تزعل ده ايه حكايات نورهان العشري
لها، لكن الست الكبيرة استعجلت، وقالت إنهم مستعجلين، وإن كل حاجة مفهومة بينهم.
سكت لحظة ثم أضاف
لو كنت أعرف إن الموضوع هيعمل كل المشاكل دي، كنت أصريت إنها تقرأ كل كلمة.
أغلق سعد الهاتف ببطء.
ثم التفت إلى ماجدة وقال
خلاص... بقى عندنا شاهد على اللي حصل.
ابتسمت ماجدة لأول مرة منذ أيام.
لكن في نفس اللحظة، رن هاتف سعد.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل... أمه.
رد عليها.
جاءه صوتها باكيًا
يا سعد... تعالى بسرعة.
اتسعت عيناه.
في إيه؟
ردت بصوت متقطع
البيت... البيت ولع في أوضة المخزن... والناس بتقول إن النار بدأت من الدرج اللي كنت حاطة فيه الورق القديم.
نظر سعد إلى ماجدة في صدمة.
أما ماجدة، فلم تقل كلمة واحدة.
فقط أمسكت الملف الأزرق بقوة... وأدركت أن آخر ما تبقى من أسرار الماضي قد يكون تحول إلى رماد، أو أن هناك من يحاول أن يجعل الجميع يصدق ذلك في الليلة دي، ماجدة ما غمضتلهاش عين.
كانت كل شوية تقوم تتأكد إن الفلاشة لسه في مكانها.
أما سعد، فكان قاعد في الصالة، بيفكر.
قال فجأة
فيه حاجة مش راكبة.
خرجت ماجدة من الأوضة.
إيه؟
اللي دخل البيت كان عارف مكان الأوضة... وعارف إنه بيدور على الظرف بالذات. يعني حد قريب مننا.
سكتت لحظة، ثم قالت
أو حد سمع كلامنا في مجلس العيلة.
هز سعد رأسه.
وارد.
وفي الصباح، نزل سعد يراجع كاميرات العمارة.
حارس العقار قال
الكاميرا اللي على المدخل كانت بايظة اليوم ده، لكن كاميرا المحل اللي قدام العمارة ممكن تكون جابت حاجة.
راحوا لصاحب المحل.
فتح التسجيل.
ظهر شخص لابس كاب وجاكيت واسع، داخل العمارة في وقت الظهر.
وشه ما كانش باين.
لكن وهو خارج...
وقع منه شيء صغير على الأرض، وانحنى أخذه بسرعة.
صاحب المحل وقف الصورة وقال
استنى...
كبر الصورة.
كان في إيد الشخص خاتم فضة مميز، عليه فص أسود.
ماجدة شهقت.
الخاتم ده...
سعد بص لها بسرعة.
تعرفيه؟
قالت
أيوه... شوفته قبل كده.
فين؟
سكتت ثواني، وهي بتحاول تفتكر.
وفجأة قالت
الخاتم ده كان في إيد ابن خال حماتك... نفس الخاتم، ونفس الشكل.
رد سعد بسرعة
لأ... منستعجلش. مجرد شبه.
قال صاحب المحل
لو حبيتوا، خدوا نسخة من الفيديو.
أخذ سعد النسخة.
وفي طريق العودة، قال
مش هنتهم حد من غير دليل.
ردت ماجدة
وأنا آخر واحدة تتهم حد ظلم.
...
في المساء، كان ابن خال حماته قاعد عندها.
أول ما دخل قالت له بتوتر
عملت إيه؟
رد وهو منزعج
قلبت البيت كله... لكن ملقيتش اللي كنتي وصفتيه.
شهقت وقالت
يعني الظرف مش معاك؟
قال
لقيت ظرف... طلع كله صور قديمة وورق عادي. رميته.
اتغير لون وشها.
رميته؟!
أيوه... لأنه مالوش لازمة.
حطت إيدها على رأسها وقالت
يبقى أهم حاجة لسه عندها...
سألها
هي إيه الحكاية دي كلها؟
ردت وهي تنظر أمامها في شرود
أنا كنت فاكرة إني هقدر أصلح كل حاجة بطريقتي... لكن كل ما أعمل خطوة، الدنيا بتتقلب عليا.
وفي نفس اللحظة...
كان سعد يفتح الفلاشة على جهاز الكمبيوتر.
ظهرت عشرات الملفات.
لكن ملفًا واحدًا كان عليه كلمة واحدة فقط
اقرأني أولًا.
نظر إلى ماجدة وقال
ده مش أنا اللي سميته كده.
ضغطت ماجدة على الملف...
فظهرت رسالة قصيرة، جعلت الاثنين ينظران إلى بعضهما في صدمة
إذا وصلتوا للرسالة دي... فاعرفوا إن في حد حاول قبل كده يخفي الحقيقة، لكن الحقيقة عمرها ما بتضيع انطلق سعد وماجدة بسرعة إلى بيت والدته.
لما وصلوا، لقوا عربية المطافي واقفة قدام البيت، والجيران متجمعين.
النار كانت اتطفت، لكن ريحة الدخان مالية المكان.
دخل سعد يجري.
أمي... إنتِ كويسة؟
كانت قاعدة في الصالة، ملامحها مرهقة، لكنها بخير.
قالت وهي بتعيط
المخزن كله اتحرق.
دخل سعد يشوف بنفسه.
المخزن كان أسود من أثر الدخان.
الرفوف الخشبية اتحرقت، وكرتين قدام اتفحموا.
لكن ماجدة كانت واقفة عند الباب، وعينيها بتلف في المكان.
وفجأة قالت
غريبة...
لف سعد ناحيتها.
إيه اللي غريب؟
أشارت ناحية الرف الأخير.
النار وصلت لكل حاجة... إلا الرف ده.
اقترب سعد.
فعلاً... الرف الأخير كان عليه طبقة دخان، لكنه ما اتحرقش.
بدأ يبعد الكراتين.
وفجأة وقع صندوق معدني صغير على الأرض.
بصت حماته للصندوق، واتغير لون وشها.
جريت بسرعة وهي بتقول
سيبوه... ده مفيهوش حاجة.
لكن كبير رجال المطافي، اللي كان لسه بيكتب تقريره، قال
طالما التحقيق شغال، محدش يفتح ولا ينقل أي حاجة دلوقتي.
حمات ماجدة سكتت.
لكن ارتباكها كان واضح.
بعد انتهاء المعاينة، سُمح لسعد يفتح الصندوق.
فتح القفل.
كان جواه...
شوية صور قديمة.
وشهادات ميلاد.
ودفتر صغير جدًا، جلد بني.
أول ما شافته حماته، حاولت تمد إيدها تاخده.
لكن سعد كان أسرع.
فتح أول صفحة.
كانت مجرد مواعيد ومصاريف قديمة.
قلب الصفحة التانية...
ثم التالتة...
وفجأة وقف.
قال
دي... أسماء؟
اقتربت ماجدة.
كان الدفتر فيه تواريخ، وأمام كل تاريخ ملاحظات قصيرة بخط حماته.
مثل
اتكلمت مع سعد وخليته يرفض السفر.
قلت لماجدة إن سعد زعلان منها.
أجلت نقلهم للشقة الجديدة.
لازم أفضل متابعة كل خطوة.
ساد صمت مرعب.
حماته أغلقت عينيها.
عرفت أن الدفتر الذي كانت تخفيه سنوات... وقع في يد ابنها.
رفع سعد رأسه، وعيناه مليئتان بالدموع.
وقال بصوت مكسور
كل ده... كان مكتوب؟
لم تستطع أمه الرد.
أما ماجدة، فلم تنطق بكلمة.
اكتفت بإغلاق الدفتر بهدوء، وقالت
أحيانًا... الإنسان بيكتب بنفسه الدليل اللي يدينه.
ثم وضعت الدفتر داخل الملف الأزرق، بينما كان سعد ينظر إلى أمه نظرة لم تنظرها عين ابن لأمه من قبل... نظرة امتزج فيها الحزن، والخذلان، والأسى سعد فضل ماسك الدفتر بإيده، وكل صفحة يقلبها كان قلبه بيتقطع أكتر.
في آخر الدفتر، لقى جملة مكتوبة بخط أمه
البيت لازم يفضل تحت إيدي... حتى لو الكل زعل.
قفل الدفتر ببطء، وبص لأمه.
قال بصوت هادئ، لكنه مليان وجع
ليه يا أمي؟
سكتت.
أنا عمري ما قصرت معاكي... ليه عملتي فينا كل ده؟
انفجرت في العياط.
وقالت لأول مرة من غير عناد
كنت بخاف.
استغرب سعد.
تخافي من إيه؟
من الوحدة... أبوك مات بدري، وإنت كنت سندي. كنت كل ما أحس إنك بتبعد عني، أتصرف غلط علشان أفضل قريبة منك. وفي كل مرة كنت أقول آخر مرة... لكن كنت برجع أعمل نفس الغلط.
ماجدة كانت واقفة تسمع.
كلام حماتها ما مسحش اللي فات...
لكنه فسر حاجات كتير.
قالت حماتها وهي تبكي
عمري ما كنت عايزة أخرب بيتك... لكن خوفي وغيرة الأم العمياء خلوني أؤذيكم من غير ما أحس.
ردت ماجدة بهدوء
الخوف ممكن يخلينا نغلط... لكن الاستمرار في الغلط كان اختيار.
خفضت حماتها رأسها.
ثم قامت من مكانها، ومشت ناحية ماجدة.
وقالت بصوت مرتعش
سامحيني... لو تقدري.
سكتت ماجدة لحظات.
كل السنين اللي فاتت عدت قدام عينيها.
الإهانات...
الدموع...
الشك...
الكسرة...
ثم قالت
أنا هسامح... علشان أرتاح أنا، مش علشان أنسى.
لكن فيه حاجة لازم تتغير.
بصت ناحية سعد.
من النهارده بيتنا ليه حدوده... واحترامه... وأولادنا هيتربوا بعيد عن أي خلافات.
هز سعد رأسه موافقًا.
ثم مد إيده لماجدة.
ترددت لحظة...
ثم وضعت يدها في يده.
ابتسم لأول مرة من قلبه.
وفي اللحظة دي، جريت بنتهم مريم من باب البيت، وكانت جاية مع جدتها التانية.
حضت أمها وأبوها وهي بتضحك.
وقالت ببراءة
أخيرًا بقيتوا واقفين جنب بعض.
نظر سعد إلى ماجدة، ثم إلى أولاده.
وأدرك أن البيت الحقيقي لا يحافظ عليه المال، ولا تدخل الناس...
بل الصدق، والاحترام، وأن يحمي كل زوج شريك حياته قبل أي شيء آخر.
تمت.