الفيلا ولعت
صغيرة.
أمل أخدتهم بسرعة، وخرجت قبل ما النار توصل للسرير.
أول ما نزلوا الجنينة، وصلت عربيات المطافي والإسعاف.
الكل كان بيجري.
والصحافة بدأت تتجمع قدام البوابة بعد ما انتشر خبر الحريق.
منى كانت واقفة بعيد، أول ما شافت آدم حي، ملامحها اتغيرت للحظة...
ثم رجعت تمثل الصدمة، وجريت عليه وهي بتصرخ
يا حبيبي! كنت هموت عليك!
لكن آدم، لأول مرة من سنين، زق إيدها بعيد عنه.
وقال بصوت سمعه كل اللي واقفين
متلمسينيش...
إنتِ اللي حبستيني.
ساد صمت ثقيل.
رجال الإطفاء، والحرس، والعمال... كلهم بصوا لمنى.
وشها اصفر.
حاولت تضحك وقالت
الولد مش واعي من الدخان.
لكن قبل ما تكمل...
أمل فتحت العلبة المعدنية اللي كانت مخبياها تحت السرير.
وكان جواها جهاز تسجيل صوتي صغير.
ضغطت على زر التشغيل...
وانطلق صوت واضح من السماعة، جعل كل الموجودين يلتفتون في صدمة، بينما تجمدت منى في مكانها دون أن تنطق بكلمة الصوت كان مشوش في الأول...
وبعدين بدأ يوضح.
كان صوت كريم المنشاوي.
قال بهدوء
لو التسجيل ده اشتغل... يبقى أنا غالبًا مش موجود.
كل اللي واقفين سكتوا.
حتى رجال الإطفاء وقفوا يبصوا.
وكريم كمل
أنا بسجل الرسالة دي لأن في حاجات حصلت خلال آخر ست شهور خلتني أشك إن في حد بيحاول يسيطر على كل حاجة بعد موتي.
منى وشها اتغير.
بدأت تتراجع خطوة لورا.
لكن التسجيل لسه ما خلصش.
لو ابني آدم سمع الرسالة دي... أحب أقول له إني عمري ما شكيت فيه، وعمري ما ندمت إنه وريثي الوحيد.
الحاج فؤاد غمض عينيه، والدموع نزلت لأول مرة.
أما آدم...
فكان ماسك طرف الكرسي بكل قوته.
ثم قال كريم في التسجيل
أنا سيبت مستندات في مكان محدش يعرفه غير آدم... ولو المستندات دي ظهرت، هتعرفوا الحقيقة كاملة.
منى صرخت فجأة
اقفلي التسجيل!
وجريت ناحية أمل تحاول تاخد الجهاز منها.
لكن قبل ما توصل...
أحد الضباط اللي كانوا بينظموا خروج الناس من الفيلا وقف قدامها.
وقال بحدة
محدش يلمس أي حاجة.
منى حاولت تبتسم.
ده سوء تفاهم.
لكن في نفس اللحظة...
عم راضي، البواب القديم، خرج من وسط الزحمة.
كان باين عليه التردد.
فضل ساكت ثواني...
وبعدين قال بصوت عالي
لا... مش سوء تفاهم.
كل العيون اتجهت ناحيته.
ابتلع ريقه وقال
أنا شوفت بعيني... قبل الحريق بنص ساعة... اتنين من الحرس وهم بينفذوا أوامر مدام منى.
الحاج فؤاد بصله بصدمة.
أوامر إيه؟
عم راضي نزل رأسه وقال
أمرتهم يقفلوا باب أوضة آدم من بره... ويثبتوا كرسيه بالسلسلة.
الدنيا كلها سكتت.
منى صرخت بعصبية
كداب!
لكن عم راضي كمل
وأنا خفت أتكلم... لأني كنت مهدد.
وفي اللحظة دي...
أحد الحراس اللي كان واقف بعيد بدأ يتحرك بهدوء ناحية البوابة، كأنه عايز يهرب.
أمل لاحظته بسرعة.
وقالت وهي بتشاور عليه
استنوا... الراجل ده بيهرب!
جري الحارس بكل سرعته.
وراءه اتنين من رجال الأمن.
وأثناء هروبه...
وقع من جيبه مفتاح سيارة، وهاتف محمول انكسر على الأرض.
الشاشة نورت للحظة...
وظهر عليها آخر رسالة وصلت قبل دقائق.
الرسالة كانت قصيرة جدًا.
لكنها كانت كافية إنها تغيّر مجرى القضية بالكامل.
مكتوب فيها
اتخلصوا من أي دليل... قبل ما يفتحوا الظرف الأحمر أمل فضلت ماسكة جهاز التسجيل، والكل واقف في ذهول.
الضابط أخد الهاتف اللي وقع من الحارس، وطلب من فريق الأدلة الجنائية يفحصوه فورًا.
بعد دقائق، وصل تقرير مبدئي.
الرسالة كانت متبعتة من رقم باسم م م... وهو الاسم اللي كان الحراس حافظينه في موبايلاتهم اختصارًا ل مدام منى.
منى حاولت تنكر، لكن الحارس اللي اتقبض عليه انهار أول ما عرف إن الرسائل اتمسكت.
وقال وهو بيبكي
هي اللي أمرتنا... قالت إن الولد لو مات في الحريق، الكل هيقول حادث... ومحدش هيشك.
وسط الصدمة...
الحاج فؤاد فتح الظرف الأحمر أخيرًا، بعد ما وقف آدم جنبه.
كان جواه وصية موثقة، ومستندات تثبت إن كريم نقل كل أسهمه وثروته لابنه آدم في صندوق ائتماني، وما ينفعش أي حد يتصرف فيها إلا لما يبلغ السن القانوني.
وكان فيه كمان تقرير خاص عن حادث الطائرة.
التقرير كشف إن الطائرة ما وقعتش بسبب عطل فني...
لكن بسبب عبث متعمد قبل الإقلاع، وإن كريم كان بدأ يجمع أدلة ضد مجموعة من الأشخاص، من بينهم شريك قديم، وكانت منى على تواصل معاه قبل الحادث بأيام.
الحاج فؤاد وقع على ركبتيه وهو بيبكي.
قرب من آدم، وحضنه لأول مرة من سنين.
وقال بصوت مكسور
سامحني يا ابني... كنت فاكر إني بحميك، لكني سيبتك وسط ناس ماعندهاش رحمة.
آدم بكى، لكنه رفع إيده وربت على كتف جده.
أما منى...
فاتقبض عليها هي والحارسين، وبدأت التحقيقات في قضية الشروع في القتل، وإخفاء أدلة، والتآمر للاستيلاء على الميراث.
وبعد شهور...
رجعت الفيلا تفتح أبوابها من جديد.
لكن بشكل مختلف.
آدم قرر يحول جزءًا كبيرًا منها إلى مركز مجاني لعلاج وتأهيل الأطفال من ذوي الإعاقة، تكريمًا لذكرى والده.
وأمل...
رفضت أي مكافأة مالية ضخمة عرضها عليها الحاج فؤاد.
وقالت بابتسامة
أنا ما دخلتش النار عشان الفلوس... أنا دخلتها عشان أنقذ طفل الكل قرر يسيبه.
ابتسم آدم وقال
من النهارده... إنتِ مش خدامة.
إنتِ فرد من العيلة.
ومن يومها، بقت أمل أول شخص يقعد جنب آدم على سفرة العيلة...
لكن المرة دي، ماكانش في حد بيتكلم عنه كأنه مش موجود.
لأول مرة في حياته...
كان الجميع بيسمعه، ويحترمه، ويعتبره صاحب البيت الحقيقي.