استفاقت بعد ثمانيه شهور بقلم ميرا
رائد.
أول ما شاف ياسمين قال ببرود
شكلك بقيتي أحسن.
بصتله بقرف.
افتكرت إن عندك ابن؟
ابتسم ابتسامة مستفزة.
سمعت إن اللي بيربيه مليونير... قلت أشوف حقي.
كريم كان واقف بعيد، لكن إيده اتقبضت بقوة.
قال رائد وهو بيبص لكريم
واضح إن الواد عاش عيشة ملوكي... يبقى من حقي أستفيد.
الجملة دي كانت كفاية.
كل اللي في القاعة فهم إن الراجل ما جاش عشان ابنه...
جاي عشان الفلوس.
القاضي قرر يعمل جلسات مع أخصائية نفسية للطفل.
وفي أول جلسة...
حطوا قدام آدم ألعاب كتير.
دخلت ياسمين.
ابتسم لها.
وهي بتعيط.
بعدها دخل كريم.
جري عليه هو كمان، ومسك إيده وهو بيضحك.
أما لما دخل رائد...
بص له آدم ثانيتين...
واستخبى ورا رجل كريم.
الأخصائية كتبت ملاحظتها في هدوء.
الطفل لا يعرف المدعي، ولا يشعر تجاهه بأي ارتباط.
رائد ما استسلمش.
بدأ يطلع إشاعات.
قال إن كريم خطف الطفل.
وقال إنه استغل غيبوبة الأم.
لكن المستشفى قدمت كل المستندات.
والشؤون الاجتماعية شهدت.
والدكتور سامح وقف قدام المحكمة وقال
لولا الأستاذ كريم... الطفل كان هيتنقل لدار رعاية، والأم كانت ممكن تموت لأن هو اللي تكفل بعلاجها بالكامل.
ساد الصمت.
بعد آخر جلسة...
القاضي نطق بالحكم.
تثبت حضانة الطفل للأم، ياسمين.
ورفض طلب الأب البيولوجي بالكامل، مع فتح تحقيق في سبب تخليه عن الطفل طوال الشهور الماضية.
أما الوصاية المؤقتة لكريم...
فانتهت رسميًا.
خرج الجميع من المحكمة.
كانت ياسمين فرحانة...
لكنها لاحظت إن كريم واقف بعيد لوحده.
كان آدم بيشد إيده عشان يروحله.
لكن كريم نزل على ركبته وقال وهو بيبتسم رغم الدموع
خلاص يا بطل... مكانك الطبيعي مع ماما.
فجأة...
آدم ساب إيد أمه.
وجري على كريم.
بإيديه الصغيرين وقال بصوت طفولي
بابا... متزعلش.
في اللحظة دي...
ما قدرش كريم يمنع دموعه.
أما ياسمين...
ففهمت إن الحب الحقيقي عمره ما كان منافسة.
كان إنقاذ... وتضحية... وانتظار من غير مقابل.
اقتربت منهم، وحطت إيدها على كتف كريم وقالت بهدوء
إنت مش هتخرج من حياة آدم... لو توافق، تفضل فيها... لأنك أنقذت ابني، وأنقذتني أنا كمان.
رفع كريم رأسه، وعيناه مليئتان بالدموع.
ولأول مرة منذ ثمانية أشهر...
شعر الجميع أن هذه العائلة المكسورة بدأت تجد طريقها نحو الشفاء الجزء الرابع
مرت ستة أشهر...
وياسمين بقت تمشي من غير عكاز.
وآدم بقى يجري في البيت وهو بيضحك، وكل يوم يكتشف كلمة جديدة.
أما كريم...
فوفى بوعده.
ما تدخلش في قرارات ياسمين.
ولا حاول ياخد مكانها.
كان يزور آدم يومين في الأسبوع، وأحيانًا ياخده يتمشوا في الجنينة أو يروحوا حديقة الحيوانات.
الغريب...
إن وجوده بقى طبيعي.
مش غريب.
ومش مفروض.
في عيد ميلاد آدم الأول...
قررت ياسمين تعمله حفلة صغيرة.
لما الضيوف مشيوا، فضلت هي وكريم وآدم.
كانت الشموع لسه منورة.
وفجأة...
آدم مسك إيد ياسمين بإيد...
وإيد كريم بالإيد التانية.
وقال وهو يضحك
تعالوا...
شدهم لحد التورتة.
وبدأ يزق إيديهم هما الاتنين ناحية السكينة.
بصت ياسمين لكريم.
هو كمان ابتسم.
وقطعوا التورتة سوا.
كانت أول مرة يحسوا إنهم مش بيتصارعوا على الطفل...
لكن كل واحد فيهم بيحبه بطريقته.
بعد الحفلة بأسبوع...
رن جرس الباب.
فتحت ياسمين.
واتفاجئت براجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مرهق.
أول ما شافها...
قال بصوت مكسور
إنتِ ياسمين؟
هزت رأسها.
أيوه.
نزلت دموعه.
أنا... والد كريم.
اتجمدت مكانها.
كمل الراجل
ابني عمره ما حكى لك الحقيقة... صح؟
دخلته الصالون وهو مرتبكة.
وقبل ما كريم يوصل...
قال الأب جملة غيرت كل حاجة.
آدم مش أول طفل رباه كريم...
سكتت وهي مش فاهمة.
أخرج الرجل صورة قديمة من محفظته.
فيها كريم...
شايل بنت صغيرة عمرها حوالي ثلاث سنين، وبيضحك.
سألت ياسمين
مين دي؟
اغرورقت عينا الرجل بالدموع.
وقال
دي بنته...
ليان.
وفي اللحظة نفسها...
فتح كريم باب البيت، وشاف الصورة في إيد ياسمين.
وشه شحب.
وعرف...
إن السر اللي دفنه سنين...
اتكشف أخيرًا.
يتبع...الجزء الخامس
وقف كريم مكانه...
وكأنه فقد القدرة على الحركة.
بص لأبوه بغضب مكتوم.
أنا طلبت منك... عمرك ما تفتح الموضوع ده.
خفض الأب رأسه.
سامحني... بس هي من حقها تعرف.
رفعت ياسمين الصورة مرة تانية.
البنت الصغيرة كانت شبه كريم بشكل كبير.
نفس الابتسامة...
ونفس العيون.
همست
ليان... فين دلوقتي؟
قفل كريم عينيه لثوانٍ طويلة.
ولما فتحهم...
كان فيه وجع عمره ما حاول يخبيه.
ماتت.
سقطت الكلمة في البيت كأنها صخرة.
اتسعت عينا ياسمين.
إزاي؟
جلس كريم على الكرسي ببطء.
وبدأ يحكي لأول مرة.
قبل أربع سنين...
كان كريم متجوز من حبيبته سارة.
وكانت عندهم ليان، عمرها ثلاث سنين.
في يوم...
خرجوا كلهم بعربيتهم.
شاحنة فقدت السيطرة.
العربية اتقلبت.
كريم خرج بإصابات بسيطة.
أما سارة...
فماتت في مكان الحادث.
وليان فضلت في العناية المركزة أسبوعين...
وبعدين رحلت.
من يومها...
كريم باع بيته القديم.
وساب كل حاجة كانت بتفكره بيهم.
وقرر يدفن نفسه في الشغل.
لحد الليلة...
ليلة المطر.
اللي شاف فيها عربية ياسمين المحطمة.
وسمع صوت طفل بيعيط.
قال بصوت مبحوح
لما شلت آدم من الكرسي... افتكرت إني لو سيبته يضيع... هكون بخسر بنتي للمرة التانية.
ما كانش قادر أعمل كده.
ساد صمت طويل.
دموع ياسمين نزلت من غير ما تحس.
أدركت أخيرًا...
إن كريم ما أنقذش آدم لأنه كان محتاج طفل...
لكن لأنه كان بيحاول ينقذ الجزء اللي مات جواه.
في اللحظة دي...
دخل آدم يجري من أوضته.
كان ماسك رسمة بألوان شمع.
وقف بينهم وقال بحماس
ماما... بابا... بصوا.
أخذت ياسمين الرسمة.
كان فيها تلات أشخاص ماسكين إيد بعض.
وتحتهم بيت كبير.
وشمس.
وقلب أحمر.
سألت وهي بتبتسم
مين دول يا آدم؟
أشار بإصبعه الصغير.
دي ماما...
وده بابا كريم...
وده أنا.
نظر كريم إلى الأرض بسرعة، وكأنه لا يريد أن يرى دموعه.
أما ياسمين...
فلم تقل شيئًا.
كل ما فعلته...
أنها وضعت يدها برفق فوق يد كريم.
وقالت بصوت هادئ
شكرًا...
مش بس لأنك أنقذت ابني...
لكن لأنك فضلت أمين على الأمانة لحد ما رجعت.
رفع كريم رأسه لأول مرة منذ سنوات...
وابتسم ابتسامة حقيقية.
ابتسامة لم تكن تمحو الماضي...
لكنها كانت تعلن بداية جديدة.
النهاية ممكن أكملها كقصة طويلة، لكن الأفضل أخلي الأحداث منطقية بدل ما أمدها بعد نهاية مكتملة.
تكملة جديدة
بعد شهرين...
كانت الحياة بدأت تستقر.
آدم بقى متعلق بأمه، وفي نفس الوقت أول ما يسمع صوت عربية كريم يجري ناحية الباب وهو بيصرخ
بابا كريم... بابا كريم جه!
ضحكت ياسمين لأول مرة من قلبها.
أما كريم...
فكان كل مرة يوصله البيت، يقف دقيقة قدام الباب ويبص لآدم وهو داخل مع أمه، وبعدها يمشي من غير ما يطلب يدخل.
كان حاطط حدود لنفسه.
حدود وجعته...
لكنه كان شايف إنها الصح.
وفي صباح يوم جمعة...
كانت ياسمين بتنضف دولاب آدم.
وأثناء ترتيبها للملابس، وقعت علبة خشب صغيرة من الرف.
استغربت.
هي عمرها ما شافتها قبل كده.
فتحتها...
ولقت فيها سلسلة فضة صغيرة.
وصورة قديمة.
وخطاب مطوي.
على الظرف مكتوب بخط كريم
لو فوقتي في يوم... افتحيه.
اتسارعت دقات قلبها.
فتحت الخطاب ببطء.
كان مكتوب فيه
ياسمين...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى ربنا استجاب لدعائي.
يمكن عمرك ما تعرفي، لكني كنت بكلمك كل يوم وإنتِ نايمة.
كنت أحكيلك آدم عمل إيه، وإزاي ضحك، وإزاي أول مرة نطق.
كنت بقولك إنك لازم ترجعي... لأنه مهما عملت، أنا مستحيل أكون مكان أمه.
لو فوقتي، أوعي تحسي بالذنب.
ابنك عمره ما فقد حبك... هو بس كان مستنيك.
ولو في يوم حسيتِ إن وجودي هيعقد حياته... أوعدك هختفي بهدوء.
أهم حاجة عندي... إن آدم يكبر وهو سعيد.
انتهت الرسالة...
وكانت الورقة كلها مليانة آثار دموع قديمة.
أغلقت ياسمين الرسالة وهي تبكي.
في نفس اللحظة...
رن هاتفها.
كان كريم.
ردت.
سألها بابتسامة
آدم صاحي؟
لكنها لم ترد.
قال بقلق
ياسمين... في حاجة؟
همست وهي تحاول تمنع دموعها
الرسالة... أنا لقيت الرسالة.
ساد صمت طويل...
ثم قال كريم بصوت مكسور
كنت أتمنى عمرك ما تشوفيها... لأنها كانت معناها إني فقدت الأمل إنك تصحي.
وقبل أن تكمل كلامها...
سمعوا صوت آدم من بعيد وهو يصرخ بفرحة
ماما... بابا كريم... تعالوا بسرعة!
ركض الاثنان إلى غرفة الطفل...
وهناك...
كانت المفاجأة التي لم يتوقعها أيٌّ منهما...
يتبع...الجزء السادس
ركضت ياسمين ناحية أوضة آدم، وقلبها بيدق بعنف.
دخلت لقيته واقف قدام الحيطة، رافع إيده الصغيرة، وبيضحك بكل براءة.
ماما... بصي!
بصت ناحية الحيطة...
واتفاجئت.
آدم كان ماسك قلم شمع، ورسم تلات قلوب كبار.
جوه أول قلب كتب بخربشات أطفال ماما
وجوه التاني بابا كيم
ما كانش بيعرف ينطق كريم صح.
أما القلب التالت...
فكان فيه اسمه هو.
ابتسم كريم رغم دموعه.
لكن ياسمين لاحظت إنه وقف بعيد، وكأنه خايف يفرح.
قالت بهدوء
تعالى... اتصور معاه.
هز رأسه.
الصورة دي مكانها ليكي إنتِ.
لكن آدم شد إيده.
لا... بابا كيم.
ضحكت ياسمين لأول مرة من غير وجع.
والتقطوا أول صورة تجمعهم كلهم.
مرت الشهور...
وبقت ياسمين تشتغل من البيت في تصميم الملابس.
أما كريم...
فكان كل أسبوع ييجي ياخد آدم كام ساعة.
وفي يوم، أثناء رجوعهم من النادي...
وقف كريم بالعربية فجأة.
قدام محل ألعاب.
نزل هو وآدم.
الطفل جري ناحية عربية سباق كبيرة.
سأل البائع عن تمنها.
قال السعر.
ابتسم كريم.
لكن قبل ما يدفع...
قال آدم
لا.
استغرب.
ليه يا بطل؟
قال الطفل ببراءة
ماما قالت مش كل حاجة نحبها نشتريها.
وقف كريم يبص له ثواني.
وبعدين ضحك.
رجع اللعبة مكانها..
مامتك بتربي راجل.
في نفس الليلة...
كان في شخص بيراقب بيت ياسمين من عربية سودا.
فتح تليفونه.
واتصل بحد.
أيوه... هي والولد لوحدهم دلوقتي.
وصل الرد من الطرف التاني
تمام... بكرة هننفذ.
تاني يوم...
ياسمين خرجت مع آدم للسوبر ماركت.
وأول ما طلعت...
وقفت عربية فان بيضا جنب الرصيف.
نزل منها راجلين.
واحد منهم خطف آدم بسرعة.
صرخت ياسمين بكل قوتها.
آدممممم!
جريت ورا العربية...