مش انا بقلم نورهان العشري
كانت مها كاتباها من أسبوع... قبل ما ترجع بيتها.
مها اتوترت وقالت بسرعة
بابا... ملهاش لازمة دلوقتي.
لكن أبوها قال بحزم
لأ... ليها لازمة.
أخد حسن الورقة وبدأ يقرا.
كان مكتوب فيها
لو نهى وافقت تكلم حسن يمكن يقتنع ويرجعني... وأنا هفضل مدينة لها طول عمري.
وقف يقلب الصفحة...
ولقى تكملة بخط إيد مها
أنا عارفة إن فهد ممكن يزعل لو عرف، بس نهى قلبها طيب وهتوافق مهما حذرتها... ربنا يستر وما يحصلهاش مشاكل بسببي.
رفع حسن عينه ببطء وبص لمها.
إنتِ كنتِ عارفة إن نهى ممكن تخسر بيتها؟
مها دموعها نزلت، لكنها معرفتش ترد.
أبوها قال بقهر
الرسالة دي لقيتها في أوضتها وهي عندنا. كانت ناوية تديها لنهى لو رفضت تساعدها.
حسن قفل الورقة وهو ساكت.
الهدوء اللي في وشه كان مخيف.
قال بصوت واطي
ولما نهى اتصلت بيكي تستنجد بيكي... رفضتي تشهدي بالحقيقة؟
مها بدأت تعيط
أنا... أنا خفت أخسر بيتي تاني.
رد حسن وهو بيبصلها بصدمة
فأنقذتي نفسك... وسيبتي صاحبتك تغرق.
في نفس اللحظة...
كان فهد قاعد في بيت أهله بعد ما خرج من شقته، ولسه كلمات حسن بترن في ودنه.
وفجأة رن تليفونه مرة تانية.
بص للشاشة...
رقم غريب.
تردد ثواني... وبعدين رد.
جاله صوت راجل كبير بيقول
السلام عليكم... أنا والد مها. لازم أقابلك النهارده ضروري، لأن في حاجة لو عرفتها... ممكن تغير كل اللي حصل.
تجمد فهد مكانه، وسكت من غير ما ينطق حرف...فضل فهد ساكت ثواني، ماسك التليفون بإيده، وعقله بيجري في ألف اتجاه.
قال أخيرًا بصوت هادي لكنه حذر
خير يا حاج؟
رد والد مها
مش هينفع أقول في التليفون. أنا راجل كبير ومش هتحرك من بيتي إلا لو الموضوع يستاهل... وتعالى لوحدك، لأن اللي هقوله يخص مراتك.
فهد اتنهد وقال
أنا جاي.
...
بعد أقل من ساعة، كانت عربية فهد واقفة قدام بيت والد مها.
نزل منها بخطوات ثابتة، لكن قلبه كان مليان صراع.
فتحله والد مها الباب بنفسه، ورحب بيه في هدوء، وقعدوا في الصالة.
حط قدامه كوب شاي، لكن ولا واحد فيهم مد إيده عليه.
قطع والد مها الصمت وقال
أنا مش جاي أدافع عن بنتي... بالعكس، أنا جاي أقول الحق.
رفع درج صغير من الكومود، وطلع منه ظرف أبيض.
مده لفهد.
اتفضل... اقرا.
فتح فهد الظرف، ولقى جواه الورقة اللي كتبها مها قبل ما ترجع بيتها.
قرأ أول سطر... ثم التاني...
ومع كل كلمة، ملامحه كانت بتتغير.
خلص القراءة، وقفل الورقة ببطء.
رفع عينه ناحية والد مها وقال
يعني... نهى كانت فعلاً بتساعدها؟
هز الراجل رأسه بحزن.
وأكتر من كده كمان. بنتي فضلت تترجاها بالساعات، ونهى كانت رافضة في الأول خوفًا منك، لكن بنتي لعبت على طيبة قلبها.
فضل فهد ساكت.
والد مها كمل
أنا مش ببرر اللي عملته نهى. كان المفروض تبلغك أو ترفض. لكن اللي حصل منها كان بدافع إنها تصلح بين اتنين... مش بدافع إنها تخونك.
قبض فهد على الورقة بقوة.
أول مرة من أسبوع يحس إن الصورة اللي في دماغه مش كاملة.
في نفس اللحظة...
كانت نهى قاعدة في أوضتها عند أهلها، وبتبص لصور بناتها على الموبايل وهي بتمسح دموعها.
سمعت خبط خفيف على الباب.
دخل أبوها.
قعد جنبها من غير ما يتكلم.
بعد شوية قال
لسه بتحبيه؟
شهقت وهي بتحاول تمنع دموعها.
ده روحي يا بابا... والله ما كنت أقصد أكسره.
ربت على كتفها وقال
عارف.
استغربت وبصتله بسرعة.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
أنا زعلان منك... لكني مصدق إن نيتك مكانتش وحشة.
قبل ما تلحق ترد...
رن جرس البيت.
قام أبوها يفتح.
وبعد لحظات...
رجع وملامحه متغيرة.
نهى قامت بخوف وقالت
مين يا بابا؟
بصلها وقال بهدوء
اللي برة... فهد.
واتجمدت نهى مكانها، وقلبها بدأ يدق بعنف، وهي مش عارفة... هل جه عشان يسمعها لأول مرة، ولا جه عشان ينهي كل حاجة؟ساد صمت ثقيل في الأوضة.
نهى كانت واقفة مكانها، قلبها بيدق بعنف أول ما سمعت اسم مها.
أما فهد، فكان ماسك الموبايل بثبات، وعينه على نهى.
جاء صوت مها متردد
ألو... فهد؟
أيوة.
سكتت لحظة، كأنها بتجمع شجاعتها، ثم قالت
أنا... أنا عارفة إنك مستغرب إني بكلمك.
رد ببرود
ادخلي في الموضوع.
اتنهدت مها وقالت
أنا ظلمت نهى.
نهى غمضت عينيها، والدموع نزلت من غير ما تحس.
مها كملت وهي بتعيط
هي كانت رافضة تكلّم حسن من الأول، وكانت كل شوية تقوللي إن ده غلط وإن جوزها هيزعل. وأنا فضلت أضغط عليها وأترجاها... لحد ما وافقت.
فهد ما ردش.
مها قالت بصوت مكسور
ولما نهى اتصلت بيا تستغيث... خفت. خفت أخسر بيتي تاني، واخترت مصلحتي. سيبتها تواجه مصيرها لوحدها... وأنا السبب.
نهى سابت نفسها وقعدت على الكرسي من شدة التأثر.
لكن فهد سأل سؤال واحد
ليه بتقولي الكلام ده دلوقتي؟
سكتت مها ثواني.
ثم قالت
لأن حسن عرف كل حاجة، وأبويا عرف، وكلهم بصوا لي باحتقار. لأول مرة حسيت يعني إيه الواحد يبيع أقرب الناس ليه عشان ينقذ نفسه.
أخذت نفسًا طويلًا ثم أضافت
أنا مش بطلب منك تسامحني... بس متعاقبش نهى بذنب أكبر من ذنبها. هي غلطت... بس نيتها كانت صافية.
انتهت المكالمة بعد كلمات قليلة، وساد الصمت مرة أخرى.
فهد قفل الهاتف ببطء، ووضعه على الطاولة.
نهى رفعت عينيها إليه، لكنها لم تستطع قراءة ما يدور في داخله.
اقترب منها خطوة، وقال بهدوء
في حاجة واحدة لسه ناقصة.
شهقت نهى وقالت بسرعة
أي حاجة... قول وأنا أعملها.
هز رأسه وقال
مش دلوقتي.
ثم نظر إلى والدها الذي كان يقف عند باب الصالة يراقب في صمت، وقال
يا حاج... ممكن آخد نهى معايا كام ساعة؟ لازم في كلام بيني وبينها... بعيد عن أي حد.
نظر الأب إلى ابنته، ثم إلى فهد، ولم يجب مباشرة.
وفي تلك اللحظة، سُمع صوت سيارة تقف أمام البيت، تلاها طرقات سريعة وقوية على الباب، وصوت رجل يقول من الخارج
يا حاج... افتح بسرعة، في موضوع لازم يتقال حالًا قبل ما أي قرار يتاخد!
تبادل الجميع النظرات في دهشة، ولم يكن أي منهم يتوقع هوية الشخص الذي يقف خلف الباب نهى حسّت إن نفسها اتقطع.
قامت بسرعة، لكن رجليها خانتها، فاستندت على طرف السرير وهي بتبص لباب الأوضة.
برا...
كان فهد واقف في الصالة، ملامحه هادية بشكل غريب، لا فيها غضب ولا لين. الهدوء ده كان مخوف أكتر من أي انفعال.
أم نهى خرجت من المطبخ أول ما شافته، وقالت بحدة
جاي ليه؟ مش إنت اللي سيبت بنتي ومشيت؟
فهد رد باحترام
أنا جاي أتكلم مع نهى... لو تسمحي.
أبو نهى رفع إيده ناحية مراته وقال
سيبيه... اللي بينهم لازم هما اللي يحلوه.
نهى خرجت من أوضتها ببطء، أول ما عينيها وقعت على فهد، دموعها نزلت من غير ما تتكلم.
فضلوا يبصوا لبعض كام ثانية، ولا واحد فيهم نطق.
أخيرًا فهد قال
ممكن نتكلم لوحدنا؟
بصله أبوها، وبعد لحظة تردد، هز رأسه وخرج هو والأم وسارة للبلكونة.
أول ما الباب اتقفل...
نهى جريت عليه وهي بتبكي.
لكنها وقفت قبل ما توصل بخطوة، كأنها خايفة يبعدها تاني.
قالت بصوت مكسور
والله العظيم يا فهد...
رفع إيده بهدوء.
استني... المرة دي أنا اللي هتكلم.
سكتت فورًا.
طلع الورقة من جيب قميصه، وحطها قدامها.
أول ما شافتها، عرفت إنها بخط إيد مها.
وشها شحب.
قال فهد
عرفت الحقيقة.
شهقت نهى، وحطت إيديها على بقها.
مين... مين قالك؟
مش مهم مين. المهم إني عرفت إنك مكنتيش بتكلمي حسن عشان نفسك.
انهمرت دموعها وهي بتقول
أنا كنت خايفة أخسرك... وفي نفس الوقت مقدرتش أسيبها وهي بالحالة دي.
فهد نزل عينه للأرض.
بس برضه عملتي حاجة كنتِ عارفة إنها بالنسبة لي خط أحمر.
هزت رأسها بسرعة.
عارفة... وعقابي إني خسرتك أسبوع كامل. كل دقيقة بعيد عنك كانت كأنها سنة.
سكت فهد، وكأنه بيصارع حاجة جواه.
ثم قال
أنا كمان مكنتش مرتاح.
نهى رفعت عينيها بسرعة.
أول مرة من أسبوع تسمع منه اعتراف بالشكل ده.
كمل بصوت منخفض
البيت من غيرك كان فاضي... والبنات كل شوية يسألوا ماما فين؟
دموع نهى زادت، لكنها ما اتكلمتش.
وفجأة...
رن تليفون فهد.
بص للشاشة.
الاسم اللي ظهر خلا ملامحه تتغير.
كان المتصل... مها.
بص لنهى، ثم رجع بص للتليفون.
المكالمة فضلت ترن... ترن...
وفي النهاية، مد إيده وضغط على زر الرد، وحط الهاتف على مكبر الصوت، وهو يقول بهدوء
اتفضلي يا مها... أنا سامعك نهى جريت عليه من غير ما تفكر، ونسيت كل الزعل والخلاف.
مسكت دراعه وهي بتصرخ
فهد! رد عليا... مالك؟