بشتغل ميكب ارتيست بقلم رشا خالد

لمحة نيوز

كلام لبعدين.
الراجل قفل الملف وقال أنا كنت هعمل كده... لولا إن ابنك وعدني بنفس الجملة دي قبل كده في مناسبة تانية.
همهمة خفيفة سرت بين المعازيم.
واحدة من الستات قالت بصوت واطي يعني دي مش أول مرة؟
أحمد حس إن الموقف بيفلت من إيده، فقال بعصبية يا جماعة، محدش يسمع كلام حد غريب.
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة، ومد إيده بورقة وقال غريب؟ طيب بص على توقيعك الأول.
أحمد أول ما لمح الورقة، مد إيده بسرعة عشان يخبيها.
لكن الراجل كان أسرع، ورفعها لفوق.
رنا بصت لأحمد وقالت إيه الورقة دي؟
أحمد اتلعثم ولا... ولا حاجة.
أنا كنت واقفة بعيد، لكني لاحظت حاجة غريبة.
كل ما حد يجيب سيرة الفلوس، أحمد يبص ناحية شنطة سوداء كبيرة كانت محطوطة تحت ترابيزة الكوشة.
شنطة محدش كان مهتم بيها.
همست للمساعدة شايفة الشنطة دي؟
هزت راسها وقالت أيوة... من ساعة ما جينا وهي هناك، وأحمد كل شوية يبص عليها.
قبل ما أكمل كلامي...
دخل طفل صغير يجري من وسط الزحمة، وهو بيقول بصوت عالي
يا عمو أحمد... الشنطة وقعت واتفتحت!
في لحظة واحدة...
لف أحمد بكل قوته ناحية الشنطة، واتغير لون وشه تمامًا.
أما باقي الموجودين...
فاتجهت أنظارهم كلهم لنفس المكان، بعد ما ظهر من داخل الشنطة شيء لم يكن أحمد يريد لأي شخص أن يراه اتسمرت عيون الكل على الشنطة.
واحد من الشباب انحنى بسرعة يقفلها قبل ما الحاجة تقع أكتر، لكن بعد فوات الأوان.
رزم من الإيصالات، ودفاتر صغيرة، وأظرف مكتوب عليها أسماء أشخاص، اتبعثرت على الأرض.
أحمد اندفع يجري وهو بيزعق سيبها! محدش يلمس حاجة!
لكن الراجل اللي كان ماسك الملف سبقه، وانحنى التقط ظرفًا من الأرض.
فتح الظرف، وبص للورقة اللي جواه، ثم رفع حاجبه باستغراب.
قال بهدوء غريبة... ده نفس المبلغ اللي بتقول إنك سددته.
أحمد خطف الورقة من إيده بعنف، وقال دي أوراق خاصة.
الراجل رد من غير ما يتوتر طالما خاصة... كنت حافظ عليها.
في الوقت ده، رنا بدأت تبص لأحمد بنظرة مختلفة.
لأول مرة من أول اليوم، ملامح الثقة اختفت من وشها.
قالت أحمد... إيه كل ده؟
أحمد رد بسرعة متسمعيش كلام حد.
لكن قبل ما يكمل...
المساعدة بتاعتي شدّت طرف هدومي وهمست يا أبلة سماح... بصي تحت الكرسي.
بصيت.
لقيت ظرفًا أبيض صغيرًا كان واضح إنه وقع من الشنطة ومحدش خد باله.
مديت إيدي بهدوء وخدته قبل ما حد يلاحظه.
كان مقفول.
من برّه، مكتوب عليه بخط واضح
يُسلَّم لصاحبة الحق فقط.
اتجمدت مكاني.
أنا عمري ما شفت الظرف ده قبل كده.
ولسه بفكر أفتحه ولا لأ...
لقيت أحمد لمح الظرف في إيدي.
عينه وسعت فجأة، وساب كل اللي حواليه، وجري ناحيتي وهو بيصرخ
إوعي... متفتحيهوش!اتجمدت مكاني للحظة.
أحمد كان بيجري ناحيتي وسط الزحمة، ووشه كله رعب، كأن الظرف ده أخطر من أي حاجة حصلت في اليوم كله.
لكن قبل ما يوصل...
الراجل صاحب الملف وقف قدامه ومد إيده يمنعه.
وقال بحزم على مهلك... محدش هيشد حاجة من إيد حد.
أحمد زقه بعصبية وهو بيقول الظرف ده يخصني!
بصيت له بهدوء، ورفعت الظرف قدام عيني.
وقلت غريبة... من شوية كنت بتقول إن اللي في الشنطة أوراق خاصة، دلوقتي الظرف بقى يخصك؟
سكت.
ولأول مرة من أول اليوم، معرفش يرد.
رنا قربت خطوة وقالت سماح... مكتوب عليه إيه؟
قريت المكتوب بصوت مسموع
يُسلَّم لصاحبة الحق فقط.
القاعة كلها سكتت.
واحدة من الستات قالت هي مين صاحبة الحق؟
أحمد صرخ هاتي الظرف!
لكن الراجل الكبير قال طالما لسه مقفول، محدش يعرف هو لمين.
في اللحظة دي...
أمي دخلت بينا وهي بتحاول تهدي الدنيا، وقالت يا جماعة، كفاية مشاكل. يا سماح اديهم الظرف وخلاص.
بصيت لها وقلت بهدوء من شوية كنتوا بتقولوا أثق فيهم وأسكت على حقي... دلوقتي كمان أديهم ظرف معرفش فيه إيه؟
أبويا نزل راسه، وماعرفش يرد.
المساعدة همست في ودني متسلميهوش لحد.
كنت لسه هتكلم...
لكن لقيت الراجل صاحب الملف بيبص للظرف كويس جدًا.
وفجأة قال
استنى...
وقرب خطوة وهو مركز في الختم الأحمر اللي على الظرف.
اتغيرت ملامحه تمامًا.
وقال بصوت منخفض
أنا... أنا أعرف الختم ده.
كل الموجودين بصوا له.
رنا سألت باستغراب يعني إيه؟
رد وهو ما زال مثبت عينه على الظرف
الختم ده بيتحط على مظاريف الأمانات... واللي بيسلمها بيكون كاتب اسم المستلم الحقيقي من الناحية التانية.
أول ما سمعت الجملة دي...
قلبت الظرف على ضهره ببطء.
ولما بصيت...
شهقت من الصدمة.
لأن الاسم المكتوب بخط واضح كان
الأستاذة سماح...
أما أحمد...
فأغمض عينيه للحظة، وكأنه كان عارف من البداية إن اللحظة دي لو حصلت... كل حاجة هتتغير فضلت ماسكة الظرف بإيدي، وكل العيون متعلقة بيا.
رنا قالت بارتباك افتحيه... خلينا نعرف فيه إيه.
أما أحمد، فكان بيهز راسه بعنف وهو بيقول لا... الظرف ده اتفتح بالغلط، ومالوش أي علاقة بيها.
بصيت له باستغراب وقلت إزاي مالوش علاقة بيا واسمي مكتوب عليه؟
ماعرفش يرد.
الراجل الكبير قال بهدوء لو اسمها عليه، يبقى من حقها هي اللي تفتحه.
أخدت نفس عميق، وبدأت أفك الختم الأحمر بحذر.
الأوضة كلها كانت ساكتة لدرجة إن صوت الورق وهو بيتفتح كان مسموع.
طلعت أول ورقة.
كانت إيصال تحويل.
وبعدها ورقة تانية.
ثم ظرف أصغر جواه.
فتحته، فلقيت رزمة فلوس مربوطة بشريط البنك.
رنا فتحت عينيها بدهشة.
أمها قالت فلوس إيه دي؟
أما أنا، فكنت لسه بقلب في الورق.
لحد ما وقعت عيني على ورقة مكتوب فيها بخط واضح
في حالة تسليم هذه الأمانة، تُسلَّم كاملة للأستاذة سماح مقابل عملها، ولا يحق لأي شخص آخر استلامها.
رفعت عيني ناحيتهم.
وش أحمد كان شاحبًا جدًا.
قلت بهدوء واضح إن حد كان متوقع إن حقي ممكن يضيع.
قبل ما حد يرد...
رن تليفون الراجل الكبير.
رد بسرعة، وسكت وهو بيسمع.
بعد ثوانٍ قال إيه؟... وصل؟
قفل المكالمة، وبص ناحية باب البيت.
وقال جملة واحدة خلت أحمد يتراجع خطوة لورا
الشخص اللي سلّمني الملف زمان... وصل دلوقتي، وهو بنفسه جاي يشرح كل حاجة.
وفي نفس اللحظة...
وقف قدام باب القاعة رجل أنيق في أواخر الخمسينات، وبمجرد ما وقعت عين أحمد عليه، ساب مكانه فجأة وكأنه بيفكر يهرب، لكن الرجل قال بصوت ثابت
اقف مكانك يا أحمد... لسه الحساب الحقيقي ما بدأش أحمد اتجمد مكانه.
بص للرجل الواقف عند الباب، وبعدين بص حواليه كأنه بيدور على أي مخرج.
الرجل دخل بخطوات هادئة، وكل الموجودين وسعوا له الطريق من غير ما حد يطلب منهم.
وقف قدامي مباشرة، ومد إيده باحترام وقال
حضرتك الأستاذة سماح؟
هززت راسي.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أنا آسف جدًا على اللي حصل النهارده.
استغربت وسألته حضرتك تعرفني؟
قال أعرف شغلك... لكن معرفكيش معرفة شخصية.
ثم أشار إلى الظرف اللي في إيدي وقال
أنا اللي طلبت يتكتب اسمك عليه.
الهمهمة رجعت تاني وسط المعازيم.
رنا قالت باستغراب هو إيه اللي بيحصل؟
الرجل لف ناحيتها وقال
من حوالي أسبوعين، أحمد جه يقابلني في شغل يخصني، وكان بيتباهى إنه بيعرف يوفر فلوس أي خدمة ياخدها... حتى لو اضطر يماطل أصحابها أو يخليهم يزهقوا.
أحمد صرخ
كدب!
الرجل كمل وكأنه مسمعوش
ولما عرف إن الميكب آرتيست اللي هتشتغل في الفرح مشهورة، قال بالحرف إنه هيديها عربون صغير، وبعد الفرح هيختفي ومش هتقدر تعمله حاجة لأنها في بلد غير بلدها.
بصيت لأحمد، لقيته منزل عينه في الأرض.
الرجل قال
أنا ساعتها ما صدقتوش بالكامل... لكن احتياطًا، حطيت قيمة حقك كاملة في ظرف أمانة، وكتبت اسمك عليه. لو دفعلك، كنت هاخد الظرف تاني. ولو منفذش كلامه... يبقى الظرف يوصل لصاحبة الحق.
الأوضة كلها غرقت
تم نسخ الرابط