كنت عايش سعيد بقلم اماني سيد
عليهم.
فضلت واقف من بعيد...
لحد ما دخلوا العمارة.
رجعت العربية وأنا دموعي لأول مرة تنزل من غير ما أقدر أمنعها.
لكن في اللحظة دي...
رن موبايلي.
بصيت في الشاشة...
كان المتصل فاتن.
ولأول مرة من أيام...
كانت هي اللي بتتصل بيا فضلت أبص على اسمها دقيقة كاملة.
إيدي كانت بترتعش.
وأخيرًا... ضغطت زر الاتصال.
رن مرة...
واتنين...
وثلاثة...
وبعدين سمعت صوتها.
ألو؟
أول ما سمعت صوتها، الكلمات اختفت.
هي كمان سكتت، كأنها عرفت مين المتصل.
بعد ثواني قالت بهدوء خير؟
بلعت ريقي وقلت كنت... عايز أطمن على الولاد.
قالت الحمد لله كويسين.
سكتنا تاني.
وبعدين قلت بصوت واطي أنا عارف إني غلطت.
مردتش.
كملت مش بطلب منك تسامحيني... لكن بطلب تديني فرصة أصلح اللي أقدر أصلحه مع ولادي.
سمعت صوتها وهي بتتنهد.
وقالت الولاد محتاجين يشوفوا أفعال... مش كلام.
الجملة دي دخلت قلبي.
قلت معاكي حق.
قالت لو عايز تشوفهم... تعال يوم الجمعة بعد العصر.
قلت بسرعة هكون موجود.
قفلت المكالمة.
ولأول مرة من شهور...
حسيت إن في باب صغير اتفتح.
طول الأسبوع كنت بجري أخلص كل اللي أقدر عليه.
دفعت جزء جديد من النفقة.
وبعت العربية الرياضية عشان أسدد باقي المتأخرات.
ويوم الجمعة، رحت قبل الموعد بنص ساعة.
كنت واقف تحت العمارة، وقلبي بيدق أكتر من أي اجتماع دخلته في حياتي.
بعد شوية...
باب العمارة اتفتح.
خرج ابني الكبير.
وقف يبصلي.
كبر عن آخر مرة شوفته فيها.
مشيت ناحيته بخطوات بطيئة.
مديت إيدي...
لكنه فضل واقف مكانه.
ثواني مرت كأنها ساعات.
وفجأة...
جري ناحيتي.
ورمى نفسه في حضني.
حضنته بقوة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
بعده خرج أخوه الصغير، وكان متردد.
لكن أول ما شاف أخوه بيحضني...
ابتسم وجري هو كمان.
في اللحظة دي، حسيت إن كل الفلوس اللي صرفتها، وكل السفر، وكل المظاهر...
ولا تساوي ثانية واحدة وأنا ضامم ولادي.
رفعت عيني...
فلقيت طليقتي واقفة عند باب العمارة.
كانت بتبص من بعيد.
لا ابتسمت...
ولا زعلت...
لكن لأول مرة، ملامحها كان فيها هدوء.
وأنا عرفت إن الطريق لإصلاح اللي كسرته لسه طويل...
لكن على الأقل...
بدأت أول خطوة فيه فضلت أقضي اليوم كله مع الولاد.
رحنا الحديقة اللي كانوا بيحبوا يروحوا لها زمان، وأكلنا آيس كريم، ولعبنا كورة.
في الأول كانوا بيتعاملوا معايا بتحفظ، لكن مع مرور الساعات الضحكة رجعت لوشوشهم.
وأنا ببص لهم، كنت بحس بوخز في قلبي.
كل لحظة حلوة معاهم كانت بتفكرني بقد إيه ضيعت من عمرهم بإيدي.
قبل ما أمشي، ابني الكبير مسك إيدي وقال
بابا... هتيجي الجمعة الجاية؟
بصيتله، وحسيت إن السؤال ده أغلى من أي منصب وصلتله.
قلت بابتسامة إن شاء الله... ولو قدرت هاجي قبلها كمان.
هز راسه وهو فرحان.
ولما ركبت عربيتي، فضلت مبتسم طول الطريق.
لكن أول ما وصلت البيت...
لقيت ظرف محطوط تحت الباب.
فتحته.
كان من البنك.
أول ما قريت أول سطر، عرفت إن المشكلة لسه مخلصتش.
تم رفض طلب إعادة جدولة القرض.
قعدت على الكنبة، وأنا حاطط إيدي على دماغي.
كل اللي معايا من بيع العربية خلص في سداد جزء من الديون والنفقات.
والشقة لسه عليها التزامات كبيرة.
في اليوم اللي بعده، رحت أدور على شغل.
بعت السيرة الذاتية لعشرات الشركات.
كل شركة كانت تسأل نفس السؤال
سيبت شغلك ليه؟
وكل مرة كنت أضطر أحكي جزء من الحقيقة.
بعضهم كان يعتذر باحترام...
وبعضهم مكنش يرد أصلًا.
عدى أسبوعين.
والفلوس بتقل.
وفي صباح يوم، وأنا قاعد في البيت، رن الموبايل.
رقم غير مسجل.
رديت.
أستاذ... معانا حضرتك؟
قلت أيوه.
قال أنا مدير شركة استشارات صغيرة. وصلتنا توصية باسمك من أحد عملائنا القدامى، وحابين نقابلك لو لسه بتدور على شغل.
استغربت.
قلت مين اللي رشحني؟
ابتسم الراجل وقال
قال إنه اشتغل معاك زمان، وإنك رغم كل اللي حصل... لسه من أكفأ الناس اللي قابلهم.
قفلت المكالمة وأنا مستغرب.
مين الشخص ده؟
أنا كنت فاكر إن كل الناس نسيتني...
لكن واضح إن في حد، وسط كل اللي حصل، لسه فاكر الجانب الكويس اللي كان فيا.
وفي اليوم التالي، وأنا داخل مقر الشركة الجديدة لإجراء المقابلة...
اتفاجئت بالشخص اللي كان واقف مستنيني عند الاستقبال.
أول ما شفته...
عرفته فورًا.
وكانت المفاجأة كفيلة إنها تغير مجرى حياتي من جديد...وقفت مكاني وأنا بحاول أفتكر.
الراجل ابتسم، ومد إيده يصافحني.
وقال واضح إنك مش فاكرني.
دققت في وشه أكتر.
وفجأة افتكرت.
كان أشرف...
مدير قسم قديم في الشركة، الراجل اللي كان أول واحد آمن بفكرة المشروع اللي رفعت بيه أرباح الشركة سنين فاتت.
أنا وقتها، بعد ما بقيت مدير كبير، بعدت عنه، وبقيت أتعامل معاه بتكبر، لدرجة إنه قدم استقالته ومشي.
نزلت عيني في الأرض من الكسوف.
قلت أنا... آسف يا باشمهندس أشرف.
ابتسم وقال الاعتذار ده متأخر شوية... بس أحسن من مفيش.
دخلنا مكتبه.
قال وهو بيقلب في السيرة الذاتية أنا عارف كل اللي حصل معاك. وعارف كمان إنك غلطت في حياتك الشخصية، لكن ده شيء بينك وبين نفسك. اللي يهمني هنا شغلك.
بصيتله باستغراب.
قال أنا مرشحتكش علشان أشفق عليك... أنا مرشحتك لأنك شاطر، لكن بشرط.
سألته بسرعة إيه هو؟
قال هتبدأ من الصفر.
استوعبت كلامه.
لا منصب مدير.
لا مكتب فخم.
لا سكرتيرة.
قال هتشتغل مستشار ضمن فريق، وهتثبت نفسك من جديد. لو وافقت... أهلاً بيك.
بصيت حواليّا.
افتكرت أول يوم دخلت فيه شركتي القديمة.
كنت وقتها موظف عادي...
لكن كنت سعيد.
مديت إيدي وصافحته.
وقلت موافق.
ابتسم وقال أهلاً بيك.
خرجت من مكتبه وأنا حاسس إن ربنا اداني فرصة جديدة.
مش عشان أرجع غني...
لكن عشان أرجع إنسان.
وأول مرتب قبضته من الشغل الجديد...
مكنش كبير.
لكن أول حاجة عملتها...
إني حولت نفقة الولاد كاملة قبل معادها.
وبعدين اشتريت لكل واحد فيهم هدية بسيطة.
وأنا خارج من محل الألعاب، بصيت للكيس اللي في إيدي، وابتسمت.
زمان كنت بدفع آلاف الجنيهات في هدية عشان أكسب إعجاب شخص.
النهارده...
هدية صغيرة لولادي كانت مخلية قلبي أسعد بكتير من أي هدية غالية اشتريتها في حياتي.
وفي مساء نفس اليوم...
وصلتني رسالة قصيرة من طليقتي.
كانت أول رسالة تبعتها لي من غير أي طلب أو خلاف.
كتبت فيها
الولاد فرحوا جدًا بالهدايا... شكرًا.
قريت الرسالة أكتر من مرة...
وحسيت إن كلمة شكرًا دي كانت بداية تعويض عن سنين طويلة ضيعتها... لكنها كانت مجرد البداية، لأن استعادة الثقة أصعب بكتير من استعادة المال بعد سنة كاملة...
حياتي كانت اتغيرت تمامًا.
مكنتش بقيت مليونير زي زمان، ولا رجعت راكب أحدث عربية، ولا ساكن في أفخم كومباوند.
الشقة الفخمة بعتها وسددت بيها معظم ديوني، وبدأت أعيش في شقة متواضعة قريبة من شغلي الجديد.
لكن لأول مرة من سنين...
كنت بنام مرتاح.
شغلي الجديد كبر بالتدريج، ولأنني اشتغلت بضمير، الشركة بدأت تثق فيا، ورجعت أترقى، لكن المرة دي كنت كل ما آخد منصب أعلى، أفتكر المنصب القديم اللي ضاع بسبب غروري، فأتواضع أكتر.
أما فاتن...
اتطلقت بهدوء بعد ما اتفقنا على كل الحقوق القانونية، وكل واحد راح في طريقه، من غير انتقام ولا كراهية. أدركت إن المشكلة مكنتش فيها وحدها، ولا في مراتي الأولى وحدها... المشكلة كانت فيَّ أنا، يوم ما سمحت للغرور يعميني، ويخليني أقيس قيمة الناس بالمظهر، وأنسى اللي وقفوا جنبي وقت الشدة.
أما طليقتي...
فضلت تحترمني كأب لأولادها، لكن عمرها ما رجعت ليا. كانت واضحة من البداية
في جروح بتخف... لكن آثارها بتفضل.
واحترمت قرارها.
بقيت أشوف ولادي كل أسبوع، وأحضر اجتماعات المدرسة، وأشاركهم في مذاكرتهم، وأكون موجود في أعياد ميلادهم. ومع الوقت، رجعت الضحكة بينا، ورجعوا ينادوني بابا بنفس الدفا اللي افتقدته سنين.
وفي يوم، ابني الكبير سألني
بابا... لو الزمن رجع بيك، كنت هتعمل إيه؟
ابتسمت، وربت على كتفه، وقلت
كنت هعرف إن الإنسان ممكن يكسب فلوس كتير... لكن لو خسر أهله وضميره، يبقى خسر كل حاجة.
بصلي وقال
يعني إحنا أهم من الفلوس؟
حضنته وقلت
إنتوا أغلى من الدنيا كلها.
وأنا راجع البيت في اليوم ده، افتكرت أول مرة دخلت فيها الشركة وأنا موظف بسيط، وأول مرة مسكت منصب كبير، وأول مرة غروري خدني بعيد.
ابتسمت لنفسي وقلت
النجاح الحقيقي مش إنك توصل للقمة... النجاح الحقيقي إنك تعرف تحافظ على نفسك وأهلك وإنت فوق.
تمت.