ضرتي حكايات بسمه
المحتويات
عارفة البيت ده.
لفيت ناحيتها بسرعة.
إنتِ روحتيه؟
هزت رأسها بالإيجاب.
مرة واحدة... بعد أسبوع من الولادة.
سكتت شوية، وكأن الذكرى بتوجعها.
ثم قالت
هو اللي وداني.
وأشارت بإيدها ناحية جوزي.
بصيتله بصدمة.
وداكِ ليه؟
قبل ما يرد، قالت هي
دخلني أوضة مقفولة، وقالي استني هنا ومتفتحيش الباب مهما سمعتي.
اتوترت وأنا بسمعها.
وبعدين؟
بلعت ريقها.
بعد حوالي نص ساعة... سمعت صوت راجل بيزعق.
وصوت ست بتعيط.
وبعدين...
صوت طفلين بيصرخوا في نفس الوقت.
بنتي مسكت إيدي بقوة.
أما بنت ضرتي، فكانت عينيها مليانة دموع.
ضرتي كملت
لما خرجنا، كان معاه شنطة صغيرة سودة... وكان وشه متغير.
سألته فيها إيه؟
قالي
متسأليش.
الراجل العجوز فتح الملف على آخر صفحة.
وقال
كنت فاكر إن الشنطة دي عمرها ما هتظهر.
أنا بصيتله.
إنت تعرف عنها حاجة؟
هز رأسه.
لأنها كانت أمانة.
سكت لحظة...
ثم أضاف
والأمانة دي لسه موجودة.
كلنا اتكلمنا في نفس الوقت
فين؟
الراجل أشار بإصبعه ناحية جوزي.
وقال
اسألوه هو... لأنه الوحيد اللي يعرف خبّاها فين.
جوزي ضحك فجأة...
ضحكة غريبة، خلتنا كلنا نبصله.
وقال
حتى لو عرفتم مكانها... فات الأوان.
قلت بغضب
يعني إيه فات الأوان؟
رد وهو بيبص في الساعة
لأن الشخص اللي كان مستنيها...
وصل.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت عربية تقف قدام البيت.
وبعدها مباشرة...
خبطات قوية جدًا على الباب.
ثم صوت راجل من بره بيقول
افتحوا... أنا جاي آخد حقي بعد سبعتاشر سنة.
يتبع...البيت كله سكت.
حتى أنفاسنا بقينا سامعينها.
الخبط على الباب زاد بعنف.
دق... دق... دق...
جوزي قام يجري ناحية الباب وهو بيصرخ
محدش يفتح!
لكن الراجل العجوز وقف قدامه.
وقال بحزم
كفاية هروب.
راح وفتح الباب بنفسه.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، هدومه بسيطة، لكن ملامحه كانت مليانة تعب.
أول ما شاف الراجل العجوز قال
لسه محتفظ بالملف؟
هز العجوز رأسه.
زي ما وعدتك.
الراجل لف وبص علينا كلنا.
وبعدين وقعت عينه على جوزي.
وقال
افتكرت إنك دفنت كل حاجة؟
جوزي رد بحدة
إنت مالكش حق تدخل بيتي.
الراجل ابتسم بسخرية.
البيت ده آخر حاجة تهمني... أنا جاي عشان الحقيقة.
أنا قربت منه وسألته
حضرتك مين؟
رد
اسمي حسن... وكنت سواق الإسعاف اللي نقل زوجتكم من المستشفى يوم الولادة.
كلنا بصينا لبعض.
الراجل كمل
وفي الطريق... حصلت حاجة عمرها ما خرجت للنور.
جوزي قاطعه بسرعة
كذاب!
لكن حسن تجاهله.
وقال
العربية وقفت عشر دقايق في مكان مهجور... بناءً على طلبه.
وأشار بإيده ناحية جوزي.
حسيت جسمي كله قشعر.
قلت
وقف الإسعاف؟ ليه؟
حسن رد
لأن كان فيه حد مستني يستلم حاجة.
بنت ضرتي همست
إيه الحاجة؟
حسن سكت شوية.
وبعدين قال
أنا شفت شنطة صغيرة... مقفولة.
بس ما شفتش اللي كان جواها.
وجوزي قال لي وقتها
لو اتكلمت... هتندم طول عمرك.
ضرتي غمضت عينيها.
واضح إنها كانت سامعة الكلام ده لأول مرة.
أما أنا، فكنت حاسة إن كل إجابة بتفتح عشر أسئلة جديدة.
الراجل العجوز فتح الملف مرة تانية.
وقال
كل اللي عرفناه لحد دلوقتي يثبت إن حصل تلاعب...
لكن لسه مفيش دليل يثبت إيه اللي كان جوه الشنطة.
وفجأة...
بنتي قالت وهي باصة ناحية باب المخزن تحت السلم
بابا...
كلنا بصينا عليها.
قالت
هو المخزن ده عمره ما كان بيتفتح ليه؟
جوزي اتجمد.
ولأول مرة من بداية الليلة...
ظهر عليه الذعر الحقيقي.
جري بسرعة ناحية باب المخزن.
لكن حسن مسكه من كتفه.
وقال
واضح إن السر... مستخبي هناك من سبعتاشر سنة.
وفي اللحظة دي...
طلع صوت غريب من داخل المخزن...
كأن حاجة معدنية وقعت على الأرض...
رغم إن الباب كان مقفول، ومحدش دخل هناك من سنين.
يتبع...بصينا كلنا ناحية باب المخزن.
الصوت اتكرر.
طَق... طَق...
كأن حاجة بتتحرك من جوه.
بنتي مسكت إيدي وهي بتهمس
ماما... فيه حد؟
جوزي صرخ بسرعة
مفيش حد! محدش يقرب من الباب!
لكن حسن قرب من المخزن، وحاول يفتح الباب.
كان مقفول بقفل قديم، باين عليه الصدأ.
قال بهدوء
فين المفتاح؟
جوزي رد من غير ما يبصله
ضاع من سنين.
الراجل العجوز ابتسم وقال
الغريب... إن الأقفال دي بتتفتح بمفتاح احتياطي.
وأخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
رفعته قدام وشه وأنا مذهولة.
إنت جبت المفتاح ده منين؟
قال
مع الملف... من سبعتاشر سنة.
جوزي فقد أعصابه، وحاول يخطف المفتاح.
لكن حسن منعه.
وفي ثواني...
دخل المفتاح في القفل.
لفه ببطء...
وسمعنا صوت تكة عالية.
كليك...
اتفتح الباب.
ريحة تراب ورطوبة خرجت من المخزن.
كلنا وقفنا على الباب.
الإضاءة كانت ضعيفة.
والمكان مليان كراتين قديمة وأثاث مكسور.
حسن دخل أول واحد.
وفجأة وقف مكانه.
بص ناحية ركن بعيد.
وقال بصوت منخفض
لسه موجودة...
جريت أبص.
كان فيه صندوق خشبي صغير، عليه نفس القفل اللي كان على الملف.
رفعه حسن وحطه على الترابيزة.
جوزي قعد على الأرض، وحط راسه بين إيديه.
وقال لأول مرة
بلاش... سيبوه مقفول.
أنا بصيتله بغضب.
دلوقتي بتقول بلاش؟
حسن فتح الصندوق ببطء.
كلنا كنا مستنيين نشوف إيه اللي فيه.
لكن أول حاجة ظهرت...
ما كانتش فلوس...
ولا أوراق...
كانت بطانية أطفال بيضا صغيرة، ملفوفة بعناية.
تحتها...
زازة رضاعة قديمة.
ولهاية.
وأسورة مستشفى تانية.
الراجل العجوز شال الأسورة، ومسح التراب عنها.
واتسعت عينيه.
وقال
دي مش لأي واحدة من البنتين.
سألناه كلنا في نفس اللحظة
أمال لمين؟
بلع ريقه، وقلب الأسورة.
وكان محفور عليها اسم...
ما حدش فينا عمره سمعه قبل كده.
آدم.
سكت المكان كله.
أنا همست
آدم مين؟
ضرتي بصت لجوزها، وشها كله صدمة.
وقالت
إنت قلتلي إن الطفل... مات يوم ولادته!
جوزي رفع راسه ببطء...
ولأول مرة، نزلت دمعة من عينه.
لكنه ما أنكرش.
ولا قال إنها كذبة.
فهمنا في اللحظة دي...
إن سر الليلة دي ما كانش متعلق بالبنتين بس...
كان فيه طفل ثالث اختفى من المستشفى...
واسمه آدم.
يتبع...سادت حالة من الصمت.
كل واحد فينا كان بيبص للأسورة وكأنها هتنطق.
أنا كسرت الصمت.
مين آدم؟
جوزي غمض عينيه، لكنه فضل ساكت.
ضرتي قربت منه، وقالت بصوت مرتعش
رد... هو ابني؟
فتح عينيه ببطء وقال
كنت فاكر إن السر ده مات.
صرخت فيه
رد على السؤال!
قبل ما يتكلم، حسن مد إيده للصندوق.
وقال
لسه فيه حاجة.
طلع ظرف صغير، عليه شريط لاصق قديم.
كان مكتوب عليه بخط واضح
لا يُفتح إلا إذا ظهر آدم.
بنتي قالت باستغراب
يعني هو عايش؟
الراجل العجوز هز رأسه.
أنا معرفش... لكن اللي كتب الجملة دي كان متأكد إنه ممكن يرجع في يوم.
حسن قلب الصندوق تاني.
وقع مفتاح صغير، ومعاه ميدالية مكتوب عليها رقم
17
ضرتي شهقت.
ده رقم حضانة الأطفال في المستشفى.
أنا سألتها بسرعة
إنتِ عرفتي منين؟
قالت
لأني دخلتها مرة... يوم الولادة.
جوزي بص لها بحدة.
إنتِ وعدتيني تنسي اللي شوفتيه.
ردت وهي بتبكي
حاولت... سبعتاشر سنة وأنا بحاول.
لكن كل ليلة كنت بصحى على صوت طفل بيعيط في ودني.
حسن فتح الظرف بحذر.
كلنا قربنا.
كان فيه ورقة واحدة فقط.
قرأ أول سطر... وسكت.
قلت بعصبية
اقرأ!
رفع عينه وقال
مش قادر.
أخدت الورقة من إيده.
كان مكتوب فيها
إذا وصلتكم الرسالة دي، يبقى الشخص اللي خطط لكل حاجة نجح يخبي الحقيقة سنين... لكن فيه دليل أخير، مش في المستشفى، ولا في البيت... الدليل مدفون تحت شجرة الجميز.
قلبي دق بعنف.
رفعت عيني.
شجرة الجميز؟
الراجل العجوز قال بسرعة
اللي كانت قدام بيت عيلتك القديم.
اتجمدت.
همست
بس... الشجرة دي اتقطعت من حوالي خمسطعشر سنة.
حسن ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال
الشجرة اتقطعت...
لكن جذورها لسه في الأرض.
وجواها...
الحقيقة اللي محدش قدر يوصلها.
وفجأة...
رن هاتف جوزي.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
أنا خطفت الموبايل من إيده.
كان الرقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل كبير في السن بيقول بهدوء
لو وصلتوا لشجرة الجميز... يبقى للأسف سبقتوني.
وسكت ثانية...
ثم قال
لكن متتعبوش نفسكم...
الصندوق اللي تحتها... أخدته النهارده الصبح.
يتبع...قفلت المكالمة وإيدي بتترعش.
بصيت لجوزي.
لقيته مش متفاجئ...
كان مرعوب.
قلت له
إنت تعرف مين اللي كان بيكلمني؟
هز راسه بالنفي، لكن عينيه فضحته.
حسن شد منه الموبايل بسرعة.
وقال
هات الرقم.
بص في الشاشة...
لكن مفيش أي رقم ظاهر.
مكتوب بس
رقم خاص.
الراجل العجوز قال
واضح إن اللي بيتابعنا عارف كل خطوة بنعملها.
بنتي قالت وهي بتبكي
يعني في حد كان مراقبنا طول الوقت؟
محدش رد.
وفجأة...
ضرتي افتكرت حاجة.
حطت إيدها على رأسها وقالت
الدفتر!
بصلنالها باستغراب.
قالت
كان فيه دفتر صغير أسود... هو خبّاه ليلة ما رجعنا من المستشفى.
أنا سألتها بسرعة
فين؟
قالت
ماعرفش... بس فاكرة إنه قال وقتها لو حد لقى الدفتر ده، كل حاجة هتنتهي.
كل الأنظار راحت ناحية جوزي.
قلت
الدفتر فين؟
تنهد لأول مرة وقال
مش عندي.
حسن رد عليه فورًا
كداب.
وقبل ما جوزي ينطق...
بنتي قالت
أنا شفته.
كلنا لفينا ناحيتها.
قالت
من حوالي شهر... وأنا بدور على صور قديمة في الدولاب، لقيت دفتر أسود تحت هدوم قديمة.
أول ما بابا شافه، خطفه مني وقال إنه دفتر حسابات قديم.
جوزي صرخ فيها
اسكتي!
لكنها كملت
وفي نفس الليلة... خرج بالعربية الساعة اتنين الفجر.
حسن قال
وده كان اليوم اللي شجرة الجميز اتنبشت.
الراجل العجوز بص لجوزي وقال
يعني الدفتر مع الشخص اللي اتصل بينا.
سكت جوزي.
ثم قال جملة خلتنا كلنا نتجمد
حتى لو جبتوا الدفتر...
مش هتعرفوا الحقيقة.
قلت بغضب
وليه؟
رفع رأسه وقال بصوت مكسور
لأن الحقيقة اللي أنتم بتدوروا عليها...
مش مكتوبة فيه.
اتسعت عيني.
أمال مكتوبة فين؟
رد بعد لحظة صمت طويلة
في اعتراف...
شخص كتبه بإيده قبل ما يموت.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت عربية إسعاف وقفت قدام البيت.
نزل منها شاب
متابعة القراءة