مش انا بقلم نورهان العشري

لمحة نيوز


فتح عينه بصعوبة وقال وهو بياخد نفسه
مفيش... مجرد دوخة.
لكن وشه كان شاحب بشكل خوّف الكل.
أبو نهى قرب بسرعة وسنده يقعد على الكنبة، وأم نهى جريت جابتله كوباية مية.
بعد شوية، بدأ لونه يرجع طبيعي.
قال بهدوء
أنا كويس... متقلقوش.
نهى كانت واقفة قدامه، دموعها مغرقة وشها، ولسه ماسكة إيده من غير ما تاخد بالها.
بصلها فهد للحظة...
ولأول مرة من أسبوع، ما سحبش إيده منها.
اللحظة دي عدت في صمت، لكن كان فيها كلام أكتر من ألف جملة.
قطع الصمت صوت حسن وهو بيقول
أنا أظن دوري خلص.
لف ناحية فهد وأضاف
أنا جيت عشان ضميري، ومش عايز يبقى في يوم الراجل ده يفتكر إن مراته خانته، وهي معملتش كده.
فهد هز راسه باحترام.
شكرًا.
خرج حسن، وبعده بدقائق، خرج أبو نهى وأمها وسارة للصالة بحجة إنهم يسيبوهم يتكلموا براحتهم.
بقى فهد ونهى لوحدهم.
نهى كانت أول واحدة كسرت السكوت.
أنا كل يوم كنت بدعي ربنا إنه يجمعني بيك تاني، حتى لو هتفضل زعلان مني العمر كله.
فهد بص قدامه وقال
تعرفي أنا أكتر حاجة وجعتني إيه؟
هزت راسها بالنفي.
إني كنت فاكر إن بيني وبينك اتفاق... وإن أي حاجة كبيرة تحصل، هعرفها منك الأول.
نزلت نهى رأسها.
معاك حق.
لو كنتِ جيتي قولتيلي يا فهد، صاحبتي بتموت وعايزاني أكلم جوزها... كنتِ على الأقل اديتِني فرصة أقول رأيي.
شهقت وهي بتعيط.
أنا خفت ترفض... وخفت مها تضيع.
رد بهدوء
وللأسف... ضيعتي نفسك.
الكلمة كانت قاسية، لكنها كانت الحقيقة.
نهى مسحت دموعها وقالت
أنا مش هبرر غلطي... لكن أوعدك، لو رجع بيا الزمن ألف مرة، عمري ما هكرر اللي عملته.
فهد كان لسه هيجاوب...
لكن تليفون نهى رن.
بصت للشاشة، واتجمدت.
الاسم اللي ظهر كان...
مها.
بصت لفهد بتردد، وقالت
أرد؟
فهد قال بهدوء
ردي... يمكن لسه عندها حاجة متقالتش.
نهى ضغطت زر الرد، لكن أول ما حطت الموبايل على ودنها، سمعت صوت مها وهي بتبكي بانهيار
الحقيني يا نهى... حسن ساب البيت بعد اللي حصل، وكتبلي رسالة... ومش عارفة هو راح فين!اتجه أبو نهى ناحية الباب وهو مستغرب.
أول ما فتح...
اتفاجئ بحسن واقف قدامه، ووشه مرهق كأنه ما نامش من يومين.
قال باحترام
السلام عليكم يا حاج... آسف إني جيت من غير ميعاد، بس لازم أقابل فهد.
رد الأب باستغراب
اتفضل.
دخل حسن، وأول ما عينه وقعت على فهد، وقف قدامه مباشرة وقال
أنا جيت أكمل حاجة كنت بدأت أقولها.
فهد عقد دراعيه وقال بهدوء
اتفضل.
بص حسن لنهى، كانت منزلّة رأسها من الكسوف، فقال
أقسم بالله العظيم... لو مدام نهى كانت قالتلي كلمة واحدة برا موضوعي أنا ومها، كنت قفلت السكة في وشها.
سكت لحظة، ثم أكمل
المكالمة كلها مدتها ما كملتش دقايق، وكانت كلها عن بيتي. ولما حسيت إن جوزها دخل البيت، هي اللي ارتبكت وسكتت، وأنا فضلت أنادي عليها وهي قفلت.
نهى بدأت تبكي من جديد.
لكن حسن لم ينتهِ.
أخرج موبايله وقال
أنا عارف إن الكلام ساعات مبيكفيش... عشان كده احتفظت بحاجة.
فتح تسجيلًا صوتيًا.
قال
أنا بسجل مكالماتي الخاصة بالشغل تلقائي، والمكالمة دي كانت من ضمنهم.
اتسعت عينا فهد.
ونهى رفعت رأسها فجأة.
ضغط حسن على زر التشغيل...
وانطلق صوت نهى واضحًا
أنا بكلمك بس عشان خاطر بيتك يا أستاذ حسن... وبعد المكالمة دي اعتبر رقمي يتمسح من عندك.
ثم جاء صوتها مرة أخرى
والله لو جوزي عرف إني بكلمك هيزعل جدًا... فخلينا ننهي الكلام بسرعة.
ساد الصمت في المكان.
كل الموجودين سمعوا الكلمات بنفسهم.
أم نهى حطت إيدها على قلبها وهي بتقول
يا ساتر يا رب...
أما فهد...
فأغمض عينيه للحظات، وكأن حملًا ثقيلًا كان فوق صدره وبدأ يخف.
لكنه فتح عينيه وقال لحسن
التسجيل ده يثبت إنها مكانش قصدها حاجة وحشة...
ثم التفت ناحية نهى وأكمل
...لكن ميغيرش إنها خالفت اتفاق واضح بيني وبينها.
نهى هزت رأسها وهي بتمسح دموعها.
معاك حق... وأنا مستعدة أتحمل نتيجة غلطي.
نظر إليها فهد طويلًا...
ثم قال
بس قبل ما أي حد يتكلم عن رجوع أو فراق...
وسكت فجأة.
في نفس اللحظة، وضع فهد يده على حافة الترابيزة ليستند عليها، وظهر على وجهه ألم مفاجئ، وكأنه شعر بدوار شديد.
انتفضت نهى من مكانها وهي تصرخ
فهد... مالك؟!
لكن فهد لم يرد، واكتفى بإغلاق عينيه للحظة، بينما أسرع الجميع نحوه في حالة من الذعر، دون أن يعرف أحد ماذا أصابه نهى اتصدمت، وبصت لفهد في ارتباك.
قالت بسرعة
إهدي يا مها... إيه اللي حصل؟ حسن خرج ليه؟
كان صوت مها متقطع من العياط
رجع من عندكم ساكت خالص... دخل أوضته، كتب ورقة، وحطها على الترابيزة، وخرج من غير ما يقول رايح فين.
نهى شهقت.
طيب الورقة مكتوب فيها إيه؟
سمعوا صوت ورق بيتفتح، وبعدها بدأت مها تقرأ وهي بتبكي
أنا محتاج أبعد كام ساعة عشان أراجع نفسي. اللي حصل خلاني أفكر في حاجات كتير، ومش عايز أظلم حد وأنا غضبان. متدورشوا عليا، ولما أهدى هرجع.
تنفست نهى الصعداء وقالت
الحمد لله... هو بنفسه كاتب إنه هيرجع.
لكن مها فضلت تعيط.
أنا السبب يا نهى... أنا خسرت ثقة أقرب اتنين ليا.
نهى سكتت لحظة، ثم قالت بهدوء رغم وجعها
ربنا يطمن قلبك... اقفلي دلوقتي، واستني يرجع، ولما يرجع اتكلمي معاه بصراحة، ومتحاوليش تخبي حاجة تاني.
قفلت المكالمة.
الأوضة رجعت هادية.
فهد كان باصص لنهى باستغراب.
قال
بعد كل اللي عملته فيكي... لسه بتطمنيها؟
نهى مسحت دموعها وقالت
مش بطمنها عشان تستاهل... بطمنها عشان معرفش أشوف حد في ضيقة وأسكت. يمكن دي كانت غلطتي من الأول... إني حطيت عاطفتي قبل عقلي.
الكلام لمس فهد.
لكنه فضل ساكت.
في نفس اللحظة، دخل أبو نهى الصالة وهو ماسك ظرف صغير.
قال
يا نهى... ده كان مع فهد يوم ما جابك هنا.
استغربت وبصت لفهد.
إيه ده؟
فهد تنهد وقال
كنت ناوي أديهولك أول يوم... لكن مقدرتش.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان جواه سلسلة دهب صغيرة، ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط فهد
كنت مستني أعرف نوع البيبي عشان أجيب الهدية المناسبة، بس مقدرتش أستنى. سواء ولد أو بنت، أهم حاجة تيجي بالسلامة، وأهم حاجة تفضل أمها مبسوطة.
أول ما خلصت قراءة الورقة، انفجرت في البكاء.
رفعت عينيها لفهد، لكنها ملقتش فيه الغضب اللي كان قبل أسبوع...
ولا لقت كمان قرار الرجوع.
كان لسه واقف في منتصف الطريق، بين قلبه اللي بدأ يلين... وبين الثقة اللي انكسرت، ولسه محتاجة وقت عشان ترجع بعد ما نهى قرأت الورقة، هي بتبكي بحرقة.
بصت لفهد وقالت بصوت مكسور
أنا مش بطلب منك تنسى اللي حصل... أنا بطلب منك تديني فرصة أصلح الغلط اللي عملته. لو فقدت ثقتك، هقضي عمري كله أحاول أرجعها.
فضل فهد ساكت، وبعدين بص لأبوها وقال
يا حاج... ممكن آخد مراتي وبناتي ونرجع بيتنا؟
نهى رفعت رأسها بسرعة، مش مصدقة اللي سمعته.
ابتسم فهد ابتسامة خفيفة وقال
أنا سامحت... لكن الثقة هترجع بالأيام، مش بالكلام. إحنا هنبدأ من جديد، بس على أساس الصراحة. مفيش حاجة بعد كده هتتعمل من غير ما نعرفها لبعض.
نهى هزت رأسها وهي بتعيط
أوعدك... والله أوعدك.
أبوها ابتسم لأول مرة من أسبوع وقال
البيت اللي يتبني على الحب والاحترام، يقع مرة... لكن يقدر يقوم تاني لما الطرفين يتمسكوا ببعض.
رجعوا بيتهم.
أول ما دخلوا، البنات جروا على أمهم ، والبيت اللي كان ساكت رجع فيه صوت الضحك من جديد.
أما مها...
بعد أيام، راحت لنهى وهي مكسوفة، وحاولت تعتذر.
لكن نهى قالت لها بهدوء
أنا مسامحاكي لوجه الله... لكن صداقتنا انتهت. اللي يبيع صاحبه وقت الشدة، صعب أأمنله تاني.
خرجت مها وهي عارفة إنها خسرت أعز إنسانة في حياتها.
أما حسن، فقرر يفتح صفحة جديدة مع زوجته، لكن بعد ما وضع حدودًا واضحة، وأبلغها أن أي كذبة أو إخفاء للحقيقة مرة أخرى ستكون نهاية زواجهما.
مرت الشهور...
ورزق الله نهى وفهد بمولود جميل، وفي يوم خروجه من المستشفى، أمسك فهد يد زوجته وقال أمام العائلتين
أنا اتعلمت إن حسن النية وحده مش كفاية، ولا الغيرة وحدها تنفع. الجواز بيعيش بالثقة، والثقة بتعيش بالصراحة.
ابتسمت نهى وسط دموع الفرح، وردت
وأنا اتعلمت إن اللي عايز يصلح بين الناس، لازم الأول يحافظ على بيته، لأن أقرب الناس ليه أولى بحرصه.
وانتهت الأزمة التي كادت تهدم بيتًا مليئًا بالحب، وعاشا معًا أكثر نضجًا، بعدما أدرك كل واحد منهما قيمة الآخر، وأن الحوار الصادق في الوقت المناسب كان كفيلًا بأن يمنع كل ذلك الألم. تمت.

تم نسخ الرابط