تزعل ده ايه حكايات نورهان العشري

لمحة نيوز

أنا مش باتهم حد، لكن لازم كل ورقة تتراجع، لأن أي تصرف لازم يكون واضح ومثبت.
هزت رأسها وقالت
أنا مش عايزة غير حقي... وحق ولادي.
...
في نفس الوقت، كان سعد قاعد لوحده في البيت.
أخرج ألبوم الصور القديم.
قلب صفحاته.
صورة يوم فرحهم.
صورة أول مولود.
صورة العقيقة.
وصورة مريم وهي صغيرة، وهو شايلها على كتفه.
افتكر كل مرة ماجدة كانت بتقف جنبه، وكل مرة دافع فيها عن أمه وساب زوجته تزعل.
لأول مرة، حس إنه خسر حاجة أكبر من أي فلوس.
...
أما حماته، فكانت بتحاول تتصل بأكثر من شخص علشان تعرف الظرف وصل لماجدة ولا لا.
لكن كل المحاولات انتهت بلا نتيجة.
وفي آخر النهار، سمعت خبطة على الباب.
فتحت.
كان كبير العيلة.
قال لها بهدوء
بكرة بعد العصر، كل أفراد العيلة هيجتمعوا تاني.
سألته بتوتر
ليه؟
رد وهو ينظر إليها مباشرة
لأن فيه أوراق اتراجعت... وفيه حقائق اتأكدنا منها.
ثم أضاف قبل أن ينصرف
واللي هيطلع غلطان... هيعتذر قدام الجميع.
أغلق الباب خلفه.
جلست على الكرسي، وشعرت لأول مرة أن الأمور خرجت تمامًا من يدها... بينما كانت ماجدة تستعد للجلسة القادمة، وهي تعرف أن كل كلمة ستقال فيها قد تغير مستقبل عائلتها، لكنها لم تكن تعرف أن مفاجأة أخرى كانت في انتظارها داخل ذلك الاجتماع في اليوم التالي، امتلأ بيت كبير العيلة قبل الموعد بساعة.
الرجال في ناحية، والستات في ناحية، وكل واحد مستني يعرف إيه اللي هيحصل.
دخلت ماجدة وهي ماسكة إيد بنتها مريم، وبعدها بدقائق دخل سعد.
لأول مرة من سنين، مشي ناحية مراته وقعد جنبها، متجاهل نظرات أمه.
حماته عضت على شفايفها من الغيظ، لكنها ما اتكلمتش.
بعد دقائق، وقف كبير العيلة وقال
النهارده مفيش خناق... النهارده كل واحد هيسمع وبس.
أخرج ملفًا ووضعه على الترابيزة.
راجعنا كل الأوراق، واتأكدنا إن كل الإجراءات اللي تمت وقت موضوع المعاش كانت بموافقة ماجدة، لكن الموافقة دي كانت مبنية على إنها فاهمة إن الهدف مصلحة بيتها وأولادها، مش أي حاجة تانية.
لف ناحية حماتها وقال
ولو كانت عرفت إن الفلوس هتستخدم علشان يتجهز بيها جواز تاني لابنك... عمرها ما كانت هتوافق.
ساد الصمت.
حمات ماجدة قالت بعناد
وأنا عملت إيه؟ الفلوس دخلت البيت.
رد كبير العيلة
دخلت البيت... لكن النية كانت غلط.
ثم نظر إلى سعد.
وإنت غلطت لما سبت أمك تدير حياتك، من غير ما تسأل مراتك أو تحميها.
نزل سعد رأسه في الأرض.
قام من مكانه، ووقف قدام الجميع.
وقال بصوت مسموع
أنا باعتذر...
اعتذر لماجدة قدام كل العيلة.
واعتذر لأولادي...
واعترف إني قصرت في حقهم.
كل الموجودين بصوا لبعض في دهشة.
حماته قامت بعصبية وقالت
يعني هتذل أمك علشانها؟
لف سعد ناحيتها وقال بهدوء
لا يا أمي... أنا برد كرامة مراتي اللي ضاعت وأنا ساكت.
الكلمة وقعت على حماته كأنها صاعقة.
...
وقبل ما الاجتماع ينتهي، وقف واحد من أعمام سعد وقال
بما إن الحقيقة ظهرت، يبقى لازم كل واحد يرجع الحق لصاحبه.
ثم أخرج ورقة من جيبه.
دي كشف بالحسابات اللي اتصرفت من فلوس البيت في آخر كام سنة... واتفقنا كل المصاريف الشخصية اللي ملهاش علاقة بالبيت هتترد.
اتغير لون وش حماتها.
كانت أول مرة تحس إن محدش بيدافع عنها.
لكن وهي قاعدة، رفعت رأسها فجأة وقالت بثقة غريبة
إنتوا فاكرين إن دي كل الحقيقة؟
الكل بص لها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
لسه فيه حاجة محدش يعرفها... ولو قلتها دلوقتي، يمكن ماجدة نفسها هي اللي تقوم تسيب البيت بإرادتها.
نظر الجميع إلى ماجدة...
أما ماجدة، فثبتت نظرها في حماتها وقالت بهدوء
قولي... أنا مش بخاف من الحقيقة.
وساد الصمت في المجلس، بينما الجميع ينتظر الكلمة التالية من حماتها حمات ماجدة ابتسمت ابتسامة كلها تحدي، وقالت
فاكرة يا ماجدة أول سنة جواز لما سعد جاله عرض شغل في محافظة تانية؟
ماجدة هزت رأسها.
أيوه... قالولي وقتها إن الشركة رجعت في كلامها.
قالت حماتها وهي تبص لسعد
الشركة ما رجعتش في كلامها... أنا اللي قلتله يرفض.
سعد رفع رأسه فجأة.
إيه؟
أيوه... كنت عارفة إنك لو سافرت واستقليت ببيتك، عمرك ما هترجع تسمع كلامي.
ساد صمت ثقيل.
وأكملت
وكل مرة كنتوا تتفقوا على حاجة، كنت ألاقي طريقة أخليكم تختلفوا. مرة أقول لماجدة إنك زعلان منها، ومرة أقولك إنها مش مقدراك.
ماجدة أغمضت عينيها.
افتكرت مواقف كتير كانت مستغربة سببها.
مرة سعد رجع البيت متضايق من غير سبب.
ومرة هي فضلت أسبوع ما بتكلموش لأنها كانت فاكرة إنه قال عليها كلام وحش.
دلوقتي... كل حاجة بقت مفهومة.
سعد قال بصوت مكسور
يعني عشر سنين... وإحنا بنتخانق بسبب كلام منك؟
ردت أمه بمنتهى البرود
كنت بعمل اللي أشوفه صح.
وقف سعد فجأة.
لا... اللي كنتِ بتعمليه ظلم.
ثم التفت لماجدة، وقال أمام الجميع
أنا عارف إن الاعتذار مش هيصلح اللي فات... لكن أوعدك، من النهارده محدش هيتدخل بينا تاني.
ماجدة بصت له، لكن ملامحها فضلت هادئة.
قالت
الكلام سهل يا سعد... اللي صعب إن الثقة ترجع.
رد
وأنا مستعد أستنى مهما طال الوقت.
كبير العيلة ابتسم وقال
أهو ده أول كلام عاقل يتقال من الصبح.
ثم أنهى المجلس، وخرج الناس واحدًا وراء الآخر.
لكن قبل ما ماجدة تخرج، قربت منها حماتها.
وقالت بصوت واطي محدش غيرها سمعه
فاكرة إنك كسبتي؟
بصتلها ماجدة بثبات.
قالت حماتها
الحرب بينا لسه ما خلصتش.
ابتسمت ماجدة لأول مرة من قلبها، وقالت
لا يا حاجة... الحرب خلصت يوم ما الحقيقة ظهرت. اللي باقي دلوقتي... حساب كل واحد مع نفسه.
وسابتها ومشيت، بينما حماتها فضلت واقفة مكانها، لأول مرة من سنين، من غير حد يصدق كلامها أو ينفذ أوامرها مرت أيام قليلة، والبيت بقى هادئ بشكل غريب.
لا حماتها بقت تدخل عليهم كل شوية، ولا سعد بقى ينقل أي كلام من حد.
لكن الهدوء ده ما كانش معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.
كان معناه إن كل واحد بيحاول يصلح اللي اتكسر.
في صباح أحد الأيام، كانت ماجدة بتحضر الفطار، وسعد جه وقف جنبها وقال
لو وافقتي... أنا عايز نبيع البيت ده ونبدأ في مكان جديد بعيد عن أي مشاكل.
بصتله وسألته
وهتسيب أمك لوحدها؟
قال بعد تفكير
مش هسيبها... هفضل ابنها وأزورها وأصرف عليها لو احتاجت، لكن مش هسمح لحد يدخل بيني وبين مراتي تاني.
ماجدة ما ردتش.
لكن لأول مرة، حست إن الكلام خارج من قلبه.
...
في نفس اليوم، كانت حماتها قاعدة في بيتها لوحدها.
البيت اللي كان زمان مليان ناس، بقى ساكت.
ولاء وأهلها قطعوا كل علاقة.
قرايبها بقوا يزوروا ماجدة أكتر منها.
حتى الجارات اللي كانوا بيسمعوا كلامها، بقوا يقولوا
الست دي صبرت كتير.
الكلام كان بيوصلها، ويكسرها من جوا.
لكن كبرياءها كان مانعها تعترف بغلطها.
...
بعد أسبوع، مرضت حماتها فجأة.
ولما راحت المستشفى، محدش كان معاها.
أول واحد وصل كان سعد.
وبعده بدقائق...
دخلت ماجدة.
أول ما شافتها حماتها، لفت وشها الناحية التانية.
أما ماجدة، فقربت منها وعدلت لها الغطا وقالت بهدوء
سلامتك يا حاجة.
بصتلها حماتها باستغراب.
بعد كل اللي عملته فيكي... جيتي؟
ردت ماجدة
أنا جيت علشان ضميري... مش علشان الماضي.
نزلت دموع حماتها لأول مرة.
لكنها ما قدرتش تنطق.
خرجت ماجدة من الأوضة، وسابت سعد مع أمه.
وهي ماشية في طرقة المستشفى، حسّت إن الحمل اللي كان فوق قلبها من سنين بدأ يخف.
أما سعد، فخرج بعدها بدقائق، ومشي جنبها في صمت.
ثم قال
أنا فخور بيكي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت
خلي فخرك يظهر في أفعالك... مش في كلامك.
هز رأسه بالموافقة.
وسكت.
لكن في اللحظة اللي كانوا خارجين فيها من باب المستشفى...
رن هاتف سعد.
رد، واتغيرت ملامحه فجأة.
بص لماجدة وقال بقلق
لازم نرجع البيت حالًا...
فيه حد دخل بيتنا، وقلب الأوضة اللي فيها كل الأوراق رأسًا على عقب تجمدت ماجدة مكانها.
قالت بسرعة
إيه؟! مين اللي كلمك؟
رد سعد وهو بيقفل التليفون
جارنا... قال إنه شاف باب الشقة مفتوح، ولما دخل يطمن لقانا الأوضة مقلوبة.
من غير كلمة زيادة، ركبوا العربية وانطلقوا.
...
أول ما وصلوا، لقوا الجيران واقفين على السلم.
دخلت ماجدة تجري على أوضتها.
الدولاب مفتوح.
الأدراج كلها متبهدلة.
الورق مرمي على الأرض.
لكن الغريب...
إن مفيش دهب اتاخد.
ولا فلوس.
ولا أي جهاز.
كل اللي كان واضح إن اللي دخل...
كان بيدور على حاجة معينة.
ركعت ماجدة تجمع الأوراق وهي بتعدها واحدة واحدة.
وفجأة قالت
الحمد لله...
سألها سعد
خير؟
رفعت ملفًا أزرق من تحت السرير.
الملف ده موجود.
تنهد سعد براحة.
لكنها كملت العد...
وفجأة اتغير لون وشها.
لا...
في إيه؟
قالت وهي تقلب الورق بعصبية
الظرف البني... اختفى.
الظرف اللي كان فيه الملاحظات والصور والنسخ القديمة...
مش موجود.
سعد ضرب كف بكف.
يعني اللي دخل كان عارف بيدور على إيه.
في اللحظة دي، افتكر سعد حاجة.
استني...
فتح درج المكتب.
طلع منه فلاشة صغيرة.
ابتسم لأول مرة.
الحمد لله... دي موجودة.
استغربت ماجدة.
فلاشة إيه؟
قال
بعد آخر اجتماع، أنا صورت كل الورق وحفظته عليها... وقولت أحتفظ بنسخة احتياطية من غير ما أقول لحد.
نظرت له ماجدة بدهشة.
يعني حتى لو الظرف ضاع...
قال وهو يهز رأسه
المحتوى لسه موجود.
في نفس اللحظة...
رن جرس الباب.
فتح سعد.
كان أمين الشرطة المسؤول عن المعاينة.
لف البيت كله، وبعدين قال
الغريب إن مفيش آثار كسر في الباب.
سأله سعد
يعني إيه؟
رد
يعني غالبًا اللي دخل... كان معاه مفتاح، أو قدر يدخل بطريقة مش لافتة.
نظرت ماجدة تلقائيًا إلى سعد.
ثم قالا في نفس اللحظة
المفتاح الاحتياطي!
تذكر سعد أنه استرده من أمه...
لكن كان قد ظل معها سنوات طويلة.
قال أمين الشرطة
هنحقق في الواقعة، لكن أي حد كان معاه نسخة من المفتاح لازم يتراجع.
خرج أمين الشرطة.
وبعد دقائق، جلس سعد وماجدة وسط الأوراق المبعثرة.
قال سعد
من النهارده هنبدأ صفحة جديدة... لكن قبل أي حاجة، لازم نعرف مين دخل البيت، وليه كان مستعد يعمل كده علشان ظرف ورق.
رفعت ماجدة الفلاشة بين إيديها، وقالت بهدوء
طالما الحقيقة لسه محفوظة... يبقى اللي عمل كده هيغلط غلطة أكبر، وساعتها هنعرف هو مين.
ثم وضعت الفلاشة في مكان آمن، وهي لا تعلم أن الشخص الذي أخذ الظرف... كان قد اكتشف هو الآخر أن الأوراق التي سرقها ليست كاملة، وأن أهم دليل ما زال مفقودًا نظر سعد إلى ماجدة، ثم ضغط على الملف.
ظهرت مجموعة من المستندات الممسوحة ضوئيًا، يتبعها تسجيل صوتي قصير.
تردد سعد لحظة.
قالت ماجدة
شغله.
ضغط على زر التشغيل.
خرج صوت رجل مسن، هادئ وواضح
أنا بسجل الكلام ده علشان لو الأوراق ضاعت في يوم، يبقى يبقى فيه نسخة. اللي قدامي دلوقتي مجموعة مستندات تخص حقوق ماجدة وأولادها، وأي تصرف فيها لازم يكون برضاها الكامل.
انتهى التسجيل بعد أقل من دقيقة.
تنفست ماجدة بارتياح.
الحمد لله... على الأقل كل حاجة متوثقة.
لكن سعد كان مركز في حاجة تانية.
قال
استني...
كبر إحدى الصور الموجودة في الملف.
كان فيها مستند، وفي آخره توقيعان.
واحد توقيع ماجدة.
والتاني توقيع شاهد.
قطب حاجبيه.
اسم الشاهد ده... أنا أعرفه.
سألته ماجدة
مين؟
قال
موظف كان شغال في الجهة اللي خلصنا فيها الإجراءات زمان... لكنه ساب الشغل من سنين.
ردت بسرعة
يعني ممكن يفتكر اللي حصل.
قال
لو قدرنا نوصل له.
...
في اليوم التالي، بدأ سعد يسأل عنه.
وبعد ساعات من البحث، عرف إنه انتقل يعيش في مدينة تانية بعد التقاعد.
اتصل به.
الرجل رحب به، لكنه قال
أنا مش فاكر كل التفاصيل... عدوا سنين.
رد سعد
معانا صورة من مستند عليه توقيع حضرتك.
سكت الرجل لحظة، ثم قال
ابعتلي الصورة.
بعد دقائق، رجع اتصل بنفسه.
وصوته كان مختلفًا.
افتكرت.
سعد وقف من مكانه.
حضرتك فاكر إيه؟
قال الرجل
فاكر إن الست... مراتك... كانت كل شوية تسأل أنا بمضي على إيه؟ وكان فيه واحدة أكبر منها ترد قبل أي موظف، وتقول دي إجراءات عادية.
نظرت ماجدة إلى سعد.
قال الرجل
أنا وقتها طلبت إن الورق يتقري
تم نسخ الرابط