بشتغل ميكب ارتيست بقلم رشا خالد
في صمت.
حتى أختي شيماء، اللي كانت طول اليوم بتلومني، بدأت تبص لأحمد ورنا بصدمة.
وقالت بصوت مهزوز
يعني... سماح كانت معاها حق من الأول؟
أبويا نزل رأسه في الأرض، وأمي حطت إيدها على وشها وهي مش قادرة تتكلم.
أما أحمد...
فشد نفس طويل وقال
أنا... أنا أقدر أفسر كل حاجة.
الرجل رد عليه بهدوء
اتفضل... كل الناس سامعاك.
أحمد فتح بقه علشان يتكلم...
وفي نفس اللحظة، دخل شاب من بره وهو ماسك موبايله، وقال بصوت عالي
يا أحمد... في مشكلة أكبر بكتير من اللي هنا... وفي ناس مستنياك بره باسمك.
أحمد اتلفت ناحية الباب بسرعة، واتغير لون وشه مرة تانية، وكأنه عرف من نبرة الشاب إن اللي مستنيه في الخارج هيقلب الليلة كلها رأسًا على عقب أحمد بلع ريقه بصعوبة، وقال للشاب بصوت مرتعش
مين... مين اللي بره؟
الشاب رد وهو بياخد نفسه
مش راضيين يدخلوا... لكن قالوا لو منزلتش بنفسك خلال دقيقة، هما اللي هيطلعولك.
رنا بدأت ترتجف.
بصت لأحمد وقالت
إنت مخبي عني إيه تاني؟
أحمد حاول يمسك إيدها، لكنها سحبتها بسرعة.
في اللحظة دي، الراجل الأنيق بصلي وقال
أستاذة سماح، عدّي فلوسك الأول.
فتحت الظرف وعدّيت المبلغ.
كان كامل... تسعة آلاف جنيه بالضبط، ولا جنيه ناقص.
حطيتهم في شنطتي بمنتهى الهدوء، وقلت
دلوقتي... حقي وصل.
أول ما قلت الجملة دي، حسيت براحة غريبة.
مش بسبب الفلوس...
لكن لأن كل الناس شافت الحقيقة بنفسها.
أختي قربت مني وعينيها مليانة إحراج.
قالت بصوت واطي
أنا آسفة... ظلمتك.
بصيت لها، ولسه هرد...
لقينا صوت خناقة عالية جدًا جاي من بره.
وبعدين...
اتفتح باب القاعة بعنف للمرة التانية.
دخل ثلاثة رجال كبار في السن.
أول واحد فيهم كان ماسك ملف ضخم.
والتاني معاه كيس مليان أوراق.
أما التالت...
فأول ما شاف أحمد، رفع الورقة اللي في إيده وقال بصوت سمعه كل اللي في القاعة
أخيرًا لقيناك!
المعازيم بقى كلهم واقفين.
محدش بقى مهتم بالزفة ولا بالأكل.
الراجل فتح الملف، وقال
إحنا مش جايين نبوظ فرح... إحنا جايين ناخد حقنا.
أحمد حاول يخرج من الباب الجانبي.
لكن فوجئ إن مجموعة من أقاربه واقفين هناك، وكلهم بيبصوا له باستغراب، بعد ما سمعوا الكلام.
واحد من أعمامه قال بغضب
واقف مكانك.
لأول مرة...
أحمد بقى محاصر من كل ناحية.
وبينما الجميع منشغل بما يحدث...
لمحت المساعدة بتاعتي حاجة غريبة تحت الكوشة.
انحنت بسرعة، وسحبت علبة معدنية صغيرة مغبرة، وكأنها كانت مخبأة من وقت طويل.
بصتلي وهمست
يا أبلة سماح... دي كانت مستخبية تحت الكوشة من قبل ما نوصل.
أخدتها منها، ولقيت عليها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط اليد
لا تُفتح إلا بعد انتهاء الفرح.
رفعت عيني ناحية أحمد...
ولقيته أول ما شاف العلبة، شهق وقال بصوت مخنوق
مين طلعها؟!اتلفتُّ ناحية أحمد.
كان بيبص للعلبة كأنها أخطر من كل الملفات والديون اللي حواليه.
جري ناحيتي خطوتين، لكن عمه وقف قدامه وحط إيده على صدره.
وقال بحزم
خليك مكانك.
أحمد صرخ
العلبة دي محدش يفتحها!
بصيت للورقة اللازقة عليها.
مكتوب بخط واضح
لا تُفتح إلا بعد انتهاء الفرح.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت
اطمن... الفرح لسه منتهيش.
حطيت العلبة جوه شنطتي مؤقتًا، وقولت للمساعدة
خليكي جنب الشنط.
هزت راسها وهي مركزة على كل حركة بتحصل.
في الوقت ده، الراجل اللي كان ماسك الملف الكبير فتح أول صفحة، وقال
بما إن كل الناس موجودة... يبقى كل حاجة هتتقال مرة واحدة.
رنا بصت له بتوتر.
قالت
أنا عايزة أفهم... في إيه؟
رد بهدوء
إحنا لينا فلوس عند أحمد من شهور. وكل مرة كان يقول إنه هيقبض بعد الفرح، أو بعد الصفقة، أو بعد آخر الشهر.
واحد من الموجودين قال
يعني كان بيوعد الكل بنفس الكلام؟
الراجل هز راسه.
بالظبط.
أحمد حاول يقاطع، لكن محدش كان بيسمعه.
في اللحظة دي...
المساعدة شدّت هدومي مرة تانية.
همست
يا أبلة... في واحدة ست منقبة واقفة عند باب الجنينة من ساعة ما المشكلة بدأت.
بصيت من بعيد.
كانت واقفة فعلًا.
لا بتتكلم مع حد.
ولا داخلة.
ولا ماشية.
كل شوية تبص ناحية العلبة المعدنية اللي معايا، وبعدين تبص لأحمد.
وفجأة...
رفعت إيدها، وأشارت ناحيتي إشارة واحدة بس...
كأنها بتقولي
متفتحيهاش هنا.
قبل ما أستوعب معنى الحركة...
لفت وخرجت من باب الجنينة بسرعة.
وأحمد، أول ما شافها ماشية، قال بصوت مرتعش لأول مرة
هي... هي كانت هنا؟!اتلفتُّ بسرعة ناحية الباب.
لكن الست المنتقبة كانت اختفت تمامًا، كأنها ذابت وسط الزحمة.
أحمد فضل باصص ناحية الجنينة وهو بيتمتم
مستحيل... هي عرفت المكان إزاي؟
رنا سمعته.
قربت منه وقالت بحدة
هي مين؟
سكت.
قالت تاني بصوت أعلى
بكلمك... هي مين؟
لكنه فضل ساكت، ووشه كله ارتباك.
أنا كنت ماسكة العلبة بإيدي، وحاسة إن كل اللي بيحصل مرتبط بيها بشكل أو بآخر.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
نفس الرقم الغريب اللي كلمني قبل كده.
رديت.
جالي نفس الصوت الهادئ
أستاذة سماح... العلبة اللي معاكي أمانة، ومينفعش تتفتح وسط الزحمة.
قلت باستغراب
حضرتك مين؟
رد
هتعرفي في الوقت المناسب... أهم حاجة حافظي عليها ومتسلميهاش لأي حد.
وقبل ما أسأله أي سؤال...
قفل الخط.
رفعت عيني، لقيت أحمد مركز معايا من بعيد، وكأنه كان بيحاول يعرف المتصل قال إيه.
حطيت الموبايل في شنطتي، ومسكت العلبة بإحكام.
وقلت للمساعدة
هنمشي أول ما نقدر.
لكن قبل ما نتحرك...
سمعنا صوت زغروطة عالية جدًا من الصالة.
الغريب إن الزغروطة كانت مليانة فرحة، رغم إن البيت كله كان مقلوب.
بعدها بثواني، دخلت واحدة من قريبات العروسة وهي بتجري، وقالت وهي بتلهث
العريس اختفى!
الكل بص لبعضه في ذهول.
رنا صرخت
إزاي اختفى؟!
قالت الست
كان واقف هنا من دقيقة... ولما الناس اتلمت، محدش بقى شايفه.
في اللحظة دي، بصيت ناحية الباب الجانبي.
كان مفتوح.
وعلى الأرض، لقيت ورقة مطوية واقعة عند العتبة.
المساعدة جابت الورقة بسرعة وادتهالي.
فتحتها...
ولقيت مكتوب فيها بخط واحد واضح
اللي معاه العلبة... هيعرف الحقيقة كلها، لكن لازم يفتحها بعد الساعة 12 بالليل أخدت الورقة، وبصيت للساعة.
كانت لسه عشرة إلا ربع بالليل.
قفلت العلبة بإحكام، وحطيتها في شنطتي، وقلت للمساعدة هنمشي.
ولا بصيت لحد.
ولا استنيت حد يعتذر.
أنا كنت أخدت حقي كامل، ومبقاش ليا مكان وسط الفوضى دي.
ركبت العربية، وروحت بيت أهلي، وقفلت باب أوضتي، وحطيت العلبة قدامي على الترابيزة.
الدقايق كانت بتمشي ببطء.
أول ما الساعة جابت 12 بالليل بالظبط...
فتحت العلبة.
لقيت جواها فلاشة، ومظروف صغير.
فتحت المظروف الأول.
كان فيه جواب مكتوب بخط راجل كبير
لو وصلتي للعلبة، فده معناه إنك رفضتي تسيبي حقك، وإنك مابعتيش كرامتك. الناس دي طول عمرها بتستغل أي حد يشتغل معاها، وكل مرة يهربوا من الدفع بحجة أو بخناقة. أنا اتعاملت معاهم قبل كده، وعرفت إنهم ناويين يعملوا معاكي نفس اللي عملوه مع غيرك. علشان كده جهزت الدليل ده، وحطيته في مكان محدش غيرهم يعرفه.
شغلت الفلاشة على اللابتوب.
كانت مليانة تسجيلات صوت وصور وإيصالات ورسائل.
كلها تثبت إن أحمد وأهله استغلوا عشرات الناس قبل كده
مصور أفراح أخدوا شغله وما دفعوش.
شركة ديكور ماخدتش مستحقاتها.
محل فساتين فضل يجري وراهم شهور.
مطعم الفرح نفسه كان لسه مستني جزء كبير من فلوسه.
تاني يوم الصبح...
الراجل اللي سلمني الظرف جمع أصحاب الحقوق كلهم.
كل واحد أخد نسخة من المستندات اللي تخصه.
وبدل ما كل واحد يحارب لوحده، اتحدوا كلهم.
خلال أيام قليلة، اضطر أحمد وأسرته يسددوا معظم الديون بعد ما اتكشف كل شيء، لأن مفيش حد بقى مستعد يتعامل معاهم، وسمعتهم في البلد اتأثرت جدًا.
أما رنا...
فبعد ما اكتشفت إن أحمد كان مخبي عنها حجم الديون وطريقته في التعامل مع الناس، قررت تراجع حياتها معاه بعيدًا عن ضغط الفرح والناس.
وأختي شيماء...
جتلي البيت بعد أسبوع.
كانت ماسكة بوكيه ورد، وقالت وهي مكسوفة
أنا كنت فاكرة إني بجامل صاحبتي... لكن في الحقيقة كنت بضغط عليكي
تتنازلي عن حقك. سامحيني.
ابتسمت وقلت
المسامحة سهلة... لكن الدرس أهم.
من اليوم ده، بقيت ما أشتغلش لأي حد من غير عقد واضح، وعربون مناسب، وسداد باقي المبلغ قبل انتهاء الخدمة، مهما كانت صلة القرابة أو المجاملة.
والغريب...
إن القصة انتشرت بين الناس بسرعة.
وبدل ما تضر سمعتي، زادت ثقة العملاء فيا، لأنهم شافوا إني محترفة، وبحترم شغلي، وفي نفس الوقت بعرف أحافظ على حقي من غير ظلم ولا إساءة.
النهاية.