من كام سنه

لمحة نيوز

شخص كنت أتوقع أشوفه.
شخص كنت فاكر إنه مات من سنين...فضلت واقف مكانك مش قادر تتحرك...
الشخص اللي نزل من العربية كان راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد، لكن ملامحه كانت مألوفة بشكل مرعب.
قرب من الباب...
وأول ما شافني قال
واضح إن أخوك كان عارف إن اليوم ده هييجي.
اتسمرت في مكاني.
قلت بصوت متقطع
إنت... إزاي؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
كنت فاكرني ميت؟
ما قدرتش أرد.
لأن الشخص اللي قدامي كان عماد... أخويا الأكبر اللي اختفى من حياتنا من أكتر من عشرين سنة، وكل العيلة كانت فاكرة إنه مات في حادث سفر.
دخل محمود وراه وكأنه منتصر.
قال
دلوقتي بقى كل حاجة هتوضح.
شدّيت البنت ورايا وقلت
إنتوا عايزين منها إيه؟
عماد بص للبنت بحزن وقال
أنا مش جاي أأذيها... أنا جاي أحميها.
ضحكت بسخرية
تحميها؟ بعد كل اللي حصل؟
طلع ورقة قديمة من جيبه وقال
أخوك كان فاكر إن الحقيقة هتضيع لو أنا ظهرت... لكنه ما كانش يعرف إن الوقت قرب.
فتحت الدفتر اللي كان في الصندوق بسرعة، وبدأت أقلب الصفحات.
لقيت اسم عماد مكتوب في أكتر من مكان.
لكن اللي صدمني إن أخويا كان كاتب
عماد لم يخنّا... لكنه أخفى الحقيقة لأنه كان يحاول يحمينا.
بصيت له باستغراب.
قلت
يعني إيه؟
قعد عماد على الكرسي القديم وقال
أبوك كان عنده سر كبير قبل وفاته... سر يخص أملاك العيلة، وفيه ناس حاولت تستغل الموضوع. أخوك اكتشف الحقيقة، ولما حاول يفضحهم، بدأوا يهددوا كل اللي حواليه.
بصيت لمحمود.
فجأة اختفت ابتسامته.
قلت
إنت كنت تعرف كل ده؟
محمود ما ردش.
وده كان كفاية.
طلعت الفلاشة من الصندوق.
قلت
اللي عليها هو اللي هيكشف كل حاجة.
لكن قبل ما أشغلها...
سمعت صوت خبطة قوية على الباب.
حد كان بيحاول يدخل.
الجميع سكت.
وبعد ثواني انفتح الباب...
ودخل شخص جديد.
الشخص اللي ما كانش حد متوقع إنه يظهر في اللحظة دي.
وكان ماسك في إيده ملف أخطر من كل اللي لقيناه...
وقال
قبل ما تسمعوا التسجيل... لازم تعرفوا الحقيقة اللي أخوك مات عشان يخبيها.
وفي اللحظة دي عرفت إن كل اللي حصل لحد دلوقتي كان مجرد بداية...وقف الرجل عند الباب، والكل بصله في صمت.
كان اسمه سامي... محامي أخويا القديم.
عمري ما توقعت أشوفه في اللحظة دي.
دخل وهو ماسك الملف، وقال
أنا اتأخرت كتير... بس أخوك طلب مني ما أظهرش غير لما أتأكد إن البنت بقت في أمان.
قربت منه وقلت
أنت كنت عارف بكل ده؟
هز رأسه بحزن
كنت عارف جزء من الحقيقة... لكن أخوك كان بيخبي عن الكل عشان يحمي بنته.
بصيت للفلاشة في إيدي وقلت
إيه اللي عليها؟
قال
قبل ما تعرف، لازم تعرف إن الحادث اللي حصل لأخوك ما كانش بسبب خلاف عادي... كان فيه محاولة لإسكاته.
اتحولت كل العيون ناحية محمود.
بدأ يتوتر وقال
كفاية تمثيل... مفيش دليل على أي حاجة.
ابتسم سامي ورفع الملف
بالعكس... الدليل موجود من زمان.
فتح الملف وطلع صور ومستندات.
كانت تحويلات مالية، ورسائل، وأوراق تثبت إن محمود كان بيتابع كل خطوة تخص أخويا والبنت.
لكن محمود صرخ
دي أوراق مزورة!
في اللحظة دي، خرجت مراتي عن صمتها وقالت
لا... مش مزورة.
بصينا كلنا لها.
كملت وهي تبكي
أنا شفت محمود وهو بيحاول يخبي الأوراق دي قبل كده.
اتصدمت.
حتى أنا.
لأنها كانت أول مرة تقول حاجة تساعد في كشف الحقيقة بدل ما تخبيها.
سألها سامي
ليه سكتِ كل الوقت؟
خفضت رأسها وقالت
لأني كنت خايفة... كنت غلطانة، وكنت فاكرة إني بحمي نفسي، لكني كنت بسكت على ظلم حصل لطفلة مالهاش ذنب.
في اللحظة دي قربت بنت أخويا مني ومسكِت إيدي.
قالت
يعني عمو مش هيسيبني؟
حضنتها وقلت
عمري ما هسيبك.
لكن قبل ما نكمل، شغل سامي تسجيل صوتي كان في الملف.
ظهر صوت أخويا.
صوته اللي افتقدته من سنين.
قال
لو أنت بتسمع التسجيل ده... يبقى أنا مش موجود. بس أهم حاجة عندي إن بنتي تكون بخير.
بدأت دموعي تنزل.
وكمل أخويا
في شخص هيحاول يقنعك إن الموضوع فلوس... لكن الحقيقة إن فيه سر أكبر. السر ده موجود في مكان واحد...
سكت التسجيل ثواني.
ثم قال أخويا جملة جعلت الجميع يتجمد
الحقيقة موجودة في بيتنا القديم... لكن مش في الصندوق.
نظرت ناحية الحائط.
إحنا لقينا الصندوق...
إذن أخويا كان يقصد شيئًا آخر.
وفجأة، البنت قالت بصوت خافت
عمو...
التفت لها.
قالت
بابا كان بيقول لي إن المكان اللي مخبي فيه الحقيقة... هو المكان اللي كان بيلعب فيه معايا وأنا صغيرة.
وقتها فهمت...
كان فيه مكان تاني في البيت القديم.
مكان محدش فكر يدور فيه.
لكن السؤال كان
إيه الحقيقة اللي أخويا خبّاها هناك؟
وليه كان متأكد إنه لو ظهرت هتغير حياة ناس كتير؟رجعنا للبيت القديم مرة تانية...
لكن المرة دي كنا بندور مش على صندوق، كنا بندور على آخر رسالة من أخويا.
دخلت الأوضة اللي كان بيلعب فيها مع بنته وهي صغيرة.
بصيت حواليّ، وبعدين افتكرت جملة البنت
المكان اللي كان بيلعب فيه معايا.
قربت من الحيطة اللي كانت جنب سريرها القديم، ولقيت علامة صغيرة محفورة في الخشب.
ضغطت عليها...
وفجأة اتفتح جزء مخفي في الحائط.
جواه كان فيه ظرف صغير.
فتحته وأنا حابس أنفاسي.
كانت رسالة أخيرة من أخويا.
كتب فيها
يا أخويا... لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنت عملت اللي كنت واثق إنك هتعمله. عارف إنك هتزعل من حاجات كتير هتعرفها، لكن أهم حاجة تعرفها إن بنتي كانت محتاجة حد يحبها ويحميها، مش حد يدور على نسب أو فلوس.
وكمل
الحقيقة إن محمود كان بيحاول يسيطر على ميراث البنت، واستغل ناس كتير حواليه. لكن اللي كان يهمني أكتر إن بنتي ما تكبرش وهي حاسة إنها لوحدها.
وبعدها كتب
سامحني إني حطيتك في المسؤولية دي... لكن أنت كنت الاختيار الوحيد.
في اللحظة دي ما قدرتش أمسك دموعي.
افتكرت أخويا وهو ماسك إيدي في المستشفى، وكأنه كان شايف إن اليوم ده هييجي.
بعد أيام، ظهرت كل الأدلة.
تم القبض على محمود بعد ما ثبت تورطه في التلاعب بالأوراق ومحاولاته للسيطرة على حقوق البنت، واتكشفت كل الحكايات اللي كان مخبيها.
أما مراتي...
فكانت أصعب مواجهة.
أنا ما نسيتش إنها أخطأت وسكتت، لكني شفت ندمها الحقيقي ومحاولتها تصلح اللي أفسدته.
فضلنا وقت طويل نحاول نرجع الثقة من جديد، واتفقنا إن أهم حاجة في البيت ده تكون الأمان... خصوصًا للبنت.
مرت السنين...
وكبرت بنت أخويا.
ما بقتش تناديني عمو زي زمان.
في يوم تخرجها، قربت مني وقالت وهي بتضحك
فاكر يا بابا أول يوم جبتني فيه عندك؟
وقفت الكلمة عند قلبي...
بابا.
الكلمة اللي كنت مستنيها من سنين.
ابتسمت وقلت لها
أنا كنت عارف إن أبوكي سايبلي أغلى أمانة في الدنيا.
بصت للسماء وقالت
ربنا يرحمه... كان محظوظ إن عنده أخ زيك.
وقتها عرفت إن أخويا ما كانش بيدور على حد يحفظ فلوس بنته...
كان بيدور على حد يحفظ قلبها.
ومن يومها فهمت إن بعض الوعود بنقولها في لحظة...
لكن بنقضي عمرنا كله نوفي بيها.

تم نسخ الرابط