كانت رايحة
هادئ
اتأخرتوا... كنت مستنيكم من سنين تجمدت نعومي مكانها.
كانت عيناها مثبتتين على الرجل الخارج من النفق.
كل خطوة كان بيقربها، كانت بتخلي قلبها يدق أسرع.
لما وصل لنور القمر، ظهر وشه بوضوح.
شعره بقى أبيض، وتجاعيد السنين غطت ملامحه... لكن ملامحه كانت نفسها.
همست نعومي وهي بتبكي
بابا...
الرجل ابتسم بحزن.
كبرتي يا نعومي.
جريت ناحيته من غير تفكير
فضل ساكت وهو يربت على ضهرها، كأنه بيعوض سنين الغياب كلها في لحظة واحدة.
أما مارك، فوقف مكانه مش قادر يتحرك.
قال بصوت مخنوق
إنت... إنت دفنّاك بإيدينا.
رفع الرجل عينيه إليه وقال
اللي دفنتوه... كان شخص تاني.
سكت الجميع.
حتى لاكلان، لأول مرة، كان واضح عليه الذهول.
قال
يعني زيفت موتك؟
رد الرجل
ماكنش عندي اختيار.
ثم نظر إلى الشريحة اللي في إيد نعومي.
لسه معاكي... كويس.
سألته نعومي بسرعة
إيه هي؟
تنهد، ثم قال
مش مجرد شريحة.
أمال إيه؟
دي مفتاح.
مفتاح لإيه؟
بص ناحية النفق.
تعالوا... وهتفهموا كل حاجة.
نزل الأربعة السلم الحديدي.
بعد عشرات الأمتار، وصلوا لقاعة ضخمة تحت الأرض.
القاعة كانت مليانة أجهزة كمبيوتر، شاشات مراقبة، وخرائط لمدن مختلفة حول العالم.
نعومي بصت حواليها بانبهار.
إيه المكان ده؟
والدها رد
المكان اللي كنت بدير منه الحرب الحقيقية.
وقبل ما حد يسأله، ضغط زرًا على لوحة تحكم.
فُتح باب فولاذي ضخم ببطء.
وخلف الباب...
كانت خزنة عملاقة.
في منتصفها قاعدة معدنية فيها فتحة بنفس حجم الشريحة.
قال الأب
من عشرين سنة، قسمت النظام إلى جزأين. المفتاح مع نعومي... والقفل هنا.
لاكلان اقترب خطوة.
ولو فتحناها؟
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.
هتعرفوا مين هو الأب الحقيقي...
في اللحظة نفسها، دوى إنذار قوي في القاعة.
وأضاءت الشاشات كلها باللون الأحمر.
ظهر على إحداها وجه إيزابيلا.
كانت تنظر مباشرة إلى الكاميرا وتبتسم.
وقالت بهدوء
شكرًا... لأنكم وصلتموني للمكان اللي فضلت أدور عليه عشر سنين.
ثم انقطع البث...
وفي نفس الثانية، بدأت أبواب القاعة تُغلق تلقائيًا، بينما ظهر على الشاشة عدٌّ تنازلي
0959... 0958... 0957...
ولم يكن أحد يعرف هل هو عدٌّ لانفجار... أم لشيء أخطر بكثير العد التنازلي وصل إلى
0010... 0009... 0008...
الجميع كان واقف في صمت.
نعومي ماسكة الشريحة بإيد مرتعشة.
لاكلان قال بهدوء
اعملي اللي أبوكي قال عليه.
والدها أومأ برأسه.
حطي الشريحة.
أدخلت نعومي الشريحة في الفتحة المعدنية.
ثانية...
واتنين...
ثم انطفأت كل الشاشات.
توقف العد التنازلي عند 0001.
وساد المكان صمت تام.
بعدها، انفتح الباب الأخير في الخزنة ببطء.
لم يكن بداخله ذهب... ولا أموال... ولا أسلحة.
كان مجرد صندوق خشبي قديم.
فتح الأب الصندوق، وأخرج مجموعة أوراق وعقود وأقراص تخزين.
قال وهو ينظر إلى الجميع
دي الأدلة الحقيقية... أسماء كل اللي بنى إمبراطورية الجريمة، والسياسيين اللي حموها، ورجال الأعمال اللي موّلوها.
نظر إلى لاكلان.
كنت أقدر أستخدمها وأحكم العالم السفلي... لكني فضلت أخبيها لحد ما ييجي الوقت الصح.
في تلك اللحظة، دوى صوت إطلاق نار.
رصاصة اخترقت كتف الأب.
سقط على ركبتيه.
التفت الجميع بسرعة.
كانت إيزابيلا تقف عند مدخل القاعة، ومعها عشرات المسلحين.
ابتسمت وقالت
شكرًا... وفرتوا عليّ عشرين سنة من البحث.
لكن قبل أن ترفع سلاحها مرة أخرى...
ألقى لاكلان بنفسه أمام نعومي، بينما اندفع رجاله في اشتباك عنيف مع رجال إيزابيلا.
استمرت المعركة دقائق طويلة.
وفي النهاية، استطاع مارك أن يلتف خلف إيزابيلا وينزع سلاحها.
حاولت الهرب...
لكن نعومي واجهتها لأول مرة.
قالت بهدوء
كل اللي عملتيه انتهى.
ضغطت نعومي زرًا صغيرًا داخل الصندوق.
في اللحظة نفسها، أُرسلت جميع الملفات تلقائيًا إلى عشرات الجهات الأمنية والصحف حول العالم.
نظر لاكلان إلى الشاشة التي أكدت نجاح الإرسال.
ابتسم لأول مرة براحة.
إيزابيلا صرخت
لأ...!
لكن الوقت كان قد فات.
بعد ساعات قليلة، بدأت الاعتقالات في مدن مختلفة، وسقطت أكبر شبكة جريمة منظمة عرفتها البلاد.
بعد ستة أشهر...
جلس لاكلان ونعومي على مقعد يطل على بحيرة هادئة.
لم يعد هناك حراس.
ولا سيارات سوداء.
ولا مطاردات.
نظر إليها وقال
دلوقتي... تقدري تعيشي الحياة اللي كنتِ بتحلمي بيها.
ابتسمت وهي تنظر إلى الأفق.
وأنت؟
ابتسم ابتسامة هادئة لم تعرفها فيه من قبل.
أنا كمان... لأول مرة من سنين، بقيت حر.
في الجهة الأخرى، كان مارك قد بدأ حياة جديدة، يعمل مع السلطات لكشف ما تبقى من الشبكة، بينما عاش والدهما ما تبقى من عمره بعيدًا عن الظلال التي طاردته سنوات طويلة.
أما نعومي...
فأدركت أن الهروب لم يكن هو طريق النجاة.
النجاة الحقيقية كانت في مواجهة الماضي، مهما كان مؤلمًا.
تمت.