كل مرة بقلم رشا خالد
كل مرة أخت جوزي تولد، كانت بتيجي تقضي فترة النفاس عندي... وتتعامَل معايا كأني الخدامة اللي موجودة في البيت عشان تخدمها هي وأمها ليل ونهار. استحملت مرة... واتكسرت مرة تانية... لكن لما حملت للمرة التالتة، كانوا فاكرين إني هقول حاضر زي كل مرة. ماكانوش يعرفوا إن المرة دي أنا اللي كنت محضرة لهم أكبر صدمة في حياتهم.
أخت جوزي هتولد قريب، واتعودت كل مرة تقضي فترة النفاس بتاعها عندي.. ودي كانت تالت مرة تطلب فيها المصلحة دي، بس المرة دي أنا مقبلتش.. وقدمت استقالتي من الشغل فوراً!
يومها الساعة كانت اتنين ونص الظهر، كنت قاعدة في الشركة براجع التصميم النهائي وبقفله مع واحد من أهم العملاء، وفجأة الموبايل على المكتب مابطلش زن وهز.
بصيت على الشاشة.. لقيتها حماتي، الست فريدة.
وعارفة طبعاً إن مكالمة منها في وقت زي ده مابتجيبش وراها غير النكد. اعتذرت للعميل وقمت وقفت في الممر بره عشان أرد.
أول ما فتحت الخط، لقيت صوتها طالع كله فرحة وزغاريد
يا نادية! عندي ليكي خبر بمليون جنيه، ياسمين حامل تاني، والمرة دي حامل في توأم!
مسكت الموبايل جامد وما نطقتش ولا كلمة.
كملت هي وقالت عشان كده بقى، المرة دي كمان هتيجي تقضي فترة النفاس في بيتكوا. وبما إنهم توأم، يبقى أكيد هتحتاج غرفتين، اخلصي ونظفي البيت ورتبيه من دلوقتي عشان هتنورنا الأسبوع الجاي.
كلامها كان صيغة أمر وإبلاغ، مفيش فيه حتى مساحة لأخذ الرأي.
رديت عليها بكل هدوء بس أنا مش موافقة يا طنط.
الخط سكت تماماً لثانيتين، وبعدها صرخت أنتي قلتي إيه يا بت أنتي؟!
قلت مش موافقة. المرة دي ياسمين مش هتعتب بيتي في نفاسها.
صوتها اتقلب في ثانية لندب وصراخ عالي يا نادية! هو أنتي معندكيش أصل ولا ضمير؟! ياسمين دي أخت جوزك الشقيقة! جرى إيه لما تسانديها في نفاسها؟! ليه الأنانية والجفاء ده؟!
مابقتش قادرة أسمع أكتر من كده، فرحت قافلة السكة في وشها.
بس إيديا كانت بتترعش من كتر العصبية والضغط. فتحت الواتساب وبعت لطارق مامتك كلمتني وبتقول إن ياسمين عايزة تيجي تولد وتقعد عندنا، وأنا رفضت.
الرسالة اتبعتت.. ومجاش عليها أي رد. مرت ساعة، والتانية، ولا حس ولا خبر، كأنها رسالة اترميت في البحر.
على الساعة 7 بالليل رجعت البيت، لقيت طارق قاعد على كنب الصالون ووشه ضارب مقلوب، وضلمة كأنه قنبلة موقوتة. أول ما شافني داخلة من الباب، وقف وقاللي
نادية، ياسمين حجزت العربية خلاص ليوم الخميس الجاي عشان تيجي، ادخلي ونظفي الأوضة الإضافية ورتبيها.
حطيت شنطتي على جزامة المدخل وقلتله أنا قلتلك مش موافقة، أنت مقرتش رسالتي؟
دي أختي! وجاية بيت أخوها تولد وتقعد فيه، إيه العيب والغلط في كده؟
وأنا مرتك! فكرت تاخد رأيي أو تطلب مشورتي قبل ما تقرر؟
لوح بإيده بنفاد صبر وقال وإيه لزمتها اللفة دي كلها؟ الموضوع كله أربعين يوم فترة وتعدي!
الموضوع كله أربعين يوم!
قبل تلات سنين، قال نفس الجملة دي بالظبط. وقبل سنة، كررها تاني بنفس البرود. واليوم، دي المرة التالتة. في كل مرة الحجة أربعين يوم، بس الأربعين يوم اللعينة دي في المرات اللي فاتت كانت هتضيع حياتي فيها.
ليلتها، فضلت مستلقية على السرير وباصة للسقف لحد الساعة 4 الصبح وعيني مشافت النوم. وأول ما المنبه ضرب الصبح، كنت واخدة قراري خلاص.. أنا لازم أختفي من حياتهم.
حصريا لموقع لمحة
حكايات رشا خالد
تاني يوم الصبح، نادية صحيت قبل طارق بساعة.
لبست بهدوء، حضرت فطار سريع، وسابتله فنجان القهوة اللي متعود يشربه، وخرجت من غير ما تصحيه.
لكن بدل ما تروح الشركة، وقفت قدام المبنى دقيقة كاملة وهي باصة عليه.
دخلت... طلعت الدور الخامس... خبطت على باب مكتب المدير.
لما شافها، ابتسم وقال صباح الخير يا نادية، العميل وافق على المشروع، برافو.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وحطت ظرف أبيض على مكتبه.
بصله باستغراب. إيه ده؟
قالت بهدوء استقالتي.
رفع عينه بسرعة. استقالة؟! فجأة ليه؟
سكتت شوية وقالت عندي ظروف أسرية... ومحتاجة أتفرغ.
فضل يقنعها أكتر من نص ساعة.
قالها إنتي من أكفأ الناس هنا، ولو المشكلة إجازة أو تخفيف ساعات هنظبط أي حاجة.
لكنها كانت حاسمة.
مضت الورق... وسلمت الكارنيه... وخرجت.
وأول ما نزلت الشارع، أخدت نفس طويل لأول مرة من شهور.
...
في نفس الوقت...
حماتها كانت بتلف على الجيران بكل فخر.
الحمد لله... ياسمين هتروح تقعد عند أخوها، ونادية هتتولى كل حاجة زي كل مرة.
أما ياسمين نفسها، فكانت بتبعت رسايل لنادية على الواتساب.
اعملي حسابك في سرير أطفال زيادة.
هاتوا كمان كرسي رضاعة.
والمربية اللي كانت بتيجي تساعدك زمان، كلميها من دلوقتي.
نادية كانت بتقرأ الرسائل... من غير ما ترد.
ولا حتى كلمة.
...
بالليل...
طارق رجع البيت مستغرب.
مالك؟ ليه ساكتة طول اليوم؟
ناولته ظرف صغير.
فتحه...
ولقى صورة من الاستقالة مختومة من الشركة.
رفع راسه مصدوم.
إيه ده؟!
قالت بمنتهى الهدوء استقلت.
اتسعت عينه.
استقلتي؟! إنتي اتجننتي؟ مرتبك كان بيساعدنا في كل حاجة.
ردت وهي بتبصله بثبات عادي... ما أنا هقعد أخدم أختك أربعين يوم... ومش هينفع أبقى في الشغل.
اتلخبط.
أنا مقصدتش كده.
لأ... ده اللي قصدته. كل مرة كنتوا بتقولوا اقعدي معاها، سيبي شغلك، سيبي نومك، سيبي صحتك... وكأن حياتي واقفة مستنياها.
سكت.
لأول مرة... معندوش رد.
...
بعد يومين...
العيلة كلها كانت عرفت بخبر الاستقالة.
التليفونات بقت ما بتسكتش.
مرة خالت طارق.
ومرة عمته.
ومرة ابن خالته.
كلهم جملة واحدة
إيه اللي عملتيه ده؟
معقول تستقيلي عشان نفاس؟
كبّرتي الموضوع ليه؟
ونادية كانت بترد بنفس الجملة لكل واحد
أنا استقلت عشان أعرف أتفرغ... بس مش لخدمة حد.
الجملة كانت غريبة...
خلت الكل يقفل المكالمة وهو مش فاهم تقصد إيه.
حتى طارق نفسه بدأ يحس إن فيه حاجة مستخبية.
وفي مساء اليوم اللي قبل معاد وصول ياسمين بيوم واحد...
رن جرس الباب.
طارق فتح وهو متوقع يشوف مندوب أو جار...
لكن أول ما فتح، اتغير لون وشه فجأة...
وقال بصوت خرج بالعافية
إنت... إنت جيت هنا ليه؟!الراجل اللي واقف على الباب كان في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده شنطة جلد قديمة.
ابتسم بهدوء وقال جيت أقابل نادية... هي اللي طلبت مني أجي.
طارق بص لنادية باستغراب.
مين ده؟
نادية خرجت من المطبخ وهي هادية بشكل غريب.
اتفضل يا أستاذ سامح.
دخل الراجل وقعد على السفرة، وطلع ملف سميك من الشنطة وحطه قدامه.
طارق بدأ يفقد أعصابه.
ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟
نادية ردت هتفهم دلوقتي.
فتح الأستاذ سامح الملف، وبدأ يطلع منه ورق مرتب.
قال أنا مستشار إداري، وشغلي تنظيم وإدارة مشروعات ورعاية كبار السن والأطفال... ومدام نادية كلفتني بمهمة من أسبوع.
طارق عقد حواجبه.
مهمة إيه؟
نادية سحبِت ورقة من الملف وحطتها قدامه.
اقرأ.
بص فيها بسرعة... واتفاجئ إنها خطة كاملة.
جدول يومي.
مواعيد رضاعة.
مواعيد تغيير حفاضات.
تنظيف.
غسيل.
تعقيم.
شراء مستلزمات.
تحضير أكل.
ومكتوب جنب كل مهمة اسم الشخص اللي هينفذها.
طارق... من الساعة 6 الصبح لحد 8 بالليل.
حماته... مسئولية الأطفال وقت القيلولة.
ياسمين... مسئولية أطفالها بالكامل بعد تعافيها.
حتى جوز ياسمين كان اسمه موجود، وعليه شراء الاحتياجات والخروج لأي مشاوير.
لف الورق بسرعة وقال بعصبية
إيه الهزار ده؟
الأستاذ سامح ابتسم وقال
مش هزار... دي خطة توزيع مسئوليات. لأن مدام نادية وضحتلي إن المشكلة مش في استضافة أخت حضرتك... المشكلة إن كل الحمل كان بيتحط عليها لوحدها.
طارق رمى الورق على الترابيزة.
يعني جايبين خبير عشان يعلمنا نعيش؟
نادية قالت بثبات
لأ... جبته عشان يبقى شاهد إن المرة دي مفيش حد هيستغلني.
...
في نفس اللحظة