كل مرة بقلم رشا خالد
المحتويات
تقريبًا...
رن جرس الباب مرة تانية.
دخلت الست فريدة ومعاها ياسمين، وكانت شايلة شنطة صغيرة لأنها جاية تطمن على الأوضة قبل النقل.
أول ما شافوا الراجل والملفات قدامه، وقفوا مكانهم.
حماتها سألت باستغراب
هو فيه اجتماع ولا إيه؟
ردت نادية بابتسامة هادئة
أيوه... اجتماع قبل ما أي حد يدخل البيت.
ياسمين ضحكت بسخرية.
إيه يا بنتي؟ هو إحنا هنمضي عقد؟
نادية بصتلها وقالت
تقريبًا... لأن اللي حصل في المرتين اللي فاتوا عمره ما هيتكرر.
وسحبت من الملف ورقة تانية.
وقالت
الورقة دي فيها شروط وجود أي ضيف في البيت... والكل هيقراها قبل ما يقعد.
ساد الصمت في المكان...
ونظرات الاستغراب بقت على وشوش الجميع...
لكن محدش كان يعرف إن فيه بند واحد في الورقة دي، لو اتقري بصوت عالي، هيقلب البيت كله في اللحظة دي...نادية مسكت الورقة، وبصت لكل اللي قاعدين قدامها، وقالت بهدوء
قبل ما أقرأ، أحب أوضح حاجة... الورقة دي مش معمولِة مخصوص لياسمين. دي قواعد لأي حد هيقعد في بيتي، مهما كان مين.
حماتها اتنفست بضيق وقالت خلصينا بقى من التمثيلية.
بدأت نادية تقرأ
البند الأول مدة الإقامة تكون بالاتفاق بين أصحاب البيت والضيف، وأي تمديد لازم بموافقة الطرفين.
ياسمين هزت كتفها وقالت عادي.
البند التاني كل شخص مسئول عن احتياجاته الشخصية واحتياجات أطفاله، إلا لو حد عرض المساعدة من نفسه.
حماتها قالت بسرعة وده طبيعي.
نادية كملت وكأنها ما سمعتش.
البند التالت مفيش أوامر. أي طلب يبقى بصيغة طلب، ومن حق الطرف التاني يوافق أو يرفض.
طارق بدأ يحس إن الجو بيتوتر.
لكن نادية وقفت لحظة، وبعدين قالت
أما البند الرابع...
ورفعت عينيها وبصت مباشرة لطارق.
...فهو أهم بند.
سكت الكل.
لو حصل أي تجاوز، أو محاولة تحميلي مسئوليات مش مسئوليتي، أو أي إساءة بالكلام... الضيف هينهي إقامته في نفس اليوم، بدون نقاش.
اتغيرت ملامح الست فريدة.
يعني هتطردي بنتي؟!
ردت نادية بمنتهى الهدوء
لا... أنا بقول من دلوقتي حدود بيتي.
ياسمين قالت وهي بتحاول تضحك
يا بنتي هو إحنا رايحين فندق؟
ابتسمت نادية لأول مرة.
لأ... عشان كده بالذات لازم يكون فيه احترام.
...
فضل الصمت مسيطر ثواني.
الأستاذ سامح قفل الملف وقال
أنا خلصت مهمتي.
قام وسلم على الجميع وخرج.
لكن قبل ما يقفل الباب، قال جملة خلت الكل يبص لنادية
مدام نادية... القرار الأخير لسه ماقولتيهوش.
طارق لف ناحيتها بسرعة.
قرار إيه؟
نادية أخدت نفس عميق، واتجهت ناحية الدولاب في الصالون.
فتحت أحد الأدراج، وطلعت ظرف بني كبير.
حطته قدام طارق.
افتحه.
فتح الظرف ببطء...
ولقى جواه مجموعة أوراق، وإيصالات، وعقود، وصور.
وبينهم ورقة مكتوب عليها بخط إيد نادية
كشف بكل اللي صرفته وخدمته في المرتين اللي فاتوا... يوم بيوم.
رفع عينه مذهول.
إيه ده؟!
قالت بهدوء
بقالي تلات سنين بسجل كل حاجة... كل يوم أخدت فيه إجازة، كل خصم من مرتبي، كل طلبات اتطلبت مني، وكل مصاريف خرجت من جيبي.
بدأ يقلب الورق بسرعة...
وكانت الأرقام أكبر بكتير مما كان يتخيل.
أما حماته... فمدت إيدها تاخد الورق تشوفه بنفسها.
لكن أول ما وصلت للصفحة الأخيرة...
شهقت فجأة، وقالت بصوت منخفض
هو... هو إنتي عملتي ده كله؟!نادية هزت رأسها وقالت
أيوه... وكل رقم في الورق ده معاه إثبات.
طلعت من الظرف شوية فواتير قديمة، وإشعارات خصم من المرتب، وحتى مذكرات صغيرة كانت كاتبة فيها تاريخ كل يوم.
قالت وهي بتقلب الصفحات
اليوم الأول... إجازة بدون مرتب.
اليوم السابع... خصم بسبب التأخير.
اليوم الخامس عشر... دفعت تمن علاج لياسمين لما جوزها كان مسافر.
اليوم التاسع والعشرين... اشتريت حفاضات ولبن أطفال لأنهم خلصوا.
ياسمين كانت بتبص في الأرض، ووشها بدأ يحمر.
أما طارق فكان بيقلب الورق في صدمة.
قال أنا... أنا مكنتش أعرف.
ردت نادية بهدوء
لأنك عمرك ما سألت.
سكت.
دي كانت أول مرة يحس إنه كان بعيد عن تفاصيل اللي بيحصل جوه بيته.
حماته حاولت تغير الموضوع وقالت
طيب ما خلاص... اللي فات مات.
نادية بصتلها وقالت
اللي فات مات بالنسبة لكم... لكن بالنسبة ليا هو السبب اللي خلاني أوصل للمرحلة دي.
وقفت، وجمعت الورق تاني.
وقالت
أنا لا زعلانة من ياسمين، ولا بكره حد. بس مش هكرر نفس الغلط.
في اللحظة دي، رن تليفون ياسمين.
بصت للشاشة، وردت بسرعة.
ألو... أيوه يا دكتور.
الكل سكت وهو مستني.
بعد أقل من دقيقة، قفلت المكالمة وهي ملامحها اتغيرت.
قالت بتوتر
الدكتور بيقول لازم ألتزم بالراحة من بدري... وممكن أولد قبل المعاد لو حصل أي مجهود.
حماتها قامت من مكانها وهي مرتبكة.
يبقى لازم ننقلها عند نادية من بكرة.
لكن نادية ردت بهدوء
أنا قلت موقفي.
طارق بص بين أمه ومراته، لأول مرة حاسس إنه هو اللي لازم ياخد قرار.
لكن قبل ما يتكلم...
رن جرس الباب مرة تانية.
فتح الباب...
ولقى شخصًا واقفًا ومعاه ورقة مختومة، وقال
حضرتك الأستاذ طارق؟ معايا حاجة لازم تتسلم لحضرتك شخصيًا.
طارق استلم الظرف وهو مستغرب، ولما بص على الجهة اللي باعت الخطاب... اتغير لون وشه فجأة، وقال
إزاي... وليه الخطاب ده جه دلوقتي؟!نادية قربت منه وقالت
فيه إيه؟
طارق فضل باصص للظرف ثواني، وبعدها فتحه بإيده المرتعشة.
قرأ أول سطر... وسكت.
حماته قالت بعصبية
ما تنطق يا ابني!
ناولها الورقة من غير كلام.
بصت فيها بسرعة، وبعدها قالت باستغراب
دي ورقة من إدارة الشركة؟
طارق هز رأسه.
كان الخطاب بيفيد إن الشركة وافقت على طلب النقل اللي كان مقدمه من شهرين، وإنه مطلوب يستلم شغله الجديد في فرع تاني خارج المحافظة خلال أسبوع.
ياسمين قالت بدهشة
إنت مقدم نقل؟! وإحنا أول مرة نعرف!
طارق رد بصوت واطي
كنت مقدمه من زمان... ولسه الرد وصل.
حماته اتوترت.
يعني هتسيبنا وتمشي؟!
قال
أنا كنت فاكر الطلب هيرفض، عشان كده ماقولتش لحد.
بصت نادية للورقة، لكنها ماعلقتش.
حماته قالت بسرعة
خلاص... قدم اعتذار وخليك هنا. أهم حاجة دلوقتي ياسمين.
طارق سكت.
دي كانت أول مرة يحس إنه محطوط بين كل الأطراف.
نادية قالت بهدوء
القرار قرارك... لكن متاخدوش عشان ترضي حد على حساب حد.
الجملة وقعت في المكان بصمت.
...
بعد ساعة، مشيت ياسمين وحماتها، وكل واحدة فيهم كانت ماشية وهي متضايقة.
البيت بقى هادي.
طارق كان قاعد في الصالون، والظرف قدامه.
قال فجأة
نادية... هو إحنا بقالنا قد إيه متجوزين؟
ثمان سنين.
ابتسم ابتسامة حزينة.
أول مرة أحس إن في حاجات كبيرة كانت بتحصل وأنا مش شايفها.
ردت
لأنك كنت بتسمع من بره... ومكنتش بتسأل اللي عايش معاك.
فضل ساكت.
وبعد شوية، قام ناحية البلكونة، ووقف يبص للشارع.
وفجأة سمعوا صوت عربية وقفت قدام العمارة.
نادية بصت من الشباك.
وشافت ياسمين نازلة من العربية... لكن المرة دي ماكنتش لوحدها.
كان معاها جوزها، ووالد جوزها، ومعاهم شنط سفر كتير جدًا.
نادية عقدت حاجبيها.
وقالت باستغراب
هم... جايين هنا بالشنط كلها ليه؟
وفي نفس اللحظة، طلع صوت جرس الباب يدق بشكل متواصل... كأن اللي بره مستني يدخل بأي طريقة طارق اتجه ناحية الباب وهو متوتر.
فتح الباب...
لقى ياسمين واقفة وهي ماسكة بطنها، وجوزها شايل شنطتين كبار، ووراهم والده شايل كرتونة مليانة حاجات أطفال.
أول ما حماتها شافت الباب اتفتح، دخلت من غير ما تستأذن وقالت بثقة
يلا يا جماعة... دخّلوا الشنط على الأوضة اللي في آخر الطرقة.
جوز ياسمين انحنى عشان يشيل أول شنطة.
لكن قبل ما يعدي العتبة...
طلع صوت نادية هادي، لكنه حاسم
استنى مكانك.
الكل وقف.
حتى الجيران اللي كانوا طالعين على السلم بصوا ناحيتهم من ارتفاع الأصوات.
نادية قربت لحد الباب وقالت
إحنا لسه متفقناش على أي حاجة، ومحدش هيدخل شنطة واحدة قبل ما نتكلم.
حماتها قالت بعصبية
يعني هنسيب البنت واقفة على الباب؟!
ردت نادية
أنا مقولتش كده... لكن مش هينفع حد يفرض نفسه على بيتي.
ياسمين بصت لجوزها وقالت
دخل الشنط.
لكن جوزها وقف مكانه، وبص لطارق.
إحنا مش عايزين
متابعة القراءة