طلقني
طلقني وأنا شايلة بنتنا وقال أنا عايز ولد... لكن بعد ست سنين وقف قدامي يبكي ويقول خسرت أغلى نعمة في حياتي.
كان صوت أجهزة المستشفى هو الشيء الوحيد اللي بكسره بكاء بنتي الصغيرة.
كنت لسه خارجة من الولادة، وتعبانة، وما صدقت إن ربنا رزقني بطفلة جميلة.
حضنتها وقبلت جبينها وأنا أقول الحمد لله... أهم حاجة إنها بخير.
لكن فرحتي ما كملتش.
باب الأوضة اتفتح، ودخل جوزي دومينيك، ووراه أمه.
بص للبنت ثواني، من غير ما يشيلها أو حتى يقرب منها.
قال بصوت بارد بنت؟
هززت رأسي بابتسامة أيوه... بص لها، شبهك.
لكن ملامحه ما اتحركتش.
أما أمه، فتنهدت وقالت كنا مستنيين ولد.
حاولت أضحك وأقول البنات رزق وبركة.
لكنها ردت بحدة إحنا محتاجين اللي يشيل اسم العيلة.
بصلي دومينيك، وحط ظرف أبيض على السرير.
استغربت.
فتحت الظرف.
إيدي بدأت ترتعش.
كانت أوراق طلاق.
بصيتله وأنا مش مستوعبة.
قلت إيه ده؟
رد بمنتهى البرود اتخذت قراري.
قلت وأنا ببكي إحنا لسه جايبين بنتنا للدنيا.
قال أنا كنت واضح من البداية... نفسي في ولد.
حاولت أقوله إن مفيش حد بيختار نوع الجنين.
لكن أمه قاطعتني ربنا يعوضك في بيت تاني.
في اللحظة دي حسيت إن الأرض بتنهار تحت رجلي.
خرجوا من الأوضة.
ولا واحد منهم حتى بص للبنت.
حضنتها بقوة.
ووعدتها بيني وبين نفسي
مهما حصل... هكبرك وأخليكي تعرفي إن قيمتك مش بتتحدد لأنك بنت.
مرت أيام الطلاق بسرعة.
رجعت بيت أبويا وأنا شايلة بنتي.
كان أبويا أول واحد يستقبلني.
شاف دموعي، لكنه ما سألش.
أخد حفيدته بين إيديه، وباسها، وقال بابتسامة دي هتبقى أغلى بنت في الدنيا.
الكلمة دي كانت أول مرة أحس فيها بالأمان من يوم ولدت.
أما دومينيك...
فكان عايش حياته كأننا ما كناش موجودين.
كل اللي كان يوصلني عنه إنه مركز في شغله، وأمه بتدورله على عروسة جديدة، وكل اللي يهمها إنها تجيب ولد.
أما أنا...
بدأت حياة جديدة.
كنت بصحى قبل الفجر.
أشتغل، وأرجع أجري على بنتي.
كل خطوة كنت باخدها كانت علشانها.
وكل مرة كانت تضحك فيها...
كنت أنسى وجعي كله.
لكن ما كنتش أعرف...
إن السنين الجاية هتخلي دومينيك يندم على القرار اللي أخده في أوضة المستشفى...الجزء الثاني
مرت سنتان...
وجريس كبرت، وبقى ضحكها يملأ البيت كله.
كانت أول ما تصحى من النوم تجري عليّا وهي تقول صباح الخير يا ماما.
وكل مرة كنت أحضنها، أحمد ربنا إنه رزقني بيها.
اشتغلت في شركة صغيرة، وبعد الشغل كنت أعمل أي شغل إضافي أقدر عليه.
مكنش سهل...
لكن عمري ما ندمت.
في الناحية التانية...
كان دومينيك بيحقق نجاح كبير في شغله.
وأمه كانت كل يوم تضغط عليه
لازم تتجوز... لازم يبقى عندك وريث.
وفي النهاية وافق.
اتخطب لبنت اسمها بروك.
كانت جميلة، ومن عيلة معروفة، وكل الناس كانت شايفة إنهم الثنائي المثالي.
وصلتني الأخبار بالصدفة.
ابتسمت، وكملت يومي كأن الموضوع ما يخصنيش.
لكن اللي ماكنتش أعرفه...
إن جريس هي اللي هتغير كل حاجة.
في يوم المدرسة، المدرّسة طلبت من الأطفال يرسموا عيلتهم.
كل طفل رسم أبوه وأمه.
أما جريس...
فرسمتني أنا بس.
ولما المدرسة سألتها برقة
هو بابا فين يا جريس؟
ابتسمت الصغيرة وقالت
بابا مش معانا... بس ماما بتقولي إن ربنا بيحبني، وجدي بيحبني، وده كفاية.
الكلمات دي وصلت لوداني بعد أيام، لما المدرسة كلمتني.
رجعت البيت يومها وفضلت أبكي.
مش ضعف...
لكن وجع.
وجع إن طفلة صغيرة اتعلمت تعيش من غير أبوها.
بعد أسبوع...
وأنا خارجة من الشغل، لقيت عربية فاخرة وقفت قدامي.
نزل منها رجل لابس بدلة.
قال باحترام
حضرتك الأستاذة؟
استغربت.
قلت أيوه.
ناولني ظرف.
وقال
دي دعوة.
فتحتها...
وكانت دعوة زفاف دومينيك وبروك.
وفي آخرها مكتوب بخط إيده
أتمنى تكوني بدأتي حياة جديدة زي ما أنا بدأت.
قفلت الدعوة بهدوء.
ورجعت حطيتها في الشنطة.
من غير ما أقول كلمة.
لما رجعت البيت، أبويا لاحظ إني سرحانة.
ناولته الدعوة.
قرأها.
وبصلي.
وقال
هتروحي؟
هززت رأسي بالنفي.
لكن جدي جريس، اللي كان ساكت طول الوقت، قال بهدوء
روحي.
استغربت.
قلت أروح ليه؟
ابتسم وقال
مش علشانه... علشان نفسك. علشان تعرفي إنك بقيتي أقوى من الوجع.
فضلت طول الليل أفكر.
أنسى...
ولا أواجه الماضي للمرة الأخيرة؟
وفي صباح اليوم التالي...
رن هاتفي.
كان رقم غريب.
رديت.
جالي صوت هادئ قال
معايا الأستاذة...؟
أيوه.
أنا محامي الأستاذ دومينيك... وعندي أمانة لازم أوصلها لحضرتك قبل يوم الفرح.
سكتُّ للحظة.
وقبل ما أسأله أي سؤال...
قال جملة خلت قلبي يدق بعنف
في حاجة تخص مستقبل بنتك... ولازم تعرفيها قبل ما يتم الجواز.
يتبع...الجزء الثالث
فضلت ماسكة التليفون ثواني من غير ما أتكلم.
سألته بهدوء
تقصد إيه بمستقبل بنتي؟
رد المحامي
مش هينفع أشرح في التليفون... لو تسمحي نتقابل نص ساعة بس.
قفلت المكالمة، وفضلت أفكر.
أنا مالي بدومينيك بعد كل اللي حصل؟
لكن أول ما سمعت كلمة بنتك، عرفت إن لازم أروح.
...
في اليوم التالي، دخلت مكتب المحامي.
كان رجلًا في الخمسين من عمره، ملامحه هادئة.
وقف أول ما شافني وقال
أهلًا يا مدام.
قعدت قدامه وسألته مباشرة
خير؟
فتح ملفًا أمامه، وقال
أنا كنت المحامي الشخصي لوالد دومينيك قبل وفاته.
استغربت.
واصل كلامه
والده كتب وصية من سنين... لكن تنفيذ جزء منها اتأجل لحد ما أول حفيد يدخل المدرسة.
اتسعت عيناي.
وحفيده الأول... هي جريس.
سكتُّ تمامًا.
أخرج من الملف ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال
الوصية دي ماحدش يعرف عنها حاجة غيري، وكانت تعليمات المرحوم إنها تُفتح في الوقت المناسب.
ناولني الظرف.
كانت إيدي بترتعش.
فتحت الوصية ببطء.
وبدأت أقرأ.
إذا وصل هذا الخطاب إلى حفيدتي أو حفيدي، فأعلموا أنني لا أفرق بين ولد وبنت. ومن يفرق بين أولاده لا يستحق أن يحمل اسم عائلتنا.
وقفت عن القراءة.
الدموع نزلت من غير ما أحس.
أما المحامي فقال
في جزء تاني.
كملت.
خصصت صندوقًا ماليًا وتعليميًا لأول أحفادي، ويُصرف بالكامل لصالحه عند دخوله المدرسة، بشرط ألا يُحرم من حقه بسبب أي خلاف بين والديه.
رفعت رأسي.
قلت
يعني... جريس لها حق؟
ابتسم.
حقها كامل.
...
خرجت من المكتب وأنا مش مصدقة.
ماكنتش فرحانة بسبب الفلوس.
كنت