ضرتي حكايات بسمه

لمحة نيوز

في أواخر العشرينات، وجري ناحية الباب وهو ماسك ملف طبي.
أول ما دخل، بص على جوزي وقال
أنا دورت عليك سنين.
ثم أخرج صورة قديمة من الملف...
وحطها على الترابيزة.
كانت صورة لطفل رضيع ملفوف في نفس البطانية البيضاء اللي لقيناها في الصندوق...
وخلف الصورة مكتوب بخط اليد
آدم... إذا كبرت يومًا، سامحني.
يتبع...الشاب حط الصورة قدامنا، وإيده كانت بتترعش.
بص لجوزي وقال
فاكر الصورة دي؟
جوزي أول ما شافها، وشه فقد لونه.
حاول يبعدها بعينه، لكنه معرفش.
أنا أخدت الصورة.
كان الطفل الرضيع لابس نفس الإسورة اللي لقيناها في الصندوق.
وخلف الصورة جملة تانية مكتوبة بخط صغير
لو ضاعت الصورة... يبقى ضاع آخر دليل.
رفعت عيني للشاب.
إنت مين؟
رد بهدوء
أنا دكتور في المستشفى اللي كان شغال فيها أبويا.
حسن قطعه بسرعة
أبوك اسمه إيه؟
قال
الدكتور سامي...
كان رئيس قسم الأطفال وقتها.
الراجل العجوز شهق.
يعني... إنت ابن الدكتور سامي؟
هز رأسه.
أبويا مات من ست شهور.
وقبل ما يموت، سلمني ملف وقال لي
لو قابلت الراجل ده...
وأشار بإيده ناحية جوزي.
...قوله إن وقت الهروب خلص.
جوزي قعد على الكرسي، كأنه فقد كل قوته.
الشاب فتح الملف.
طلع منه جواب قديم، مختوم بالشمع الأحمر.
وقال
أبويا كتب عليه لا يُفتح إلا أمام كل أصحاب الحقيقة.
كلنا اتجمعنا حوالين الترابيزة.
الشاب فك الختم ببطء.
فتح الجواب...
لكن بدل ما يقرأ، اتجمد مكانه.
أنا قلت بلهفة
فيه إيه؟
رفع الورقة، وقال بصوت مخنوق
مستحيل...
خطف حسن الورقة منه.
قرأ أول سطر...
وبص لجوزي بصدمة.
ثم قال
أنا طول عمري كنت فاكر إنك السبب...
لكن اللي مكتوب هنا بيقول إنك...
ما كنتش أول واحد بدأ اللعبة.
اتسعت عيوننا.
أنا قربت منه.
يعني إيه؟
قبل ما يجاوب...
انقطع النور فجأة.
البيت غرق في الضلمة.
وبعد ثوانٍ...
سمعنا صوت تكسير زجاج من ناحية المطبخ.
ثم صوت خطوات سريعة...
بتجري جوه البيت.
وبعدين...
صوت واحد بيصرخ
الجواب... فين الجواب؟!
كلنا اتجمدنا.
لأن الصوت...
ما كانش صوت أي حد موجود معانا.
يتبع...الضلمة كانت خانقة.
محدش شايف التاني.
بس صوت الأنفاس والخطوات كان مالي المكان.
حسن صرخ
اقفلوا الباب! محدش يخرج!
في اللحظة دي...
سمعنا صوت درج بيتفتح.
ثم خبطات سريعة كأن حد بيقلب في الأدراج بجنون.
جوزي قام يجري ناحية الصوت وهو بيصرخ
سيب الورق!
وفجأة...
رجع النور.
بصينا ناحية المطبخ.
كل حاجة كانت مقلوبة.
الأدراج مفتوحة.
والإزاز مكسور.
لكن...
مفيش حد.
بنتي قالت وهي بترتعش
أنا شفت واحد نط من الشباك.
حسن جري ناحية الشباك.
بص بره.
كان فيه عربية سودا بتتحرك بسرعة في آخر الشارع.
حاول يحفظ رقمها...
لكن الطين كان مغطي اللوحة.
رجع بسرعة وقال
فات.
الراجل العجوز بص ناحية الترابيزة فجأة.
وشه اتغير.
الجواب!
بصينا كلنا.
الجواب كان لسه مكانه...
لكن آخر صفحة منه اختفت.
أنا قلت بذهول
يعني اللي دخل كان عارف هو بيدور على إيه.
الشاب فتح الملف من تاني.
وقلب باقي الأوراق.
قال
الصفحة الناقصة كانت آخر اعتراف كتبه أبويا.
حسن سأله
كان فيها إيه؟
هز رأسه.
ماعرفش... أنا ما قريتهاش قبل كده.
ضرتي قالت وهي بتفكر
يبقى اللي سرقها كان عارف محتواها.
جوزي لأول مرة رفع صوته وقال
قولتلكم بلاش تفتحوا الماضي!
بصيتله بغضب.
واضح إن الماضي لسه عايش معانا.
وفجأة...
رن جرس الباب مرة تانية.
الكل اتوتر.
حسن فتح بحذر.
كانت بنت صغيرة، عمرها حوالي عشر سنين.
واقفة ومعاها ظرف أبيض.
قالت
واحد اداني الظرف ده وقال أوصله للبيت ده بسرعة.
وسابت الظرف وجريت.
فتحت الظرف.
كان فيه صفحة مطوية.
نفس نوع الورق اللي اتسرق.
لكن مكتوب في آخرها بخط مختلف
لو عايزين تعرفوا الحقيقة كاملة... اقابلوني بكرة الساعة 12 ظهرًا، في نفس أوضة الولادة القديمة بالمستشفى.
وتحت الرسالة توقيع واحد فقط...
الشاهد الأخير.
يتبع...الكل ثبت مكانه.
الراجل خرج من الضلمة ببطء.
كان شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد، لكن هيبته كانت لسه زي ما هي.
الشاب الدكتور أول ما شافه، اتسعت عينه.
مستحيل...!
حسن همس
إنت... لسه عايش؟
الراجل ابتسم ابتسامة باهتة.
واضح إن خبر موتي وصل للكل.
أنا قربت خطوة.
حضرتك مين؟
قال بهدوء
أنا الدكتور فؤاد... مدير المستشفى وقت ولادتكم.
ضرتي شهقت وحطت إيدها على بقها.
أنا فاكرة اسمك...
الدكتور فؤاد هز رأسه.
وأنا فاكر اليوم ده دقيقة بدقيقة.
بص ناحية جوزي.
وقال
لكن قبل ما أتكلم... فيه سؤال لازم يتجاوب.
لف ناحية جوزي مباشرة.
بعد سبعتاشر سنة... لسه محتفظ بالمفتاح؟
جوزي نزل عينه في الأرض.
وطلع من جيبه سلسلة فضة.
كان متعلق فيها مفتاح صغير.
نفس شكل المفتاح اللي لقيناه في الصندوق.
أنا صرخت
ده مفتاح إيه؟
الدكتور فؤاد قال
ده بيفتح خزنة.
حسن سأله بسرعة
خزنة فين؟
رد
في المستشفى دي.
اتجه ناحية آخر الممر.
وقف قدام حائط قديم.
ضغط على طوبة بارزة.
وفجأة...
اتفتح باب حديد صغير كان مستخبي جوه الحيطة.
كلنا بصينا لبعض بذهول.
الدكتور قال
الخزنة لسه جوه.
جوزي اتحرك بسرعة.
لكن حسن مسكه.
مش المرة دي.
الدكتور فؤاد أخد المفتاح من إيده.
وقرب من الخزنة.
لف المفتاح مرة...
واتنين...
ثم سمعنا صوت تكة.
الخزنة اتفتحت ببطء.
كان جواها ملف بني سميك.
ومعاه...
شريط كاسيت قديم.
وصورة جماعية لأفراد الطاقم الطبي.
الدكتور طلع الصورة.
وأشار بإصبعه.
بصوا كويس.
بصينا.
كان كل الأطباء والممرضات واقفين.
لكن في آخر الصف...
واقف شخص لابس بالطو أبيض.
ووشه متعلم بدائرة حمراء.
قلت
مين ده؟
الدكتور فؤاد تنهد.
وقال
ده الشخص اللي دخل أوضة الولادة من غير ما يكون له أي حق يدخلها.
بنتي سألت بخوف
وكان عايز إيه؟
رد الدكتور وهو بيبص ناحية جوزي
كان عايز طفل واحد بعينه.
وفجأة...
جوزي صرخ بأعلى صوته
بس!!
ثم اندفع ناحية الصورة...
وخطفها من إيد الدكتور...
وقبل ما حد يوقفه...
مزقها نصفين.
لكن وهو بيمزقها...
وقعت من خلفها ورقة صغيرة كانت مخبية بين الصورة والكرتون.
حسن التقطها بسرعة.
قرأ أول سطر...
واتغير لون وشه.
ثم رفع عينه وقال
لا...
اللي كنا فاكرينه هو المجرم... كان مجرد منفذ.
يتبع...تبادلنا النظرات.
محدش فينا نطق.
أنا كنت أول واحدة كسرت الصمت.
هنروح.
جوزي وقف قدامي بسرعة.
مفيش حد هيروح.
بصيتله بحدة.
بعد كل اللي حصل... لسه فاكر إنك هتمنعنا؟
حسن أخد الظرف، قلبه بين إيديه، وقال
الورقة دي جديدة... لسه الحبر ما نشفش بالكامل. يعني اللي كتبها كان قريب من هنا.
الشاب الدكتور قال
وده معناه إنه كان بيراقب البيت.
قضينا الليلة من غير نوم.
كل واحد قاعد في ركن، بيفكر.
أما جوزي...
فكان ساكت بشكل غريب، وكأنه مستني حاجة.
تاني يوم...
وصلنا المستشفى القديمة قبل الساعة 12 بعشر دقايق.
المكان كان شبه مهجور.
أقسام كتير اتقفلت، والحيطان بقى لونها أصفر من الزمن.
مشينا لحد ما وصلنا عند باب مكتوب عليه
غرفة الولادة جناح قديم.
الباب كان موارب.
حسن فتحه بهدوء.
دخلنا.
الأوضة كانت فاضية...
إلا من كرسي واحد في النص.
وفوق الكرسي...
جهاز تسجيل قديم.
ولما قربنا...
اشتغل لوحده.
وطلع صوت ست كبيرة في السن.
قالت
إذا كنتوا بتسمعوا التسجيل ده... يبقى أنا غالبًا مت قبل ما أقدر أتكلم.
ضرتي شهقت.
الصوت ده...
أنا أعرفه.
أنا بصيتلها.
مين؟
قالت وهي بتبكي
دي... رئيسة الممرضات.
الصوت كمل
أنا سكت سنين... لأني خفت. لكن ضميري قتلني.
اللي حصل يومها... ما كانش مجرد تبديل أطفال.
كلنا قربنا من الجهاز.
حتى جوزي، رغم إنه كان بيحاول يبان ثابت.
الصوت قال
كان فيه شخص تالت موجود في أوضة الولادة... شخص ما كانش اسمه موجود في أي سجل.
أنا همست
شخص تالت؟
الصوت رد وكأنه سامعني
ولو عرفتوا اسمه... هتعرفوا ليه كل الأسرار دي اتدفنت.
وفجأة...
الجهاز وقف.
ثم سمعنا صوت تصفيق بطيء جاي من آخر الممر.
لفينا كلنا.
كان فيه راجل لابس بالطو أبيض قديم، واقف في الضلمة.
وشه مش باين.
لكن صوته كان واضح.
قال
كويس... أخيرًا وصلتوا للنقطة اللي كنت مستنيها.
وبعدين خطا خطوة لقدام وقال
دلوقتي... أقدر أقولكم الحقيقة اللي محدش يعرفها.
يتبع...حسن رفع القصاصة قدامنا.
الدفتر... هو اللي فيه تكملة التسجيل.
أنا عقدت حواجبي.
يعني إيه تكملة التسجيل؟
الدكتور فؤاد رد وهو بيقلب جهاز الكاسيت بين إيديه
زمان كان فيه طريقة بيكتبوا بيها ملاحظات عن التسجيلات في دفتر منفصل... كل دقيقة مهمة كانت بتتسجل فيه بالحرف.
الشاب الدكتور سأل بسرعة
يعني الدفتر الأسود؟
الدكتور فؤاد هز رأسه.
أيوه... الدفتر اللي كلنا بندور عليه.
بصينا ناحية جوزي.
كان واقف ساكت.
لكن ملامحه اتغيرت.
قلت له
آخر مرة هسألك... الدفتر فين؟
رفع رأسه وقال بهدوء غريب
حتى لو قلتلكم...
مش هتلحقوه.
حسن مسكه من هدومه.
ليه؟
رد
لأن الشخص اللي معاه الدفتر دلوقتي... عمره ما هيسلمه.
ضرتي صرخت
مين هو؟
وقبل ما يجاوب...
رن موبايل الدكتور فؤاد.
بص للشاشة، واتنهد.
رد وهو فاتح السماعة.
أيوه...
فضل ساكت يسمع دقيقة كاملة.
ثم قال
إحنا جايين.
وقفل.
أنا سألته بلهفة
مين؟
قال
فيه واحد طلب يقابلنا.
حسن قال
الشاهد الأخير؟
الدكتور فؤاد هز رأسه بالنفي.
وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
لا...
صاحب الدفتر نفسه.
كلنا خرجنا من المستشفى بسرعة.
ركبنا العربيات واتجهنا للمكان اللي حدده.
كان بيت قديم على أطراف المدينة.
بابه الخشب مكسور.
وشبابيكه مقفولة بالمسامير.
دخلنا بحذر.
البيت كان فاضي...
إلا من كرسي هزاز بيتحرك لوحده.
وفوقه...
الدفتر الأسود.
جريت عليه.
لكن أول ما مدّيت إيدي...
سمعنا صوت طلق ناري من الدور العلوي.
ثم صوت جسم وقع على الأرض.
كلنا جرينا على السلم.
فتحنا أول أوضة...
ولقينا راجل واقع على الأرض.
وفي إيده...
ورقة مطوية.
كان لسه بيتنفس بصعوبة.
بص للدكتور فؤاد.
وقال آخر كلماته
سامحوني...
أنا... كنت مجرد رسول...
ثم مد الورقة ناحيتي...
ومات
تم نسخ الرابط