟
هز عم حسين رأسه وقال
أيوه... الراجل ده اسمه فؤاد عزمي. كان محاسب الشركة الأول، وبعدها سافر فجأة واختفى، وكل الناس افتكرت إنه اعتزل.
قلب الحاج رجب الصفحة التالية.
كانت مذكرة بخط والده
إذا ظهر فؤاد عزمي مرة تانية، اعرف إن حد بيحاول يستولي على الشركة باستخدام أوراق قديمة، لأن النسخ الأصلية عنده.
في اللحظة نفسها...
جاء صوت من شاشة المراقبة.
الأستاذ عادل كان ما زال واقفًا في البهو، لكنه التفت ناحية الباب الرئيسي.
دخل رجل في أواخر الستينات، بشعر أبيض وعصا خشبية.
أول ما شافه عم حسين على الشاشة، شهق بصوت عالٍ
فؤاد!
أما الحاج رجب، فشعر أن الدم جمد في عروقه.
الرجل نفسه...
اللي في الصورة.
تقدم فؤاد عزمي بخطوات هادئة، ونظر إلى كريم.
قال كريم بابتسامة
اتأخرت.
رد فؤاد ببرود
كنت مستني أتأكد إن كل الناس وصلت.
ثم نظر حوله داخل القصر، وقال جملة أربكت الجميع
الحاج رجب موجود في البيت... وأنا عارف إنه بيسمعنا.
ساد صمت ثقيل.
التفت الحاج رجب إلى مريم وقال
إزاي عرف؟
ردت مريم وهي تنظر إلى شاشة المراقبة باهتمام
معناه إن في حد كشف الممر السري... أو إن فؤاد يعرف أسرار القصر من أيام الحاج عبد التواب.
وفي هذه اللحظة، رفع فؤاد رأسه إلى إحدى الكاميرات وقال بصوت واضح
يا حاج رجب... لو كنت فاكر إن الورق اللي معاك يكفي، تبقى غلطان... لأن نص الحقيقة معاك، والنص التاني معايا.
ثم أخرج من حقيبته ملفًا قديمًا مطابقًا تمامًا للملف الموجود مع الحاج رجب.
نظر الجميع إلى الشاشة في ذهول...
وأدرك الحاج رجب أن المواجهة الحقيقية لم تعد بينه وبين كريم فقط، بل مع رجل عاد بعد عشرين عامًا، ويحمل نصف السر الذي أخفاه والده تبادل الحاج رجب ومريم النظرات.
كان واضحًا إن ظهور فؤاد قلب كل الحسابات.
لكن الغريب...
إن الأستاذ عادل ما اتفاجئش.
بالعكس، ابتسم ابتسامة هادئة وقال لفؤاد
كنت عارف إنك هتظهر النهارده.
رد فؤاد وهو يرفع الملف
وأنا كنت عارف إنك هتستنى اللحظة دي.
كريم بص لهم في حيرة وقال بعصبية
حد يفهمني! إنتوا بتتكلموا عن إيه؟
نظر إليه فؤاد ببرود وقال
إنت مجرد استعجلت.
اتجمد كريم.
يعني إيه؟
قال فؤاد
أنت كنت فاكر إن السيطرة على الشركات هتكون بالتوقيعات والأوراق... لكن والد عمك كان أذكى من كده.
في الغرفة السرية، قال الحاج رجب لمريم
الراجل ده مش جاي يساعد كريم.
أجابت
واضح إنه جاي لهدف تاني... ولسه مش عارفين هو في صف مين.
وفجأة...
فتح فؤاد الملف اللي معاه، وأخرج منه ورقة صفراء قديمة.
وقال بصوت مرتفع، وهو يقصد أن يصل الكلام لكل من في القصر
في سنة ١٩٩٨، اتفق الحاج عبد التواب معايا ومع الأستاذ عادل على ميثاق.
نظر الأستاذ عادل إليه وأكمل
الميثاق كان بيقول إن أي محاولة للاستيلاء على الشركة بالقوة أو بالخداع، تلغي تلقائيًا أي توكيلات أو قرارات صدرت تحت ضغط أو غياب صاحبها.
اتسعت عينا كريم.
وده معناه إيه؟
رد الأستاذ عادل بثبات
معناه إن كل الورق اللي جهزته الليلة... مالوش أي قيمة.
ضرب كريم الطاولة بعنف.
مستحيل!
لكن فؤاد لم يلتفت إليه.
بل نظر مباشرة إلى إحدى الكاميرات وقال
يا حاج رجب... لو كنت سامعني، يبقى اخرج بنفسك. لأن وجودك حيًّا هو أكبر دليل على بطلان كل اللي حصل.
قبض الحاج رجب على الملف بقوة.
كان على وشك يفتح الباب السري ويخرج...
لكن مريم وقفت قدامه بسرعة.
لأ.
نظر إليها باستغراب.
قالت
لسه بدري.
ليه؟
لأن في شخص واحد لسه ما بانش.
سكت الجميع.
حتى عم حسين سألها
مين؟
أخذت نفسًا عميقًا وقالت
الشخص اللي كريم كان بيكلمه في التليفون من أول الليلة... العقل اللي خطط لكل ده.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف كريم مرة أخرى.
فتح مكبر الصوت من غير قصد وهو مستعجل.
وانتشر صوت رجل في أنحاء البهو
أنا على البوابة... خمس دقايق وهكون عندكم.
أول ما سمع فؤاد الصوت...
اختفت ابتسامته لأول مرة.
أما الأستاذ عادل، فأغلق عينيه وقال في قلق
للأسف... هو وصل.
الحاج رجب شعر بقشعريرة تسري في جسده.
لأن ملامح الخوف اللي ظهرت على وجوه فؤاد والأستاذ عادل أكدت له أن القادم أخطر من كل من رآهم حتى الآن... وأن اللعبة دخلت مرحلة جديدة لم يكن يتوقعها مع آخر كلمة خرجت من الهاتف...
فتح باب القصر الرئيسي.
دخل رجل وقور في أوائل الستينيات، يمشي بهدوء وثقة، وخلفه اثنان من رجال الأمن الرسميين.
نظر إلى الجميع وقال
انتهى الأمر.
التفت كريم إليه بسرعة وقال بلهفة
أخيرًا وصلت.
لكن الرجل لم ينظر إليه أصلًا.
بل اتجه نحو الأستاذ عادل وفؤاد، ثم قال
الوصية اتنفذت.
في تلك اللحظة، خرج الحاج رجب من الممر السري، ومعه مريم وعم حسين.
ساد الصمت في القصر كله.
شهق كريم وهو يتراجع للخلف
عمي...!
نظر إليه الحاج رجب بحزن أكثر من الغضب، وقال
كنت مستعد أسامح أي غريب... لكن ما توقعتش إن الطمع يوصلك لكده.
حاول كريم يبرر
أنا كنت فاكر إني بحافظ على الشركة.
قاطعه الحاج رجب
اللي يحافظ على الشركة ما يدخلهاش برجالة مسلحين، ولا يزور أوراق، ولا يخدع الناس.
تقدم الأستاذ عادل، وسلم الحاج رجب المظروف المختوم.
فتح الحاج رجب الوصية الأخيرة لوالده.
وجاء فيها
يا رجب... الشركة مش مباني ولا فلوس. الشركة أمانة. واللي يخون الأمانة، حتى لو كان من الدم، لا يستحق إدارتها.
ثم كانت هناك صفحة أخيرة.
قرار قانوني موثق، ينص على أن أي شخص يشارك في محاولة الاستيلاء على أصول الشركة يُحرم نهائيًا من أي منصب إداري أو حق في إدارتها، مع الاحتفاظ بحقوقه الشرعية فقط إذا وجدت، وفقًا للقانون.
نظر الحاج رجب إلى كريم وقال
أنا مش هظلمك... لكن من النهارده، انتهت مسؤوليتك في الشركة.
خفض كريم رأسه، ولم يجد كلمة يقولها.
ثم التفت الحاج رجب إلى مريم.
دلوقتي فهمت... ليه والدي اختارك.
ابتسمت مريم وقالت
أنا ما كنتش بطلة يا باشا... أنا كنت بنفذ الأمانة اللي اتكلفت بيها.
ثم نظر إلى عم حسين، وربت على كتفه.
وأنت حافظت على السر سنين طويلة.
ابتسم الرجل العجوز والدموع في عينيه
كان عهد مع الحاج عبد التواب... والعهد لازم يتصان.
بعد أيام، عادت إدارة الشركة إلى طبيعتها، وتمت مراجعة جميع العقود والملفات بحضور المستشارين القانونيين، وأُبطلت كل الإجراءات التي حاول كريم تنفيذها بالمخالفة للقانون.
أما مريم، فرفضت أي مكافأة مالية كبيرة، واكتفت بأن تعود إلى حياتها بعد أن أدت المهمة التي حملتها سنوات طويلة.
وفي حفل بسيط داخل القصر، وقف الحاج رجب أمام العاملين وقال
الإنسان ممكن يبني ثروة في عمره كله... لكن أصعب حاجة إنه يبني الثقة. والفلوس لو راحت ممكن ترجع، إنما الثقة إذا ضاعت، صعب ترجع.
وانتهت الليلة التي بدأت بخادمة تخبئ صاحب البيت داخل دولاب...
وانتهت بانكشاف الحقيقة، ونجاة الأمانة، وانتصار الحق دون انتقام أو ظلم.
تمت.