الفيلا ولعت
الفيلا ولعت والكل جري ينقذ نفسه... لكن لما العيلة سابت الوريث القعيد جوه ومحدش رضي يرجعله، الخدامة دخلت النار... واكتشفت السر اللي كانوا مستعدين يدفنوه معاه
كانت الفيلا كلها مولعة، والدخان مالي المكان، لما أمل سمعت صوت صريخ طفل جاي من الدور التاني.
كل اللي كانوا جوه خرجوا.
أصحاب الفيلا.
الضيوف.
الحرس.
حتى الكلب حد شاله وطلعه بره.
لكن آدم، الولد اللي عنده 12 سنة، كان لسه محبوس فوق.
أول ما أمل صرخت باسمه، منى مرات أبوه مسكتها من دراعها وقالتلها وهي بتنهج
أوعي تدخلي... الناحية دي كلها وقعت والنار مسيطرة.
وفجأة آدم صرخ تاني...
أمل زقتها من طريقها، غطت مناخيرها بطرف المريلة، وجريت وسط النار من غير ما تفكر.
ولما وصلت للدور التاني...
اكتشفت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقها.
العيلة ماكنتش نسيته.
العيلة سابته عمد... وكانوا مستنيين النار تخلص عليه.
أمل كانت شغالة في فيلا عائلة المنشاوي من أكتر من 11 سنة.
الفيلا كانت في طريق مصر إسكندرية الصحراوي، ورا بوابات حديد ضخمة وأسوار عالية تخلي اللي جوه عايشين في عالم لوحدهم.
فيها أكتر من جناح.
مطبخين.
حمام سباحة مغطى.
قاعة سينما.
وصالة أفراح أكبر من قاعة أفراح في أي فندق.
أصحابها كانوا بيسموها البيت.
أما العمال، فكانوا بيسموها القصر.
لكن آدم كان بيسميها...
المكان اللي الناس بتتكلم فيه عني وأنا قاعد قدامهم... كأني كرسي.
آدم كان الابن الوحيد ل كريم المنشاوي، الابن الأكبر لرجل الأعمال الشهير الحاج فؤاد المنشاوي.
كريم مات في حادث طيارة خاصة، وآدم كان عنده ست سنين.
آدم نجا...
لكن الحادث سابه مقعد، ومابقاش يقدر يمشي من غير كرسي متحرك ومساعدة.
بعد وفاة أبوه، الكل كان بيقول إن جده هو اللي رباه، وإن مرات أبوه اهتمت بيه، وإن حواليه مدرسين وممرضين وأخصائيين.
دي كانت الرواية اللي الناس برا تعرفها.
أما الحقيقة...
فكانت مختلفة خالص.
الحاج فؤاد أغلب وقته في القاهرة بين الشركات والاجتماعات.
ومنى مرات أبوه، كل يوم في افتتاح، أو حفلة، أو مناسبة خيرية، أو سفرية مع أصحابها.
أما آدم...
فكان بياكل معظم أكله لوحده.
كرسيه المتحرك يبقى في آخر سفرة تكفي أكتر من عشرين شخص...
وهو الوحيد اللي مابيلاقيش حد يقعد جنبه.
اتعود مايسألش
إنتوا رايحين فين؟
واتعود مايعاتبش حد لما يلاقى نفسه مستبعد من أي فسحة أو سفرية.
واتعود يكتم دموعه كل مرة يسمع منى وهي بتقدمه للناس وتقول
ده ابن جوزي... وربنا ابتلانا بمسؤوليته.
أمل سمعت الجملة دي مرة واحدة...
لكن عمرها ما نسيتها.
هي ماكنتش الممرضة بتاعته.
هي كانت كبيرة مشرفات العمال في الفيلا.
مسؤولة عن النظافة، والمفروشات، وترتيب البيت، وتجهيز العزايم.
لكن مع السنين...
بقت أكتر واحدة ملاحظة كل حاجة بتحصل لآدم.
لما فرامل الكرسي المتحرك باظت...
هي اللي طلبت الصنايعي.
لما الممرضة نسيت تديله العلاج...
هي اللي سجلت الملاحظة بنفسها.
ولما منى منعت أي أكل يطلع لأوضته بعد الساعة 8 بالليل...
أمل كانت بتستخبى وتحطله بسكوت وعصير جوه درج مكتبه.
وفي يوم...
آدم بص لها وسألها بصوت هادي
هو بابا... كان بيحبني بجد؟
أمل ماقالتش كلام محفوظ.
ماقالتش أكيد.
ولا قالت طبعًا.
فتحت درج قديم، وطلعت صورة.
الصورة كانت لكريم، وهو نايم على كرسي في المستشفى، وحاضن آدم وهو لسه مولود.
آدم فضل باصص للصورة شوية، وبعدين قال
شكله كان مرهق أوي.
ابتسمت أمل وقالت
لأنه وقتها كان بقاله أكتر من تلاتين ساعة صاحي... وماكانش راضي يسيبك لحظة.
سكت آدم، وبص للصورة تاني...
وسألها بهدوء
أمل بلعت ريقها، وقعدت على طرف الكرسي قدامه.
وقالت بهدوء
لأنه كان شايف إنك أغلى حاجة في حياته... وكان دايمًا يقول كل فلوسي ملهاش قيمة لو ابني مش بخير.
آدم نزل عينه على الصورة، وكأنه بيحاول يتخيل صوت أبوه لأول مرة.
وفي اللحظة دي...
باب الأوضة اتفتح بعنف.
منى دخلت، وخطفت الصورة من إيد آدم.
وقالت بعصبية
مين سمحلك تفتحي الأدراج دي؟
أمل ردت بثبات
الولد كان بيسأل عن أبوه.
منى قطبت جبينها، ولمحت الصورة بسرعة، وبعدها قطعتها نصين قدامهم.
الماضي خلص... ومش عايزة أشوف أي حاجة تفكره بيه.
آدم فضل ساكت...
لكن أمل شافت دمعة نزلت على خده وهو بيبص لقصاصات الصورة اللي وقعت على الأرض.
ومن اليوم ده...
أمل بدأت تلاحظ إن في حاجة أكبر بكتير من مجرد قسوة.
كل ما آدم يسأل عن ورق أبوه...
الكل يغير الموضوع.
كل ما يطلب يدخل مكتب كريم القديم...
يلاقوا الباب مقفول بالمفتاح.
وكل ما يقرب من جده فؤاد عشان يقعد معاه...
منى تسبق وتقول
آدم تعبان... خليه يرتاح.
كأنها كانت حريصة إن مايبقاش فيه أي حديث بينهم.
بعد أسبوع...
وأثناء ما أمل بتنضف مكتبة الدور الأرضي، لقت ظرف أبيض واقع تحت دولاب قديم.
كان عليه تراب كتير...
وكأنه بقاله سنين مستخبي.
أول ما مسكته، سمعت صوت خطوات.
رفعت رأسها بسرعة.
كان عم راضي، البواب القديم.
أول ما شاف الظرف، وشه اصفر.
وجري ناحيتها وقال بصوت واطي
حطيه مكانه... حالًا.
استغربت.
ليه؟
بص حواليه يتأكد إن محدش سامع، وهمس
في حاجات في البيت ده... اللي يعرفها مايعرفش ينام.
أمل فتحت الظرف قبل ما يمنعها.
كان جواه مفتاح صغير نحاس...
وصورة لكريم المنشاوي واقف قدام خزنة حديد، وكاتب بخط إيده من ورا الصورة
لو حصلي حاجة... المفتاح ده يوصل لآدم... وبس.
قلب أمل دق بعنف.
رفعت عينها لعم راضي.
لكنه كان مرعوب.
وقبل ما يتكلم...
اتفتح باب المكتبة.
منى كانت واقفة عند الباب.
عينها وقعت مباشرة على الصورة... ثم على المفتاح اللي في إيد أمل.
ابتسمت ابتسامة باردة، وقالت
واضح إنك بقيتي تفتشي في حاجات متخصكيش.
أمل خبّت المفتاح بسرعة في جيب المريلة وقالت بثبات
كنت بنضف بس.
منى قربت منها خطوة، وقالت بنبرة هادية لكنها مخيفة
خلي بالك... الفضول ساعات بيكلف صاحبه عمره.
ومن اليوم ده...
كل حاجة اتغيرت.
أمل بدأت تحس إن حد بيراقبها.
أوضتها بتتفتش.
حاجتها بتتغير مكانها.
وفي ليلة...
صحيت على صوت خبط خفيف على شباك أوضتها.
فتحت الستارة...
فلقت آدم واقف بكرسيه المتحرك في الجنينة، رغم إن الوقت كان بعد منتصف الليل.
كان بيشاور لها بإيده...
وخلفه، في الضلمة، كان فيه شخص واقف يراقبه من بعيد... بدون ما يتحرك أمل فتحت باب المطبخ الخلفي بسرعة، وخرجت تجري ناحية الجنينة.
الهواء كان بارد، والفيلا كلها نايمة.
أول ما وصلت لآدم، همست
إنت بتعمل إيه هنا؟ ولو حد شافك؟
آدم كان متوتر لأول مرة.
بص حواليه، وبعدها مد إيده بعلبة صغيرة ملفوفة بقماش قديم.
وقال بصوت واطي
خديها... وخبيها عندك.
استغربت.
دي إيه؟
ماتفتحيهاش هنا... لو عرفوا إنها معايا هيقت... وسكت فجأة.
في اللحظة دي...
نور كشاف قوي اتسلط عليهم.
وصوت من آخر الجنينة صرخ
مين هناك؟
أمل بسرعة حطت العلبة في جيبها، ولفت الكرسي المتحرك ورجعت بآدم ناحية الفيلا.
طلع إنه فرد الأمن الجديد.
بصلهم باستغراب وقال
الولد خرج إزاي في الوقت ده؟
أمل ابتسمت وقالت
كان نفسه يشم هوا... وأنا اللي نزلته.
الحارس هز راسه، لكن قبل ما يمشي، ضغط على جهاز اللاسلكي وقال
مدام منى... الأستاذ آدم تحت في الجنينة.
الكلمات دي خلت أمل تتجمد.
بعد أقل من دقيقة...
منى نزلت وهي لابسة روب حرير، وكأنها كانت صاحية ومستنية أي حركة.
أول ما شافت آدم، قربت منه وصفعته على وشه.
مين سمحلك تخرج من أوضتك؟
آدم ما ردش.
كان باصص في الأرض.
أمل ما استحملتش وقالت
ده طفل... حرام عليكي.
منى بصتلها بنظرة كلها كراهية.
وإنتي مالك؟ خدامة... اعرفي مقامك.
تاني يوم...
أمل قفلت باب أوضتها بالمفتاح، وفتحت العلبة اللي اداها لها آدم.
جواها كان فيه فلاشة صغيرة...
وميدالية فضة عليها نفس شعار شركة المنشاوي.
ولاصق على الفلاشة ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط كريم
لو بتشوف الرسالة دي... يبقى