تزعل ده ايه حكايات نورهان العشري

لمحة نيوز

قاعدة قدام الراجل اللي كان بيفحص لها الأوراق.
فتح الملف قدامها، وقال
بصي يا مدام ماجدة... فيه ورق كله سليم، لكن فيه ورقتين محتاجين تفسير.
ناولها الورقة الأولى.
كانت إقرارًا موقعًا منها بأنها تستلم كل مستحقاتها المالية بنفسها، وده كان طبيعي.
أما الورقة التانية...
فكانت توكيلًا محدودًا كانت فاكرة إنه خاص بإنهاء بعض الإجراءات.
لكن الراجل قال وهو بيشاور على السطور
التوكيل ده استخدم في حاجات أكتر من اللي اتقالك وقتها.
اتسعت عيناها.
يعني إيه؟
قال يعني في معاملات مالية تمت باسمه، اعتمادًا على التوكيل ده. من الناحية القانونية لازم نعرف حدود اللي حصل، وهل كان بعلمك ولا لأ.
حست إن الأرض بتميد بيها.
مش لأنها خسرت فلوس...
لكن لأنها اكتشفت إن ثقتها كانت بتتستغل خطوة بخطوة.
...
في نفس الوقت، كان البيت مقلوب.
حماتها كانت بتزعق في سعد.
شوفت عملت إيه؟! ضيعت الجوازة!
رد سعد بعصبية لأول مرة أنا اللي ضيعتها؟! حضرتك اللي كنتِ مستعجلة على كل حاجة!
اتفاجأت إنه بيرد عليها.
قالت بغضب يعني هترميني أنا؟
قال أنا تعبت... عشر سنين وأنا بسمع كلامك في كل كبيرة وصغيرة.
ساد صمت ثقيل.
أول مرة الأم وابنها يقفوا في وش بعض.
...
أما ماجدة...
فرجعت البيت قبل المغرب.
دخلت أوضة أولادها.
كانوا بيلعبوا مع بعض، وأول ما شافوها جريوا .
وقالت في نفسها
أنا معركتي مش علشان أنتقم... معركتي علشان محدش يهز أمان ولادي.
وفي اللحظة دي سمعت صوت جرس الباب.
الخادمة فتحت.
وبعد ثوانٍ دخل رجل كبير في السن، معروف عند العيلة كلها.
كان من كبار العائلة، وكلمته مسموعة عند الجميع.
بص لماجدة وقال
يا بنتي... فيه مجلس عيلة الليلة، وكل الأطراف لازم تحضر.
ثم أضاف بنبرة جادة
وفيه شخص هيحضر الاجتماع... محدش كان متوقع يرجع يتكلم بعد كل السنين دي.
نظرت إليه ماجدة باستغراب.
وسألت مين؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
أول واحد يعرف السر الحقيقي اللي اتبنت عليه كل الحكاية... واللي هيغير نظرة الجميع للأحداث ماجدة فضلت طول الطريق للمجلس تفكر في كلام الراجل.
مين الشخص اللي يعرف السر؟
وصلت لبيت كبير العيلة، وكان كل الكبار قاعدين.
سعد دخل بعد دقائق، ووشه شاحب، وحماته كانت ماشية جنبه بثقة مصطنعة، لكنها كانت كل شوية تبص على الباب كأنها خايفة من حد.
بعد شوية، الباب اتفتح.
دخل رجل في أواخر الستينات، أول ما شافته ماجدة عرفته.
كان عم خطيبها الأول... أخو والد سعد.
من يوم وفاة ابنه، وهو ساب البلد وسافر يعيش عند ابنه التاني، ونادر جدًا ما كان بينزل.
أول ما قعد، قال بدون مقدمات
أنا حضرت النهارده علشان ضميري بقى وجعني.
الكل سكت.
حمات ماجدة قالت بتوتر الكلام ده وقته إيه دلوقتي؟
بصلها وقال وقته من عشر سنين... لكن أنا اللي اتأخرت.
لف ناحية ماجدة وقال يا بنتي... يوم ما اتجوزتي سعد، كنت فاكر إنكم هتعيشوا في ستر وربنا يصلح بينكم، لكن اكتشفت بعدين إن في حاجات كانت بتحصل من وراك.
سعد رفع رأسه بسرعة.
حاجات إيه يا عمي؟
رد بهدوء أمك كانت كل ما يحصل بينك وبين مراتك خير، تدخل تبوظه... وكل ما تحاولوا تستقلوا بحياتكم، كانت تمنعك.
حماته صرخت بتتهمني قدام الناس؟
قال بحزم لا... أنا بقول اللي شوفته بعيني.
ثم أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
كان عليه آثار الزمن.
قال الظرف ده وصلني من أخوك الله يرحمه قبل الحادث بأيام، وطلب مني لو حصله حاجة أوصله لماجدة.
ارتجفت إيد ماجدة.
ليا أنا؟
هز رأسه.
فتح الظرف، وأخرج منه ورقة مكتوبة بخط اليد.
ناولها لماجدة.
كانت الرسالة قصيرة، لكنها هزت قلبها.
لو ربنا كتبلي عمر غير عمرك، أوعى تحملي نفسك ذنب أي حاجة. وإوعي تسمحي لحد يكسرك أو يتحكم في حياتك. إنتِ تستحقي تعيشي مرفوعة الرأس.
انهمرت دموع ماجدة.
أما حماتها، فكان وشها شاحبًا بشكل واضح.
لكن الرجل لم ينتهِ من كلامه.
قال وهو ينظر مباشرة إليها
وفيه حاجة تانية... أنا ساكت عليها سنين.
ابتلع الجميع ريقهم.
وأضاف
يوم اقترحتِ جواز سعد من ماجدة، ما كانش علشان العادات وبس... كان عندك سبب تاني، والسبب ده لو اتقال النهارده... هيغير نظرة سعد لكل اللي حصل في حياته.
سعد وقف من مكانه وقال بانفعال
قصدك إيه يا عمي؟
نظر الرجل إليه طويلًا، ثم قال
اقعد يا سعد... لأن اللي هتسمعه دلوقتي... مش هيكون سهل عليك جلس سعد وهو يحاول يتمالك أعصابه، وكل الموجودين بقوا منتظرين الكلمة اللي هتخرج من الراجل الكبير.
تنهد وقال
بعد وفاة أخوك، أمك كانت خايفة البيت يتفكك، وكانت شايفة إن وجود ماجدة معاكم هيحافظ على الأولاد اللي كانوا لسه هييجوا بعدين، ويحافظ على اسم العيلة. لكن بعد الجواز بفترة، بدأت تندم... لأن الناس كلها بقت تمدح في ماجدة، وإنت بقيت متعلق بيها وبتسمع كلامها أكتر من كلام أمك.
حمات ماجدة حاولت تقاطعه كفاية بقى...
لكن كبير العيلة قال بحزم سيبيني أكمل.
ثم التفت إلى سعد وقال
كل مرة كانت تحصل بينكم مشكلة، كانت أمك هي اللي تكبرها. وكل مرة كنت تنوي تنقل في بيت بعيد، كانت تقنعك إن مراتك هي السبب. ولما أبو ماجدة توفى، وشافت إن فيه معاش كبير، بدأت تفكر تستفيد من الموضوع.
ماجدة أغمضت عينيها، وكأنها بتربط كل الأحداث ببعض.
أكمل الرجل
فكرة الطلاق على الورق والجواز العرفي ما كانتش صدفة... كانت اقتراح من أمك، وهي فضلت تضغط عليكم لحد ما وافقتوا.
نظر سعد إلى أمه بصدمة.
الكلام ده صحيح؟
حماته سكتت.
فسألها مرة تانية بصوت أعلى
صحيح؟
قالت وهي تحاول تبرر
أنا كنت بعمل كده علشان مصلحتكم... الفلوس كانت هتفيدكم كلكم.
رد سعد بغضب
مصلحتنا؟! ولا مصلحتك إنتِ؟
ساد صمت ثقيل.
في اللحظة دي، دخل أحد الأولاد الصغيرين إلى المجلس وهو بيجري، وكان ابن ماجدة الصغير.
وقف قدام أبوه وقال ببراءة
بابا... ماما قالتلي مهما الكبار يزعلوا من بعض، إحنا لازم منكدبش على بعض.
الجملة كانت بسيطة...
لكنها نزلت على سعد كأنها صفعة.
بص لابنه، ثم لماجدة، وشاف لأول مرة قد إيه كانت بتحاول تحافظ على بيتها رغم كل اللي اتعمل فيها.
أما ماجدة، فكانت واقفة في هدوء.
هي ما قالتش كلمة انتقام...
ولا شتمت...
ولا فضحت حد.
لكن مجرد ظهور الحقيقة قدام الجميع كان كافي يغيّر نظرة العيلة كلها.
وفي آخر المجلس، وقف كبير العيلة وقال
الكلام لسه مخلصش... لأن فيه حسابات مالية لازم تتراجع، وحقوق لازم ترجع لأصحابها، والموضوع مش هيتقفل الليلة.
نظر الجميع إلى بعضهم في قلق...
وعرفت ماجدة أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد خرجت العيلة من المجلس وكل واحد فيهم ساكت.
ولا حد كان قادر يبص في عين التاني.
سعد ركب عربيته، وماجدة ركبت معاه عشان الأولاد، لكن الطريق كله كان صامت.
لما وصلوا البيت، نزلت ماجدة بهدوء، ودخلت تحضر العشا للأطفال كأن اليوم عادي.
سعد وقف عند باب المطبخ وقال بصوت منخفض
ماجدة... أنا محتاج أتكلم معاكي.
من غير ما تبصله قالت
بعد ما الولاد يناموا.
...
بعد ما نام الأطفال، قعدت قدامه في الصالون.
كان أول مرة من سنين يقعدوا قدام بعض من غير ما تكون حماته موجودة.
قال سعد وهو مطأطئ رأسه
أنا ظلمتك.
ردت بهدوء
ظلمتني لما صدقت غيري أكتر ما صدقتني.
أنا كنت فاكر إني بعمل الصح.
لا... إنت كنت بتريح ضميرك، لكن عمرك ما سألت نفسك أنا كنت حاسة بإيه.
سكت، وماعرفش يرد.
ثم قالت
أنا مش زعلانة عشان الفلوس... الفلوس بتتعوض.
أنا زعلانة إنك خليتني أشك في نفسي سنين، وكل ما أمك تقلل مني كنت تسكت.
نزلت دموع سعد لأول مرة.
سامحيني.
بصتله طويلًا وقالت
السماح كلمة كبيرة... وليها تمن.
...
في صباح اليوم التالي، كانت حماتها قاعدة في بيتها، وهي متأكدة إن سعد هييجي يرضيها زي كل مرة.
لكنها اتفاجأت بحد بيخبط على الباب.
فتحت.
لقيت سعد.
ابتسمت وقالت
عرفت إنك هتيجي.
لكنه دخل من غير ما يرد.
وقف في نص الصالة وقال
من النهارده... حياتي أنا اللي هقررها.
وشها اتغير.
يعني إيه؟
يعني مفيش تدخل في بيتي بعد كده.
إنت بتكلمني أنا كده؟
آه... لأن كل اللي حصل سببه إنك كنتِ بتدخلي بيني وبين مراتي.
صرخت
دي لعبت في دماغك!
رد بهدوء
لا... الحقيقة هي اللي صحّتني.
وفي اللحظة دي، مد إيده على الطرابيزة، وحط مفتاح البيت الاحتياطي اللي كان معاها.
وقال
المفتاح ده هيفضل هنا.
ولو حبيتي تشوفينا... يبقى بعد ما تستأذني.
حماته بصتله مذهولة.
لأول مرة في حياتها...
ابنها خرج من تحت سيطرتها.
لكنها وهي واقفة مكانها، افتكرت فجأة شيئًا مهمًا جدًا...
فتحت درجًا قديمًا بسرعة، وبدأت تدور بعصبية.
مرة... واتنين... وتلاتة.
وفجأة صرخت
مستحيل!
كان فيه ظرف اختفى من الدرج...
الظرف الوحيد اللي كانت مخبياه من عشر سنين...
ولو وقع في إيد ماجدة...
هيكشف سرًا كانت مستعدة تخسر أي حاجة... إلا إنه يطلع للنور في نفس اللحظة، كانت ماجدة قاعدة في أوضتها، ترتب الأوراق اللي جمعتها خلال الأيام اللي فاتت.
رن جرس الباب.
فتحت بنتها مريم، ولقت راجل كبير في السن واقف، ماسك ظرف بني قديم.
قال باحترام
مدام ماجدة موجودة؟
خرجت ماجدة، ولما شافته استغربت.
أيوه... خير؟
ناولها الظرف وقال
الأمانة دي كانت عندي من سنين، وصاحبها طلب مني أسلمها ليكي في الوقت المناسب. ولما سمعت اللي حصل في مجلس العيلة، عرفت إن الوقت جه.
أخذت الظرف وهي مستغربة.
كان مقفول بالشمع الأحمر، وعليه اسمها بخط واضح.
دخلت أوضتها وقفلت الباب.
فتحت الظرف ببطء...
كان فيه عدة أوراق، وفوقهم ورقة صغيرة مكتوب فيها
الأوراق دي احتفظي بيها، لأنها ممكن تحتاجيها لو حد حاول يضيع حقك أو حق أولادك.
بدأت تقلب الأوراق واحدة واحدة.
إيصالات...
وصور لمستندات...
ومذكرة بخط اليد فيها تواريخ وأحداث.
كل ورقة كانت بتأكد حاجة واحدة...
إن في ناس كانت بترتب لبعض القرارات من سنين، وإن جزءًا كبيرًا من اللي حصل ما كانش وليد اللحظة.
في الوقت نفسه...
كانت حماتها لسه بتقلب البيت رأسًا على عقب.
دخلت عليها جارتها وقالت
بتدوري على إيه؟
ردت بعصبية
ظرف... لو وصل لماجدة، كل اللي بنيته هيقع.
سألتها الجارة
هو فيه إيه في الظرف؟
حماتها سكتت لحظة، ثم قالت
فيه حاجة تثبت إن كل خطوة كنت بخطط لها... من أول موضوع المعاش، لحد محاولة إبعاد ماجدة عن البيت.
وفجأة...
رن هاتف ماجدة.
نظرت إلى الشاشة.
كان رقمًا غير مسجل.
ردت.
جاءها صوت رجل هادئ يقول
مدام ماجدة... أنا عندي معلومات مهمة جدًا تخص الأوراق اللي معاكي، لكن الكلام ده مينفعش في التليفون. لازم نتقابل.
سألته بحذر
حضرتك مين؟
رد
هتعرفيني أول ما تشوفيني... لكن أوعي تقولي لأي حد إنك كلمتيني.
ثم أغلق الخط.
أمسكت ماجدة الهاتف، ونظرت إلى الظرف مرة أخرى.
كان إحساسها بيقول إن الخطوة الجاية... هتكشف الحقيقة كاملة، لكن في نفس الوقت، هتدخلها في مواجهة أصعب من أي مواجهة خاضتها من قبل في اليوم التالي، خرجت ماجدة من البيت بعد ما وصلت الأولاد للمدرسة الصيفية.
ما قالتش لسعد هي رايحة فين.
كانت عايزة تعرف الحقيقة بنفسها الأول.
وصلت للمكان اللي الراجل حدده، كان مكتب محاماة قديم في وسط البلد.
أول ما دخلت، قام رجل في الخمسينات من عمره ورحب بيها.
قال
أنا آسف إني كلمتك بالطريقة دي... لكن كان لازم أتأكد إن محدش هيكون معاكي.
قالت بحذر
حضرتك تعرفني؟
ابتسم وقال
أعرف والدك الله يرحمه... وأعرف إنه كان راجل ما يحبش يسيب حق حد.
مد لها ملفًا سميكًا.
الملف ده وصلني من فترة، لكن ما كانش ينفع أسلمه غير لصاحبته.
فتحت الملف.
لقيت نسخًا من أوراق كانت شافتها قبل كده، لكن المرة دي معاها ملاحظات مكتوبة بخط اليد.
سألته
يعني إيه الكلام ده؟
قال
والدك قبل وفاته كان مرتب جزءًا من أمواله لأولاده بالتساوي، وكان حريص إن نصيبك يفضل باسمك، وما يتصرفش فيه إلا بموافقتك الكاملة. بعد وفاته، حصلت إجراءات كتير، ولازم نراجعها علشان نتأكد إن كل حاجة تمت بشكل صحيح.
تنفست ماجدة الصعداء.
على الأقل، مفيش حاجة ضاعت من غير أمل.
قال المحامي
تم نسخ الرابط