الساعه ٤ الفجر بقلم زيزي احمد
الساعة ٤ الفجر... بنتي خبطت على بابي وهي حافية في عز البرد، وقالت جوزي طردني... وقال محدش هيصدقني! لكن كان ميعرفش إن أبوها ضابط مباحث سابق... واللي عمله هيكون بداية نهايته.
الجرس رن الساعة أربعة الفجر... ولما فتحت الباب، حسيت إن الدنيا كلها اتهدت فوق دماغي.
بنتي كانت واقفة قدام الباب، حافية، واقفة وسط السقعة، جسمها كله بيترعش كأنها كانت هتموت من البرد.
بصتلي بعينين مليانين خوف وهمست
يا بابا... طردني. وقال محدش هيصدقني.
جريت عليها ولحقتها قبل ما تقع.
رغم إن إيمان عندها واحد وتلاتين سنة، لكنها وهي بين إيديا رجعت البنت الصغيرة اللي كانت بتجري عليا كل ما تخاف من كابوس.
بس المرة دي... الكابوس كان له اسم.
كريم...
جوزها.
الراجل اللي كان كل يوم جمعة يجيب ورد.
واللي يساعد الجيران يشيلوا أكياسهم.
واللي أي حد يشوفه يقول إيمان محظوظة إنها اتجوزته.
شلتها ودخلتها البيت، وغطيتها باللحاف القديم اللي أمها الله يرحمها كانت عاملاه بإيديها.
رجليها كانت مجروحة من المشي.
وخدها عليه كدمة واضحة.
وإيديها كانت بتترعش لدرجة إنها معرفتش تمسك كباية الشاي السخنة.
قعدت جنبها وسألتها بهدوء
إيه اللي حصل؟
فضلت باصة للنار اللي شغالة في الدفاية، وبعد شوية قالت بصوت مكسور
الأكل اتحرق... قال إني كسفته قدام نفسه... خد موبايلي، وزقني برا، وقفّل الباب بالمفتاح.
أسناني ضغطت على بعضها من الغضب.
فضلتي برا قد إيه؟
هزت كتفها وقالت
مش عارفة... فضلت أمشي لحد ما وصلت هنا.
بيتهم كان بعيد حوالي تلاتة كيلو.
وهي ماشية حافية...
في عز البرد.
في اللحظة دي حسيت بالذنب بيخنقني.
أنا كنت شايف العلامات من زمان.
كل مرة كانت تلغي الزيارة.
الهدوم اللي بأكمام طويلة حتى في الحر.
كل سؤال كنت أسأله، كريم هو اللي يرد عليه.
وكل مرة يلمس كتفها كانت تنتفض من الخوف.
قلبي كان بيقولي إن فيه حاجة غلط...
بس بعد وفاة أمها، كنت بدور على أي هدوء، حتى لو كان هدوء كداب.
وساعتها فهمت إن الهدوء ساعات بيخلّي الواحد يغض الطرف عن الحقيقة.
لكن الندم ملوش وقت دلوقتي...
الوقت بقى وقت إثبات.
كريم كان فاكر إنه اتجوز واحدة مالهاش ضهر.
كان فاكر إن أبوها مجرد راجل على المعاش، عنده معاش آخر الشهر، وركبه بتوجعه، وصور قديمة من أيام شغله معلقة على الحيطة.
نسي أهم حاجة...
إني قضيت عمري كله ضابط مباحث.
وعمري ما كنت بمسك مجرم بالصوت العالي...
كنت بمسكه بالصبر، والدليل، والوقت المناسب.
قمت فتحت جهاز تسجيل المكالمات.
وأول تليفون كان للمحامي.
والتاني لمديري القديم في المباحث.
والتالت لقاضي أعرفه من سنين، كنت أنقذته زمان في حريق حصل بالمحكمة.
إيمان بصتلي بخوف وقالت
إنت بتعمل إيه يا بابا؟
مسحت بإيدي على شعرها، وقلت بهدوء
بعمل اللي كان المفروض أعمله من شهور...
بصدق بنتي.
بقلم_زيزي_احمد
بعد أقل من ساعة...
كان النهار لسه ما طلعش، لكن البيت كله بقى صاحي.
إيمان كانت نايمة من التعب، بعد ما الدكتور اللي أعرفه كشف عليها وقال إنها محتاجة راحة، وإن الكدمات اللي في جسمها لازم تتوثق فورًا.
أنا ما استعجلتش.
كل حاجة كان ليها ترتيب.
صورت الإصابات بتاريخ اليوم.
احتفظت بالهدوم اللي كانت لابساها في كيس منفصل.
وسجلت كل كلمة قالتها، وهي بتحكي بهدوء من غير ما أقاطعها.
كنت عارف إن الذاكرة أول ساعات بعد الصدمة بتكون أهم من أي وقت تاني.
وفجأة...
رن جرس الباب.
فتحت...
لقيت كريم.
واقف ببدلته الأنيقة، وماسك بوكيه ورد كبير.
أول ما شافني، رسم على وشه ابتسامة مصطنعة وقال
يا عمي... حصل سوء تفاهم بسيط. وإيمان زعلت ومشيت، وأنا جيت أخدها.
بصيت للورد، وبعدها بصيت له.
وقلت بهدوء
هي مش هتنزل.
ابتسامته بدأت تختفي.
وقال بنبرة حاول يخبي فيها عصبيته
دي مراتي... ومن حقي أتكلم معاها.
رديت بنفس الهدوء
وهي قالت إنها مش عايزة تشوفك دلوقتي.
اتغير لون وشه.
ولأول مرة شفت القناع بيقع.
قال وهو بيضغط على أسنانه
واضح إنها لعبت في دماغك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لا... الحقيقة هي اللي وصلت.
لف ومشي وهو بيقول
هترجعلي بنفسها... ومحدش هيصدق كلامها.
قفل باب العربية بعنف، وتحرك.
لكن اللي ماكنش يعرفه...
إن العربية كانت خرجت من تحت كاميرا مراقبة خاصة بأحد الجيران.
والكاميرا سجلت وقت وصوله...
وشكله وهو واقف يبتسم، وبعدها وهو خارج غاضب.
دليل صغير...
لكن كل دليل بيكمل اللي بعده.
بعد الضهر...
المحامي وصل.
قعد مع إيمان أكتر من ساعتين.
ماكانش بيسألها أسئلة كتير...
كان بيسيبها تحكي براحتها.
ولما خلص، قال وهو بيقفل الملف
إحنا مش مستعجلين. كل خطوة هتكون محسوبة.
إيمان لأول مرة رفعت رأسها وقالت
هو طول عمره يقول لي لو اشتكيتي... الناس هتقول إنك بتبالغي.
المحامي رد بهدوء
الكلام سهل... لكن التقارير والأدلة مبتكدبش.
في اللحظة دي...
رن موبايلها.
رقم كريم.
بصتلي بخوف.
قلت لها
مترديش.
بعد دقيقة...
بعت رسالة.
ارجعي قبل ما الموضوع يكبر.
وبعدها رسالة تانية.
أنا ممكن أسامحك.
إيمان قرأتها، وإيديها بدأت تترعش.
لكن بعدها بثواني...
وصلت رسالة تالتة.
ولما فتحتها...
وشها شحب فجأة.
رفعت الموبايل ناحيتي وهي مش قادرة تتكلم.
بصيت في الشاشة...
ولقيت صورة لعلبة فيها كل متعلقاتها الشخصية، ومعاها رسالة قصيرة
اعتبري إن حياتك القديمة انتهت.
ساعتها عرفت...
إن كريم مش ناوي يتراجع بسهولة.
لكن هو ماكانش يعرف...
إن كل رسالة بيبعتها، وكل تصرف بيعمله...
بيفتح على نفسه باب جديد من الأدلة.
وفي نفس اللحظة...
رن تليفوني.
كان مديري القديم.
قال بصوت جاد
تعالى حالًا... في معلومة لازم تشوفها بنفسك. شكل القضية أكبر مما كنا متوقعين...ركبت العربية بسرعة.
إيمان كانت هتيجي معايا، لكن المحامي أصر إنها تفضل في البيت تحت حماية حد من العيلة لحد ما الأمور تهدى.
الطريق للمكان كان ساكت بشكل يخنق.
مكالمة المدير ما زالت بتدور في دماغي
في حاجة لازم تشوفها بنفسك.
وصلت مقر المباحث القديم...
المكان اللي اشتغلت فيه سنين، واللي كنت فاكره خلاص خرجت منه للراحة.
لكن واضح إن الراحة عمرها ما بتكمل.
استقبلني بنفسه عند الباب وقال وهو بيقفل التليفون
القضية مش مجرد شكوى زوجية يا حاج...
بصيت له
قول.
سحب ملف من على المكتب، وحطه قدامي.
كريم مش أول مرة يحصل معاه بلاغات من النوع ده.
رفعت عيني بسرعة
يعني إيه؟
فتح الصفحة الأولى.
كان في اسم تاني.
امرأة تانية.
نفس الاسم نفس الأسلوب في الشكوى لكن كل مرة كانت بتسحب بلاغها قبل ما يكمل التحقيق.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كل مرة كان بيضغط عليهم لحد ما يتنازلوا.
سكت لحظة، وبعدين كمل
بس المرة دي مختلفة لأن بنتك ما سكتتش.
قلبت الصفحة بسرعة.
لقيت ملاحظة مكتوبة بخط صغير
المتهم له علاقات نافذة داخل دائرة معارف محامين غير رسميين ويتم استخدام تهديد معنوي لإغلاق البلاغات.
بصيت له
يعني كان بيطلع منها دايمًا؟
هز راسه
لحد ما وقعت بنتك في إيده.
ساعتها حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف زوجي.
لكن في حاجة لفتت نظري في الملف
اسم شاهد.
شاهد قديم.
واحد من الجيران.
المفروض إنه مشافش حاجة.
لكن مكتوب جنبه ملاحظة بخط مختلف
الشاهد طلب يتراجع عن أقواله بعد زيارة مجهولة.
بصيت للمدير
مين زاره؟
هز كتافه
مش معروف بس اللي زاره عرف يخليه يسكت.
سكتنا لحظة.
وبعدين قال
وفي حاجة أخطر
فتح ظرف تاني.
وطلع منه صورة مطبوعة من كاميرا مراقبة.
لبيت قريب من بيت إيمان.
في الصورة
كريم واقف قدام عربية سودا.
وبيتكلم مع شخص تاني.
مش واضح وشه.
لكن واضح حاجة واحدة
اللقاء ماكانش صدفة.
مديري قال بصوت منخفض
الراجل ده مش بيتصرف لوحده.
في اللحظة دي، الموبايل رن.
رقم إيمان.
رديت بسرعة.
صوتها كان مهزوز
بابا في حد برا البيت.
قلبي وقع.
ما تفتحيش الباب.
لكن قبل ما أكمل الجملة
سمعت صوت خبط قوي على الخط.
وبعدها
صوت تكسير زجاج خفيف من الناحية التانية.
وبعدها الخط قطع وقفت مكاني لحظة كأن الأرض سحبتها من تحتي.
إيمان! صرخت في الموبايل كأنها ممكن ترد.
لكن الخط كان مات.
المدير قام من مكانه بسرعة
هنتحرك فورًا.
من غير ما نكمل كلام، خرجنا بالعربية في اتجاه البيت.
الطريق اللي قبل كده كان طويل بقى مستحيل.
كل إشارة مرور