كنت عايش سعيد بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

جنبي بتفرجني على فستان جديد عايزة تشتريه عشان السفرية الجاية، وبستخسار رهيب في ولادي وكرم غير محدود معاها، طلعت الفيزا وقلت لها اطلبي اللي أنتِ عايزاه يا حبيبتي، مفيش حاجة تغلى عليكي. كنت فاكر إني بكدة اشتريت دماغي وراحتها، ومكنتش أعرف إن اللي بيبيع لحمه ودمه، الدنيا مابتسميش عليه..
الكاتبه_امانى_سيد 
كان كل شيء ماشي زي ما أنا مخطط... أو على الأقل كنت فاكر كده.
لحد ما في صباح يوم الاتنين، دخلت الشركة لقيت الجو مختلف.
الناس واقفة في مجموعات صغيرة بتتكلم بصوت واطي، وأول ما يشوفوني يسكتوا.
استغربت... لكن قلت يمكن في إشاعة أو مشكلة في الإدارة.
دخلت مكتبي، لقيت فاتن قاعدة على مكتبها، لكن لأول مرة من يوم عرفتها... لا قامت تستقبلني، ولا ابتسمت.
كانت ماسكة موبايلها، وبصتلي مجرد بصّة سريعة وقالت ببرود صباح الخير.
اتضايقت من طريقتها، لكن قلت يمكن مضايقة.
قبل ما أسألها، التليفون الداخلي رن.
سكرتير رئيس مجلس الإدارة قال البشمهندس طالب حضرتك حالاً.
ابتسمت بثقة.
أكيد مشروع جديد... أو ترقية أكبر.
دخلت مكتب رئيس مجلس الإدارة، لقيت كل أعضاء المجلس قاعدين، وملامحهم جامدة بشكل غريب.
قعدت وأنا مستغرب.
رئيس المجلس قال إحنا مقدرين كل اللي عملته للشركة السنين اللي فاتت... لكن عندنا مشكلة كبيرة.
استغربت وسألته خير؟
فتح ملف قدامه، وقال المشروع الأخير اللي وافقنا عليه بتوصيتك... خسر الشركة مبلغ ضخم.
ابتسمت بثقة وقلت أي مشروع كبير بيحتاج وقت، والخسارة دي طبيعية.
رد بهدوء دي مش خسارة طبيعية... دي بداية سلسلة خسائر.
وسحب ورقة تانية.
وعندنا تقرير من المراجعة المالية بيقول إن في مصروفات اتعملت باسم الشركة، وفيها مخالفات محتاجة تفسير.
قلبي دق بسرعة.
قلت حضراتكم تقصدوا إيه؟
قال رحلات... فنادق... مصاريف ضيافة... كلها متسجلة تحت بند مقابلات عمل.
بدأ العرق ينزل من جبيني.
أنا فعلاً كنت أخلط أوقات بين سفريات الشغل وسفريات فاتن... وكنت مقتنع إن محدش هيراجع التفاصيل.
رئيس المجلس قفل الملف وقال لحد ما التحقيق يخلص... هتسلم كل صلاحياتك، وهتكون في إجازة إجبارية.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
خرجت من المكتب وأنا مش شايف قدامي.
أول حاجة فكرت فيها... فاتن.
أكيد هتقف جنبي.
دخلت مكتبي بسرعة، لقيتها بتجمع شنطتها.
قلت باستغراب إنتِ رايحة فين؟
قالت من غير ما تبصلي خلصت شغلي النهارده.
قلت أنا محتاجك... في مشكلة كبيرة.
رفعت عينها لأول مرة، لكن الغريب إن مكنش فيها أي خوف.
بالعكس...
كان فيها هدوء غريب.
وقالت كلمة واحدة خلت قلبي يقف لحظة
وأنا مالي؟
وقبل ما أستوعب ردها...
رن موبايلها.
بصت للشاشة... وابتسمت ابتسامة خفيفة.
قفلت المكالمة بسرعة، لكني لمحت اسم المتصل...
اسم شخص من داخل مجلس إدارة الشركة...!وقفت مكاني وأنا حاسس إن الدم اتجمد في عروقي.
حاولت أقنع نفسي إني يمكن اتوهمت.
لكن الفضول قتلني.
قلت لها وأنا بحاول أبان هادي مين اللي كان بيتصل؟
بصتلي باستغراب وقالت واحد من الشغل... في حاجة؟
قلت بسرعة مين يعني؟
ابتسمت ابتسامة باردة وقالت هو لازم أقولك كل حد بيكلمني؟
كانت أول مرة ترد عليا بالطريقة دي.
أنا اللي كنت متعود إنها تستناني كل يوم بابتسامة، بقيت حاسس إنها بتكلمني كأني واحد غريب.
رجعت البيت وأنا دماغي هتنفجر.
فضلت طول الليل أقنع نفسي إن دي مجرد ضغوط شغل، وإنها أكيد متوترة عشاني.
تاني يوم صحيت بدري، واتصلت بيها.
مرة...
واتنين...
وثلاثة...
مفيش رد.
بعد ساعة بعتلها رسالة محتاج أشوفك.
ردت بعد وقت طويل بكلمتين بس
مشغولة.
الكلمتين دول وجعوني أكتر من أي خناقة.
أنا اللي كنت بسيب أي اجتماع عشانها، بقت مشغولة عني!
فضلت التحقيقات في الشركة شغالة أسبوع كامل.
كل يوم يطلبوا مني أوراق، وفواتير، وتوقيعات.
ولأول مرة في حياتي حسيت إن الكرسي اللي كنت فاكره ثابت... ممكن يضيع في لحظة.
بعد أسبوع، وصلني قرار رسمي.
تم إعفائي مؤقتًا من منصبي لحين انتهاء التحقيق.
ومع القرار...
اتوقفت العمولات.
واتجمد جزء كبير من مستحقاتي.
رجعت البيت وأنا مكسور.
دخلت لقيت فاتن قاعدة على الكنبة، ماسكة اللاب توب.
ابتسمت أول ما شافتني.
افتكرت إنها أخيرًا هتواسيني.
قعدت جنبها وقلت الدنيا اتشقلبت معايا.
قالت بهدوء عرفت.
استغربت.
عرفتي منين؟
قالت الخبر وصل الشركة كلها.
سكت شوية، وبعدين قلت الفترة الجاية هنشد الحزام شوية... لحد ما الأزمة تعدي.
أول ما خلصت الجملة...
قفلت اللاب توب ببطء.
وبصتلي بنظرة عمري ما شوفتها منها قبل كده.
وقالت
يعني إيه هنشد الحزام؟
قلت يعني نقلل سفر شوية... ونأجل تغيير العربية... والمصاريف الكبيرة.
ضحكت ضحكة قصيرة.
لكنها مكنتش ضحكة فرح...
كانت ضحكة سخرية.
وقالت
أنا متجوزتش راجل يقولي نقلل.
اتصدمت.
قلت دي فترة مؤقتة.
ردت بسرعة وأنا مليش دعوة بالفترات المؤقتة.
قامت من مكانها، ومشت ناحية غرفة النوم.
وبعد أقل من عشر دقائق...
خرجت وهي ماسكة ملف كبير.
حطته قدامي على الترابيزة.
ولما فتحته...
لقيت أقساط الشقة...
وقسط العربية الجديدة...
وفواتير بطاقات الائتمان...
وشيكات كنت ماضي عليها من غير حتى ما أراجعها، عشان أنفذ كل طلباتها.
رفعت بصري ليها وأنا حاسس إن نفسي بيتقطع.
قالت بمنتهى البرود
كل ده مستحق خلال الشهر الجاي... وأنا متعودة على مستوى معين... ومش هتنازل عنه مهما حصل.
وقبل ما أتكلم...
رن جرس الباب.
ولما فتحت...
لقيت محضر المحكمة واقف قدامي...
ومد إيده بورقة رسمية، وقال
حضرتك مطلوب للحضور في أول جلسة... بخصوص دعوى نفقة مرفوعة من طليقتك عن الأولاد وقفت ماسك الورقة وإيدي بترتعش.
أول مرة من يوم طلقت مراتي أحس إن الماضي رجع يوقف قدامي بالشكل ده.
قفلت الباب ببطء، ولفيت لقيت فاتن واقفة مستنياني.
قالت ببرود خير؟
ناولتها الورقة.
بصت فيها ثواني، ورمتها على الترابيزة وقالت روح احضر الجلسة وخلاص.
استغربت من ردها.
قلت دي طالبة نفقة كبيرة.
قالت وهي بتبص في موبايلها وأنا مالي؟ أنت أبوهم.
الكلمة دي خبطتني.
أنا اللي كنت فاكر إنها هتقف معايا، لقيتها شايفة إن دي مشكلتي لوحدي.
بدأت أحاول أوفر فلوس.
وقفت السفر.
بعت الساعة الغالية اللي كنت جايبها لنفسي.
حتى العربية الرياضية عرضتها للبيع.
لكن الديون كانت أكبر بكتير.
وفي الشركة، التحقيقات لسه شغالة، ومحدش عارف هترجع منصبي ولا لأ.
وفي يوم، وأنا قاعد في البيت مهموم، فاتن دخلت عليا وقالت
لازم أغير العربية.
بصيتلها بدهشة.
قلت دلوقتي؟
قالت بثقة العربية دي بقالها سنة معايا.
قلت وأنا بحاول أتمالك أعصابي إحنا علينا أقساط وديون.
قالت ببرود دي مشكلتك.
سكت لحظة.
ولأول مرة من يوم عرفتها، حسيت إني تعبت.
قلت استحملي معايا الفترة دي.
ردت وهي بتقوم أنا استحملت بما فيه الكفاية.
وفي اليوم التاني، نزلت أحاول أخلص شوية أوراق في البنك.
الموظف راجع الحساب، وبصلي باستغراب وقال
حضرتك... الرصيد المتاح أقل بكتير من المتوقع.
قلت إزاي؟
بدأ يطبع كشف حساب.
وقعدت أقلب الصفحات.
كل صفحة كانت فيها عمليات شراء بمبالغ ضخمة...
محلات مجوهرات...
بوتيكات ملابس...
منتجعات...
وأرقام خيالية اتسحبت في أيام قليلة.
افتكرت إني كنت مدي فاتن بطاقة إضافية من حسابي.
كنت بقول لنفسي زمان هي مراتي... من حقها.
دلوقتي بقيت ببص للأرقام وحاسس إن كل جنيه كنت بكسبه بيتبخر قدامي.
قفلت كشف الحساب، وخرجت من البنك وأنا لأول مرة أحس بالخوف الحقيقي...
مش خوف من خسارة منصب...
ولا من قضية النفقة...
لكن خوف من إن كل اللي بنيته في سنين... ينهار في شهور قليلة.
وأنا خارج من البنك، رن موبايلي.
كان رقم غريب.
رديت.
جالي صوت هادئ قال
حضرتك الأستاذ...؟
قلت أيوه.
قال أنا المحاسب القانوني اللي كان ماسك حساباتك الشخصية قبل كده... وفي موضوع مهم جدًا لازم تعرفه قبل فوات الأوان.
اتجمدت في مكاني...
وقلت بقلق
موضوع إيه؟
رد بصوت منخفض
لو اتأخرت يومين كمان... ممكن تخسر الشقة نفسها حسيت إن قلبي وقع.
قلتله بسرعة إزاي أخسر الشقة؟ أنا دافع مقدم كبير!
قال المقدم اتدفع فعلًا... لكن باقي الأقساط عليه فوائد، وفي كذا قسط متأخر. ولو التأخير زاد، الشركة من حقها تبدأ الإجراءات القانونية حسب العقد.
قلت بانفعال بس أنا معايا فلوس... كان معايا!
رد بهدوء كان... لكن المصروفات آخر شهور كانت أكبر بكتير من دخلك بعد توقف العمولات.
قفلت المكالمة وأنا تايه.
رجعت البيت بسرعة، لقيت فاتن قاعدة قدام المراية، وعمالة تقيس طقم جديد.
قلت لها لازم نتكلم.
قالت من غير ما تبصلي اتفضل.
قلت إحنا لازم نوقف أي مصاريف دلوقتي. الشقة ممكن تضيع.
لفت ناحيتي وقالت باستغراب يعني إيه نوقف مصاريف؟
قلت يعني مفيش شراء هدوم الفترة دي، ولا تغيير موبايل، ولا سفر، لحد ما أعدي الأزمة.
تنهدت بضيق وقالت أنا اتعودت على مستوى معين.
قلت لأول مرة بصوت عالي وأنا اتعودت إن بيتي كان فيه راحة... لكن دلوقتي مفيش غير الديون!
سكتت ثواني، وبعدها قامت من غير كلمة ودخلت أوضة النوم وقفلت الباب.
عدى يوم كامل وهي مبتكلمنيش.
وفي اليوم اللي بعده، كنت قاعد أحاول أراجع أوراق القضية، لقيتها خارجة بشنطة سفر كبيرة.
سألتها باستغراب رايحة فين؟
قالت هقعد كام يوم عند أختي.
قلت في الوقت ده؟
ردت ببرود أه... محتاجة أغير جو.
حاولت أمنعها، لكنها سابتني ونزلت.
البيت لأول مرة بقى فاضي... وهادئ بشكل مخيف.
قعدت أبص حواليّا.
الأثاث الفخم...
النجف...
الديكورات...
كل حاجة كانت غالية جدًا.
لكن لأول مرة حسيت إنها مجرد حاجات... مفيهاش روح.
افتكرت بيتي القديم...
ريحة الأكل...
صوت ولادي...
وضحتهم وهم بيجروا أول ما أفتح الباب.
هزيت دماغي بسرعة، كأني بهرب من الذكريات.
وفجأة رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت مندوب شركة التقسيط.
سلمني إنذارًا رسميًا بضرورة سداد الأقساط المتأخرة خلال مدة محددة.
وقبل ما يمشي، قال جملة
تم نسخ الرابط