قبل دقائق
المحتويات
النوع القديم.
وفوقهم ورقة مكتوب عليها بخط واضح
اسمعوا التسجيل للنهاية... ومتوقفوش الشريط مهما سمعتوا.
ساد الصمت.
اللواء حسن بنفسه ضغط زر التشغيل.
خرج صوت تشويش لثوانٍ...
ثم بدأ صوت رجل يتكلم بصعوبة، وكأنه كان مصابًا...
وفور ما نطق أول جملة، اتجمدت ملامح كل الموجودين، لأنهم عرفوا صاحب الصوت... وكان شخصًا لم يتخيل أحد أنه ترك خلفه أي دليل قبل اختفائه.
لكن قبل أن يصل التسجيل إلى أهم اعتراف فيه... انقطع التيار الكهربائي عن المخزن بالكامل، وغرق المكان في ظلام دامس، بينما سُمع صوت خطوات شخص دخل المبنى من الباب الخلفي، دون أن يعرف أحد من هو أو ماذا يريد اللواء حسن فضل ماسك التليفون في إيده، وعينيه ثابتة على الشاشة السودا.
الضباط سألوه
مين كان بيتكلم يا فندم؟
رد بعد لحظة صمت
غلط في الرقم.
لكن ملامحه كانت بتقول غير كده.
حط الورقة اللي عليها الاسم داخل جيبه الداخلي، وأصدر أوامر سريعة
أي حد كان موجود في المخزن النهارده يتفتش. ممنوع حد يطلع برا المحافظة إلا بإذن مني.
الكل اتحرك ينفذ الأوامر...
ماعدا اللواء حسن.
كان بيفكر في الجملة اللي سمعها.
لو عايز ياسين يعيش لبكرة...
كأن اللي اتصل متأكد إن تنفيذ الحكم ممكن يتوقف... لو هو وافق يقابله.
في زنزانتي، دخل عليّ شيخ السجن.
قعد قدامي بهدوء وقال
يا ياسين... في حاجات بتحصل بره محدش فاهمها.
ابتسمت.
بدأوا يدوروا في المكان الصح.
استغرب.
إنت ازاي واثق؟
رفعت عيني للسقف وقلت
لأن اللي خبّى الحقيقة... كان فاكر إن الزمن هيمحيها.
سكت لحظة، ثم أضفت
بس نسي إن الزمن أحيانًا بيحافظ على الأدلة أكتر من البشر.
الشيخ كان لسه هيسأل سؤال تاني...
لكن باب الزنزانة اتفتح فجأة.
ودخل مأمور السجن بنفسه.
قرب مني وقال بصوت منخفض
في سؤال واحد... وإجابته هتحدد كل اللي جاي.
بصيتله.
اتفضل.
قال
الاسم اللي لقيناه في الورقة... هل هو الشخص اللي لفّق لك القضية؟
نظرت إليه طويلًا...
ثم هززت رأسي بالنفي.
لا.
اتسعت عيناه.
أمال ليه الاسم ده مهم؟
تنهدت وقلت
لأن صاحبه... مش هو اللي نفذ الجريمة.
إذن مين؟
ابتسمت ابتسامة غامضة.
هو الراجل الوحيد اللي يقدر يثبت مين اللي نفذها.
ساد الصمت.
اللواء حسن خرج من الزنزانة وهو حاسس إن كل إجابة بتفتح عشر أسئلة جديدة.
الساعة كانت قربت عشرة مساءً.
ورغم تحذيرات الضباط، قرر يروح لمكان المقابلة وحده.
المكان كان استراحة قديمة على طريق صحراوي، مهجورة من سنين.
وقف بعربيته، ونزل بحذر.
بعد دقائق...
خرج رجل مسن من الظلام، مستندًا على عصا.
وشه كان مليان تجاعيد، لكن نظرته كانت حادة.
قال بهدوء
كنت عارف إنك هتيجي.
اللواء سأله مباشرة
إنت مين؟
ابتسم الرجل وقال
أنا آخر واحد شاف الحقيقة... قبل ما تتدفن.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا سميكًا، ووضعه فوق ترابيزة خشبية متهالكة.
كل اللي محتاجه عشان توقف الإعدام... موجود هنا.
مد اللواء إيده ليمسك الظرف...
لكن قبل ما يلمسه بثانية واحدة، دوّى صوت إطلاق نار من بعيد، واخترقت رصاصة زجاج الاستراحة، لتستقر في الحائط على بعد سنتيمترات من الرجل العجوز، بينما انطفأت الأنوار مرة أخرى، وتحول المكان إلى فوضى، دون أن يعرف أحد من أين جاءت الطلقة في لحظة، عمّ الظلام المكان كله.
أحد الضباط صرخ
حد يشغل الكشافات!
أصوات ارتباك، وحركة سريعة، وصوت معدني وقع على الأرض.
ولما اشتغلت كشافات الطوارئ بعد ثوانٍ...
أول حاجة بصوا عليها كانت جهاز التسجيل.
ماكانش في مكانه.
اللواء حسن صاح بغضب
اقفلوا المخزن! فتشوا كل ركن!
بدأت القوة تفتش المكان مترًا مترًا.
لكن اللي دخل من الباب الخلفي كان اختفى، وكأنه كان حافظ المبنى أكتر من أي حد فيهم.
وفجأة، أحد العساكر نادى
يا فندم... هنا!
في آخر المخزن، لقوا بابًا حديديًا صغيرًا خلف رف قديم، واضح إنه ما اتفتحش من سنين.
لما كسروه...
اكتشفوا ممرًا ضيقًا تحت الأرض.
وعلى أرضيته...
آثار أقدام جديدة، ما زال التراب متحركًا من فوقها.
اللواء حسن قال بحزم
انزلوا وراه... لسه بعيدش.
في نفس الوقت داخل السجن...
وصل خبر اختفاء جهاز التسجيل.
أحد الضباط دخل زنزانتي وقال بسخرية
الدليل الوحيد اللي كان ممكن ينقذك... اتسرق.
بصيتله بهدوء.
يبقى اللي سرقه عارف إنه أخطر من أي سلاح.
إنت تعرف مين؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لو كنت أعرف... ما كنتش استنيت خمس سنين.
لكن الحقيقة إني بدأت أربط الأحداث في دماغي.
في شخص واحد بس...
شخص واحد كان يعرف مكان الصندوق، ويعرف إن جواه تسجيل.
ولو ظهر دلوقتي، يبقى كان بيراقب كل خطوة من البداية.
تحت المخزن، كان الممر بينتهي لغرفة خرسانية صغيرة.
لقوا فيها كرسي مكسور، وبطانية قديمة، وزجاجة مية لسه نصها مليان.
يعني...
اللي هرب كان مستخبي هناك من ساعات، ويمكن من أيام.
لكن أهم حاجة لقوها كانت ورقة مطوية على الأرض.
فتحها اللواء حسن بسرعة.
كان مكتوب فيها
فاتكم التسجيل... لكن فاتكم الأهم.
وتحت الجملة دي مباشرة...
اسم واحد فقط.
اسم لما قرأه اللواء، اتغيرت ملامحه تمامًا.
رفع عينيه ناحية الضباط وقال بصوت منخفض
محدش ينطق بالاسم ده قدام أي حد.
ليه يا فندم؟
رد وهو بيطوي الورقة في جيبه
لأن لو الاسم ده اتسرب... القضية مش بس هتتقلب.
سكت لحظة، ثم أكمل
هيبقى في ناس كبيرة جدًا هتخسر كل حاجة... ومش هيسيبوا أي شاهد يعيش.
وفي اللحظة نفسها، كان هاتف اللواء حسن بيرن.
المتصل... رقم مجهول.
رد بحذر.
جاله صوت رجل كبير في السن قال جملة واحدة فقط
لو عايز ياسين يعيش لبكرة... قابلني لوحدك، ومن غير قوة، الساعة عشرة الليلة.
ثم أغلق الخط قبل أن يضيف أي كلمة، تاركًا اللواء حسن أمام أصعب قرار في حياته اللواء حسن ارتمى بسرعة خلف عمود خرساني، وهو بيشد الرجل العجوز معاه.
رصاصة تانية اخترقت الباب الخشبي.
ثم التالتة.
واضح إن اللي بيضرب مش جاي يهدد...
جاي يمنع أي كلمة تتقال.
قال اللواء بصوت منخفض
في كام واحد بره؟
العجوز هز رأسه.
مش عارف... بس هما متأخرين.
متأخرين؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
لأن اللي في الظرف ده، خرج من إيدي من زمان.
استغرب اللواء.
يعني إيه؟
رد بهدوء
الظرف ده مجرد نسخة.
في اللحظة دي، خفت صوت الرصاص فجأة.
وبعد ثوانٍ، سُمع صوت محرك سيارة يبتعد بسرعة.
خرج اللواء بحذر.
الطريق كان فاضي.
ولا أثر لأي عربية.
رجع بسرعة للرجل العجوز.
هات الظرف.
فتح الظرف في الحال.
كان جواه مجموعة صور قديمة، وعقد بيع لمخزن مهجور، وكشف بأسماء أشخاص اشتغلوا في شركة الشحن قبل خمس سنين.
لكن آخر ورقة كانت مختلفة.
مجرد قائمة قصيرة فيها ثلاثة أسماء...
والاسم الأول كان عليه علامة صح.
والاسم الثاني عليه علامة .
أما الاسم الثالث...
فكان مكتوب تحته بخط أحمر
ما زال حيًا... لكنه مختفٍ بإرادته.
اللواء رفع رأسه بسرعة.
مين الشخص ده؟
العجوز رد وهو بياخد نفسًا عميقًا
الشاهد الوحيد اللي شاف اللي حصل بالكامل.
وفين دلوقتي؟
لو كنت أعرف مكانه... كان زمان ياسين خرج من السجن من سنين.
في نفس الليلة...
داخل السجن.
كان ياسين قاعد في زنزانته بهدوء غير طبيعي.
أحد الحراس قرب منه وقال
غريبة... بكرة معاد التنفيذ، وإنت ولا كأنك خايف.
ابتسم ياسين.
لأن في حد دلوقتي بيدور على الراجل الصح.
الحارس سخر منه.
ولو ما لقهوش؟
رد ياسين بثقة
هيلقوا حاجة أخطر.
إيه هي؟
بص له مباشرة وقال
السبب الحقيقي اللي خلى الجريمة تحصل.
الحارس سكت، لكنه حس لأول مرة إن القضية دي أكبر من مجرد قاتل وهروب.
وقبل منتصف الليل بنصف ساعة...
وصل تقرير عاجل للواء حسن.
أحد خبراء الأدلة الجنائية كان بيفحص محتويات الصندوق الحديدي.
وخلال الفحص...
اكتشف شيئًا لم ينتبه له أحد.
كان في قاع الصندوق طبقة معدنية رفيعة.
لما رفعها...
ظهر تجويف سري صغير.
وفي داخله...
ذاكرة إلكترونية صغيرة جدًا، ملفوفة داخل غلاف مقاوم للماء، وكأن صاحبها كان متأكد إنها هتفضل سليمة مهما مر عليها الزمن.
الخبير اتصل باللواء فورًا وقال بانفعال
يا فندم... أظن دي أهم من التسجيل نفسه.
اللواء شد على الهاتف وقال
ما
متابعة القراءة