كنت عايش سعيد بقلم اماني سيد
المحتويات
فضلت ترن في ودني
يا أستاذ... أوقات الإنسان بيفتكر إنه اشترى السعادة... ويكتشف إنه اشترى حملًا أكبر من طاقته.
قفلت الباب، وبصيت للإنذار في إيدي.
وفي نفس اللحظة...
وصلتني رسالة على الموبايل من المحامي.
كتب فيها
جلسة النفقة اتقدمت، والقاضي طلب حضورك شخصيًا المرة الجاية... لأن في مستندات جديدة اتقدمت للمحكمة.
وقفت مكاني وأنا بسأل نفسي
يا ترى... إيه المستندات دي؟فتحت الرسالة أكتر من مرة، يمكن أكون فهمتها غلط.
لكن المكتوب كان واضح...
مستندات جديدة قد تؤثر على سير الدعوى.
قضيت الليلة كلها مش عارف أنام.
فضلت أسأل نفسي هي جابت إيه؟
هل كشوفات المدارس؟
ولا فواتير العلاج؟
ولا إثبات إني مببعتش مصاريف؟
يوم الجلسة جه.
دخلت المحكمة وأنا لابس بدلة كنت زمان بدخل بيها اجتماعات بملايين الجنيهات، لكن لأول مرة حسيت إنها مش مدياني أي هيبة.
دخلت القاعة...
ولأول مرة من شهور شفت طليقتي.
كانت واقفة بهدوء، ملامحها باين عليها التعب، لكن واقفة بثبات.
جنبها ولادي.
كبروا...
وحسيت إني معرفهمش.
ابني الصغير أول ما شافني، بصلي ثواني... وبعدها استخبى ورا أمه.
المنظر ده وجعني بطريقة معرفتهاش قبل كده.
بدأت الجلسة.
محامي طليقتي قدم ملف كبير.
القاضي فتحه، وبدأ يقلب فيه.
كان فيه كشوف مصروفات المدارس.
إيصالات علاج.
فواتير أكل.
وإنذارات رسمية كانت اتبعتلي عشان أدفع النفقة، وأنا مستلمها ومردتش.
وبعدين المحامي قال
يا فندم، المدعى عليه يعلن على مواقع التواصل حياة مليئة بالسفر والرفاهية، بينما امتنع عن الإنفاق على أولاده لأشهر.
في اللحظة دي...
اتعرضت صور.
صوري أنا وفاتن في الفنادق...
على الشواطئ...
وفي المطاعم.
الصور اللي كنت بنزلها بفخر...
بقت دلوقتي دليل ضدي.
بصيت في الأرض.
ومعرفتش أرفع عيني.
القاضي بصلي وقال
هل تنكر امتناعك عن الإنفاق على أولادك؟
فتحت بقي...
لكن مفيش كلمة طلعت.
كل الأعذار اللي كنت محضرها اختفت.
القاضي أجل القضية للنطق بالقرار بعد الاطلاع على باقي المستندات.
خرجت من المحكمة وأنا حاسس إن الدنيا بتضيق عليا.
أول حاجة فكرت فيها...
أروح البيت.
يمكن ألاقي فاتن رجعت.
لكن لما وصلت...
لقيت الشقة هادئة بشكل غريب.
دخلت أوضة النوم.
الدولاب مفتوح.
مكان هدومها... فاضي.
شنطها...
أحذيتها...
إكسسواراتها...
كلها اختفت.
على الكومود كان فيه ظرف أبيض صغير باسمي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه...قعدت ساعات أبص للسقف، والورقة اللي سابتها فاتن في إيدي.
كل حاجة كانت بترجع قدام عيني كأنها فيلم.
أول مرتب كبير...
أول هدية...
أول مرة كذبت فيها على نفسي وقلت دي تستاهل.
وأول مرة تجاهلت دموع مراتي.
فوقت من شرودي على رنة الموبايل.
كان البنك.
رديت.
الموظف قال باحترام بنفكرك إن آخر مهلة للسداد بعد 72 ساعة، وبعدها هتبدأ الإجراءات.
قلت بصوت مكسور حاضر... هحاول.
قفلت المكالمة وأنا عارف إني مش معايا المبلغ.
بدأت ألف على أي حد أعرفه.
اتصلت بزمايل قدام.
كل واحد كان عنده عذر.
واحد قال إنه مزنوق.
واحد قال إنه مسافر.
وفي ناس مردتش أصلًا.
افتكرت ساعتها إني أنا كمان، لما الدنيا كانت ضاحكة ليا، كنت بقفل بابي في وش ناس كتير.
جالي اتصال من سمسار عقارات.
قلت يمكن أخيرًا الشقة تتباع وأنقذ نفسي.
نزل قابلني، لف في الشقة كلها، وبعدين قال الشقة حلوة جدًا... بس عليها أقساط، والسوق واقف شوية. لو مستعجل هتبيع بخسارة كبيرة.
الخسارة كانت بالملايين.
لكن مكنش عندي اختيار.
قلتله اعرضها.
خرج، ولسه الباب مقفول، سمعت صوت عربية بتقف قدام العمارة.
بصيت من البلكونة.
لقيت فاتن نازلة من عربية أجرة.
فرحت.
قلت أكيد رجعت.
نزلت أجري فتحت الباب قبل ما تطلع.
طلعت السلم بهدوء، ولما شافتني قالت أنا جاية آخد باقي حاجتي.
الكلمة كانت زي السكين.
قلت يعني مش راجعة؟
قالت قلتلك... لما ظروفك تتحسن نبقى نتكلم.
قلت أنا محتاجك جنبي دلوقتي.
ردت ببرود وأنا محتاجة الأمان... مش المشاكل.
دخلت، ولمت آخر شنطتين ليها.
وقبل ما تمشي، بصت حوالين الشقة وقالت لو هتبيعها... بلغني عشان أعرف أجيب حاجتي اللي فاضلة.
ومشيت.
قفلت الباب وراها.
ولأول مرة...
حسيت إن الشقة دي، بكل فخامتها، بقت أفقر مكان في الدنيا.
وفي صباح اليوم التالي، وأنا بشرب قهوتي في صمت، رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت راجل في الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، ماسك ملف.
قال حضرتك الأستاذ...؟
قلت أيوه.
مدلي بطاقة وقال أنا مندوب من مكتب محاماة... وجاي أسلمك إخطار رسمي.
بصيت في الإخطار...
واتغير لون وشي.
لأنه كان دعوى جديدة... لكن المرة دي مش من طليقتي.
كانت الدعوى مرفوعة من فاتن نفسها فتحت الظرف بسرعة، وأنا قلبي بيدق بعنف.
كان فيه ورقة واحدة.
بخط فاتن.
قرأت أول سطر، واتجمدت مكاني.
لما اتجوزتك، كنت فاكرة إنك راجل يعرف يحافظ على المستوى اللي عايشني فيه.
بلعت ريقي، وكملت.
أنا مبحبش الفقر، ولا المشاكل، ولا المحاكم. وأنا من البداية قلتلك إني مش هتنازل عن الحياة اللي بستحقها.
كل كلمة كانت بتنزل على قلبي كأنها حجر.
واضح إن ظروفك اتغيرت، وأنا مش مستعدة أعيش عمرى أدفع تمن أخطاء غيري. لذلك، أنا سبتلك البيت، وهقعد عند أهلي لحد ما أشوف هتقدر ترجع زي الأول ولا لأ.
وقفت عند آخر جملة، لأنها كانت الأصعب
ولو مقدرتش... يبقى لكل حادث حديث.
طويت الورقة ببطء، وقعدت على الكنبة.
لأول مرة، الشقة الواسعة اللي كنت فخور بيها حسيتها سجن.
مفيش صوت.
مفيش ضحكة.
مفيش حد مستنيني.
رن موبايلي.
كان المحامي.
رديت بصوت مكسور.
قال في خبر مش كويس.
قلت إيه تاني؟
قال الشركة خلصت التحقيقات.
اتنفست بسرعة وقلت ورجعوني؟
سكت ثواني...
وبعدين قال
لا... صدر قرار بإنهاء خدمتك، وهتصرف مستحقاتك بعد خصم أي مبالغ ثبتت عليك.
فضلت ساكت.
مش قادر أستوعب.
في شهور قليلة...
خسرت مراتي الأولى.
وخسرت ولادي.
وخسرت منصبي.
وخسرت مصدر دخلي.
ودلوقتي... حتى البيت اللي كنت فاكر إنه بداية حلمي، بقى مهدد يضيع.
وفي نفس اللحظة، وصل إشعار على الموبايل من البنك
نحيط سيادتكم علمًا بأنه في حالة عدم سداد القسط المستحق خلال 72 ساعة، سيتم اتخاذ الإجراءات المنصوص عليها بالعقد.
بصيت للإشعار...
وبعدين بصيت حواليا.
ولأول مرة سألت نفسي
هو أنا وصلت لكل ده... إزاي؟
أكمل لما تقول اتسمرت في مكاني.
بصيت في أول سطر من الصحيفة، وأنا مش مصدق.
المدعية فاتن...
إيدي بدأت ترتعش.
قلت للمندوب دعوى بإيه؟
قال حضرتك هتعرف كل التفاصيل لما تقرأ.
ومشي.
قفلت الباب، وفتحت الأوراق بسرعة.
لقيتها طالبة حقوقها الزوجية كاملة، وقايمة المنقولات، ومؤخر الصداق، ونفقة الزوجية من تاريخ خروجها من البيت، وبتقول في الدعوى إنها اضطرت تسيب المنزل بسبب الخلافات المتكررة وعدم قدرتي على توفير المستوى اللي اتفقت عليه وقت الزواج.
رميت الورق على الترابيزة وأنا بقول لنفسي
يعني حتى هي...!
في اللحظة دي رن تليفوني.
كان رقمها.
رديت بسرعة.
قلت فاتن... إيه اللي عملتيه ده؟
ردت بمنتهى الهدوء ده حقي.
قلت بانفعال أنا صرفت عليكي ملايين!
قالت وأنا مجبرتكش.
قلت نسيتي كل اللي عملته علشانك؟
قالت وأنت نسيت إنك كنت بتقولي إن الراجل الحقيقي لازم يوفر الحياة اللي وعد بيها.
سكت.
ملاقيتش رد.
كملت هي كل واحد بيتحمل نتيجة قراراته.
وقفلت الخط.
قعدت على الكنبة، حاسس إن الدنيا كلها بتقفل في وشي.
وفي وسط الصمت، لفت نظري برواز قديم كنت حاطه في آخر رف بالمكتبة.
كان صورة ليا وأنا واقف جنب مراتي الأولى يوم ما استلمت أول ترقية.
افتكرت يومها...
كانت هي أول واحدة جريت حضنتني.
هي اللي سهرت معايا وأنا بذاكر وأشتغل.
هي اللي كانت بتقولي النجاح الحقيقي إنك متتغيرش.
وقتها ضحكت على كلامها...
دلوقتي بس بدأت أفهم معناه.
لكن قبل ما أكمل التفكير...
رن الموبايل مرة تانية.
كان المحامي.
قال بصوت مستعجل
لازم تيجي المكتب حالًا... في تطور جديد في قضية الشركة، ولو الخبر ده صحيح، حياتك كلها ممكن تتغير من جديد.
وسكت...
وسابني مع سؤال واحد بيدور في دماغي
إيه اللي حصل في الشركة المرة دي؟لبست بسرعة، وطلعت أجري على مكتب المحامي.
طول الطريق كنت متوقع الأسوأ.
قلت أكيد الشركة رفعت قضية تعويض...
أو اكتشفوا حاجة جديدة.
دخلت المكتب، لقيت المحامي ماسك ملف سميك.
أول ما قعدت، قال
اهدى واسمعني للآخر.
قلت بعصبية قول يا أستاذ، أنا خلاص مبقاش عندي حاجة أخسرها.
فتح الملف، وقال
بعد ما اتعملت المراجعة النهائية، اتضح إن جزء كبير من الخسائر مكنش بسبب المشروع اللي أنت اقترحته... لكن بسبب قرارات اتاخدت بعد تنفيذه.
استغربت.
قلت يعني إيه؟
قال يعني في الإدارة الجديدة عدلت في خطة التنفيذ، وده سبب خسائر كبيرة. التحقيق برأك من تهمة إنك تسببت في الخسارة بنفسك.
حسيت لأول مرة إن في بصيص أمل.
لكن المحامي كمل
للأسف... في نقطة تانية.
رجع قلبي وقع.
قال
الشركة مش هترجعك لنفس منصبك، لأنها شايفة إنك خالفت لائحة المصروفات، حتى لو المبالغ هتتسوى. يعني موقفك القانوني أخف... لكن وظيفتك انتهت.
سندت راسي بإيدي.
قلت يعني لا كسبت القضية... ولا رجعت شغلي.
قال بالضبط.
وبعدين سلمني ظرف.
قال دي مستحقات نهاية الخدمة.
فتحت الظرف.
المبلغ كان كبير... لكنه أقل بكتير من الديون اللي عليا.
خرجت من عنده، وأنا بفكر أعمل إيه.
أول حاجة عملتها إني سددت جزء من أقساط الشقة، عشان أوقف الإجراءات.
وبعدها دفعت جزء من نفقة الأولاد المتأخرة.
وأنا خارج من البنك، شفت راجل كبير قاعد على الرصيف، بيبيع مناديل.
بصلي وقال
الدنيا يوم ليك... ويوم عليك يا ابني.
الجملة كانت بسيطة...
لكن حسيتها طالعة من قلبي أنا.
ركبت عربيتي، ومشيت من غير هدف.
لقيت نفسي واقف قدام الشارع اللي كنت ساكن فيه زمان.
بصيت على العمارة القديمة.
ولقيت ولادي خارجين مع أمهم.
ابني الكبير شاف عربيتي.
وقف يبصلي.
أنا نزلت من العربية خطوة...
لكن مقدرتش أقرب.
حسيت إني فقدت حقي حتى في السلام
متابعة القراءة