كل مرة بقلم رشا خالد
مشاكل... قول إيه اللي يحصل.
كل الأنظار راحت لطارق.
لأول مرة، الكلمة كانت في إيده.
فضل ساكت ثواني...
وبعدين قال
الشنط تفضل بره دلوقتي.
حماته اتصدمت.
إيه؟!
كرر بهدوء
قلت الشنط تفضل بره... لحد ما نتفق.
بصت له وكأنها مش مصدقة اللي سمعته.
إنت بتقف ضد أختك؟
قال
أنا مش ضد حد... بس البيت ده بيتي أنا ونادية، والقرار لازم يبقى بينا إحنا الاتنين.
ساد صمت ثقيل.
ياسمين كانت أول مرة تشوف أخوها بيرد على أمهم بالشكل ده.
لكنها فجأة حطت إيدها على بطنها واتأوهت.
جوزها جري عليها.
مالك؟
قالت وهي بتحاول تاخد نفسها
حاسّة بشد جامد...
والد جوزها قال بسرعة
بلاش وقفة على السلم... لازم نطمن عليها.
نادية اتحركت فورًا، وقالت بهدوء
اقعدي على الكرسي اللي جنب الباب لحد ما الدكتور يرد، ولو احتاجت مستشفى هننزل حالًا.
رغم الخلاف، محدش اعترض.
لكن في اللحظة اللي جوز ياسمين كان بيطلع موبايله عشان يكلم الدكتور...
وقف فجأة، وبص للشاشة بقلق شديد.
وقال بصوت منخفض
الدكتور بعتلي رسالة دلوقتي... وبيقول لازم نيجي فورًا... فيه حاجة محتاج يتكلم فيها معانا بنفسه، ومينفعش تتقال في التليفون الكل سكت.
ياسمين بصت لجوزها بخوف وقالت
هو فيه حاجة حصلت للبيبيهات؟
هز رأسه بسرعة وقال
لا... الرسالة مفيهاش أي تفاصيل، بس الدكتور كاتب إننا لازم نروح حالًا.
نادية قالت من غير تردد
يبقى متضيعوش وقت.
طارق نزل بسرعة يساعد جوز أخته يشيلها للعربية، وحتى حماته نسيت الخناقة وركبت معاهم.
قبل ما العربية تتحرك، بصت الست فريدة لنادية وقالت
ادعيلها.
ردت نادية بهدوء
ربنا يقومها بالسلامة هي والولاد.
وانطلقت العربية.
...
رجع البيت بقى هادي بشكل غريب.
طارق كان قاعد في الصالون، وكل شوية يبص للموبايل مستني أي خبر.
بعد حوالي ساعة ونص...
رن التليفون.
طارق رد بسرعة.
أيوه يا ياسمين... طمنيني.
فضل ساكت وهو بيسمع.
بعدها قال
الحمد لله... أهم حاجة إنكم بخير.
قفل المكالمة، وبص لنادية.
الدكتور طمنهم... مفيش ولادة دلوقتي، بس طلب منها راحة تامة، وممنوع تطلع سلالم أو تبذل أي مجهود.
نادية ابتسمت وقالت
الحمد لله.
طارق سكت شوية، وبعدين قال
بس فيه مشكلة.
إيه هي؟
الدكتور قال لازم حد يكون معاها طول الوقت... وجوزها شغله ما يقدرش يسيبه.
قبل ما نادية ترد...
رن جرس الباب.
فتح طارق.
لقى والد ياسمين واقف... وكان في إيده ظرف صغير.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
ممكن أدخل خمس دقايق؟
دخل وقعد، وحط الظرف على الترابيزة.
وقال
أنا جيت أحل المشكلة قبل ما تكبر.
الكل بصله باستغراب.
فتح الظرف، وطلع منه مفتاح.
وقال
دي شقة أخت ياسمين القديمة... فاضية ومفروشة، وقريبة جدًا من المستشفى.
طارق قال بدهشة
أنا أول مرة أعرف إنها لسه موجودة.
ابتسم الرجل وقال
كنت مأجرها، والمستأجر خرج الأسبوع اللي فات.
وبص لنادية وأضاف
بدل ما كل واحد يزعل من التاني... ياسمين تقعد في شقتها، وأنا وأمها وجوزها نتناوب عليها.
ساد صمت في المكان.
حتى نادية ما كانتش متوقعة الاقتراح.
لكن قبل ما حد يوافق أو يرفض...
رن موبايل والد ياسمين.
بص للشاشة... واتغيرت ملامحه فجأة.
رد بسرعة، وبعد ثوانٍ قال
إيه؟! إزاي ده حصل؟!
ثم قام واقفًا وهو يقول بقلق
لا... أنا جاي حالًا.
وقفل المكالمة، ونظر للجميع وقال
لازم أمشي دلوقتي... حصل أمر هيغير كل الترتيبات اللي كنا بنتكلم فيها طارق قام بسرعة وقال
خير يا عمي؟ حصل إيه؟
تنهد الرجل وقال
مفيش داعي تقلقوا... بس أخويا الكبير اتعرض لوعكة، ولازم أكون معاه.
لبس جاكته بسرعة، ومد إيده بالمفتاح لطارق.
المفتاح خليه معاك دلوقتي... والشقة جاهزة من النهارده.
خرج على عجل، وساب الكل واقف في حالة صمت.
طارق بص للمفتاح، وبعدين بص لنادية.
قال بهدوء
أهو... كده بقى فيه حل.
نادية ردت
الحل موجود من الأول... بس محدش كان بيدور عليه.
سكت طارق، لأنه كان عارف إنها معاها حق.
...
تاني يوم الصبح...
حماته اتصلت بطارق.
إحنا هنروح ننضف الشقة ونجهزها، تعالى بعد الشغل.
قالها
تمام.
وقبل ما يقفل، سمعها بتقول
بس نادية تيجي معاك، هي أدرى بالحاجات دي.
بص لنادية، وهي كانت سامعة المكالمة.
ابتسمت وقالت
لأ... المرة دي كل واحد هيعمل اللي يخصه.
...
بعد الضهر...
طارق راح الشقة.
اتفاجئ إنها واسعة، ونضيفة، وكل الأثاث موجود.
لكن محتاجة ترتيب بسيط.
حماته كانت واقفة في نص الصالة ومحتارة.
هنبدأ منين؟
رد جوز ياسمين
كلنا نشتغل سوا، وهتخلص بسرعة.
ولأول مرة...
حماته شمرت كمها، وبدأت تمسح التراب بنفسها.
وياسمين، رغم تعبها، كانت قاعدة على كرسي بتقول لهم مكان كل حاجة.
بعد ساعتين...
الشقة بقت جاهزة.
طارق وقف يبص حواليه، وقال في نفسه
الموضوع طلع ممكن يتعمل... من غير ما نرمي الحمل كله على نادية.
...
بالليل...
رجع البيت.
لقى نادية قاعدة في البلكونة بتشرب شاي.
قعد جنبها.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال
أنا مدينلك باعتذار.
بصتله، لكنه كمل قبل ما تتكلم.
مش عشان موضوع النهارده بس... عشان كل مرة قبل كده.
نادية ما ردتش.
كانت مستنياه يكمل.
قال
أنا كنت فاكر إنك طالما ساكتة، يبقى راضية.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
السكوت عمره ما كان معناه رضا.
نزل برأسه في الأرض.
ولأول مرة من سنين...
بدأ يسمعها من غير ما يقاطعها.
لكن في اللحظة دي، رن هاتف نادية.
رقم غريب.
ردت باستغراب
ألو؟
جالها صوت هادئ بيقول
مساء الخير... حضرتك الأستاذة نادية؟ مع حضرتك مدير الشركة اللي قدمتي فيها استقالتك.
نادية اعتدلت في قعدتها.
أيوه.
قال الرجل
إحنا محتاجين نقابلك بكرة الصبح ضروري... لأن فيه قرار جديد بخصوص استقالتك، والقرار ده ممكن يغيّر حاجات كتير بعد ليلة طويلة من التفكير، راحت نادية الشركة وهي مش عارفة مستنياها إيه.
دخلت مكتب المدير، فابتسم أول ما شافها وقال
إحنا رفضنا استقالتك.
استغربت وقالت إزاي؟ أنا مضيت كل الأوراق.
رد وهو يناولها ملفًا
لأنك من أكفأ الموظفين عندنا، ومجلس الإدارة وافق ينقلك لقسم جديد، بمرتب أعلى، وساعات عمل مرنة، ولو احتجتي تشتغلي من البيت يومين في الأسبوع هنوفر ده.
خرجت نادية من الشركة وهي حاسة إن ربنا عوضها عن كل تعبها.
ولما رجعت البيت، كان طارق مستنيها.
أول ما شافها، قال
أنا فكرت في كل كلمة قولتيها.
طلع من جيبه مفتاح الشقة اللي كانت هتقعد فيها ياسمين، وقال
من النهارده، أي قرار يخص بيتنا هنأخده سوا. وأختي هتقعد في شقتها، وأنا هساعدها مع جوزها وأمي، لكن من غير ما يكون ده على حسابك.
بعد يومين، ولدت ياسمين التوأم بالسلامة.
واتقسمت المسؤوليات بين جوزها، وأمها، وأخوها، وكل واحد كان بيعمل دوره.
ولأول مرة، اكتشفوا إن خدمة شخص واحد للعيلة كلها ما كانتش ضرورة... كانت مجرد عادة غلط اتعودوا عليها.
بعد أسبوع، ياسمين زارت نادية وهي شايلة واحد من التوأم.
قعدت قدامها وقالت بصوت هادي
أنا كنت فاكرة إن اللي كنتي بتعمليه واجب، ومفكرتش مرة أشوف تعبك. حقك عليا.
ابتسمت نادية وقالت
الاعتذار الحقيقي إن اللي حصل مايتكررش.
هزت ياسمين رأسها وقالت
وعد.
أما حماتها، فكانت في البداية متضايقة، لكن مع الوقت شافت إن البيت ما اتخربش لما اتوزعت المسؤوليات، بالعكس... بقى كل واحد شايل نصيبه، والخلافات قلت.
وبعد شهر، كانت نادية واقفة في شرفة بيتها بتشرب قهوتها قبل ما تروح شغلها الجديد.
بصت لطارق وهو بيجهز الفطار بنفسه، فابتسمت.
قال لها وهو بيحط الأطباق على السفرة
عارفة إيه أكبر درس اتعلمته؟
قالت إيه؟
ابتسم وقال
إن الزوجة شريكة في البيت... مش خدامة للعيلة.
ابتسمت نادية، ومسكت فنجان القهوة، وحست لأول مرة من سنين إن بيتها بقى بيتها فعلًا.
تمت.