قبل دقائق

لمحة نيوز

تفتحهاش.
ليه؟
لأن من اللحظة دي... أي حد يعرف إنها موجودة، هيبقى في خطر.
في الوقت نفسه، كانت كاميرا المراقبة في معمل الأدلة قد التقطت شخصًا مجهولًا يقف خارج الباب، يراقب المكان في صمت، ثم يختفي قبل أن يراه أحد... وكأنه كان ينتظر لحظة اكتشاف تلك الذاكرة تحديدًا اللواء حسن انطلق بنفسه إلى معمل الأدلة.
أول ما وصل، أمر بإغلاق المبنى بالكامل.
وقال بحزم
محدش يخرج... ومحدش يدخل.
خبير الأدلة سلّمه الذاكرة الإلكترونية وهو لابس قفازات.
قال
ما فتحناهاش يا فندم زي ما حضرتك أمرت.
أخذها اللواء، وتأملها لثوانٍ.
كانت صغيرة جدًا... لكن واضح إنها اتخبّت بعناية شديدة.
وفجأة قال
هاتوا تسجيل كاميرات المراقبة.
بدأوا يراجعوا اللقطات.
ظهر الشخص المجهول واقفًا أمام باب المعمل أقل من دقيقة.
كان لابس قبعة ونظارة، ووشه مش واضح.
لكن قبل ما يختفي، رفع إيده اليمين للحظة.
اللواء أوقف الفيديو.
رجّع اللقطة.
اتكررت الحركة.
واحد من الضباط قال
واضح إنه بيظبط القبعة.
لكن اللواء هز رأسه.
لا... دي مش حركة عشوائية.
كبّر الصورة.
على ظهر كف الرجل...
كان فيه ندبة طويلة تمتد من الرسغ حتى منتصف اليد.
اللواء اتغيرت ملامحه.
همس لنفسه
مستحيل... الندبة دي أنا شفتها قبل كده.
لكن ما قالش فين.
في السجن، كان الوقت بيعدي بسرعة.
باقي ساعات قليلة على موعد التنفيذ.
دخل أحد الموظفين يحمل الأوراق الرسمية الخاصة بالإجراءات الأخيرة.
وهو بيقرأ الملف، وقف فجأة.
يا فندم...
رفع رأسه نحو مأمور السجن.
في حاجة غريبة.
إيه؟
صفحة كاملة من ملف القضية... ناقصة.
ساد الصمت.
الملف كان محفوظًا داخل أرشيف مؤمن، ومحدش يقدر يقرب منه إلا بتصريح.
لكن الصفحة الأهم...
اللي بتوضح تسلسل استلام سلاح الجريمة...
اختفت.
كأن حد سرقها في الوقت اللي الكل كان مشغول فيه بالمخزن والذاكرة.
قال اللواء وهو يضم أسنانه
يبقى اللي بيلعب... لسه جوه اللعبة.
في نفس اللحظة، كان خبير تقني بيجهز جهازًا معزولًا عن أي شبكة لفتح الذاكرة الإلكترونية.
دخل اللواء الغرفة بنفسه.
ابدأ.
ركّب الخبير الذاكرة.
ظهرت نافذة واحدة فقط.
بدون أي ملفات.
ثم ظهرت رسالة على الشاشة
أدخل كلمة المرور.
تحتها ثلاث محاولات فقط.
الخبير قال
لو فشلنا التلات مرات... محتمل كل البيانات تتمسح.
الكل سكت.
اللواء كان باصص للشاشة، ثم تذكر فجأة ابتسامة ملك وهمستها في أذن ياسين.
همس
يمكن... كلمة السر مش عند ياسين.
وفي نفس اللحظة، رن هاتفه.
المتصل كان الأخصائية الاجتماعية.
رد بسرعة.
جاله صوتها المرتبك
يا فندم... ملك اختفت.
اتجمد مكانه.
إزاي اختفت؟!
قالت وهي تلهث
كنا راجعين لدار الرعاية... العربية وقفت دقيقة بسبب عطل، ولما بصيت عليها... كانت اختفت، لكنها سابت ورقة صغيرة على الكرسي.
مكتوب فيها إيه؟
ردت بصوت مرتجف
متدوروش عليّ... أنا رايحة أجيب الدليل الأخير.
وفي اللحظة نفسها، ظهرت على شاشة الكمبيوتر رسالة جديدة من تلقاء نفسها، رغم أن أحدًا لم يلمس لوحة المفاتيح
تبقّى أقل من 12 ساعة...
فتبادل الجميع النظرات في صمت، بعدما أدركوا أن شخصًا ما كان يراقب كل خطوة يقومون بها، وأن السباق مع الزمن أصبح أخطر من أي وقت مضى اللواء حسن ضرب بإيده على المكتب.
اقفلوا كل مداخل ومخارج المدينة... وابعتوا أوصاف ملك لكل الدوريات.
الضباط اتحركوا في ثوانٍ.
لكن اللواء كان عارف إن بنت عندها تمان سنين مستحيل تختفي بالشكل ده لوحدها.
يبقى يا إما حد خدها...
يا إما هي رايحة مكان محدد كانت عارفاه من قبل.
داخل الزنزانة...
سمعت جري الحراس في الممر.
بعد دقائق دخل اللواء بنفسه.
أول ما شفته، عرفت إن فيه حاجة حصلت.
قلت بهدوء
ملك مش في دار الرعاية... صح؟
رفع رأسه باستغراب.
إنت عرفت منين؟
ابتسمت.
لأنها نفذت الجزء الأخير من الوعد.
اقترب مني بعصبية.
قول لي هي راحت فين.
بصيت له بثبات.
لو قلتلك... هتوصلوا متأخر.
يعني إيه؟
هي مش رايحة تدور على دليل.
سكت لحظة، ثم أكملت
هي رايحة تدور على إنسان.
الكلمة دي خلت اللواء يسكت.
مين الإنسان ده؟
أغمضت عيني للحظة.
الراجل اللي اختفى قبل خمس سنين.
في الوقت نفسه...
كانت ملك ماشية في شارع قديم، ماسكة الدبدوب بإيد، وبالإيد التانية ورقة صغيرة.
وقفت قدام عمارة متهالكة.
بصت لرقمها...
ثم طلعت السلم بهدوء.
الدور الأول...
التاني...
لحد ما وصلت لشقة بابها خشب قديم.
خبطت ثلاث خبطات خفيفة...
وسكتت.
بعد ثوانٍ، الباب اتفتح سنة بسيطة.
طلع صوت رجل عجوز
مين؟
ردت ملك بثقة
أنا بنت ياسين.
ساد صمت طويل.
ثم الباب اتفتح بالكامل.
الرجل أول ما شافها...
اتغير لون وشه.
همس
كبرتي...
قالت
بابا قال إن حضرتك هتقول الكلمة دي.
العجوز رجع خطوة للخلف.
وكأنه أدرك أن اللحظة التي كان يهرب منها منذ سنوات قد وصلت.
قال بصوت مرتجف
إدخلي.
وفي السجن...
كان الخبير لا يزال يحاول فهم كلمة المرور.
وفجأة...
لاحظ شيئًا غريبًا.
في أسفل شاشة البرنامج كانت هناك عبارة صغيرة جدًا، بالكاد تُرى.
كبّرها.
فظهرت جملة واحدة
المفتاح ليس كلمة... بل تاريخ.
اللواء حسن تذكر كل التواريخ المرتبطة بالقضية.
تاريخ الجريمة...
تاريخ القبض...
تاريخ الحكم...
جرّبوا واحدًا تلو الآخر.
كلها فشلت.
بقيت محاولة واحدة فقط.
لو أخطأوا...
كل ما على الذاكرة سيختفي للأبد.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد الضباط يلهث وهو يحمل تقريرًا جديدًا.
يا فندم... لقينا معلومة عن الراجل اللي ملك راحت له.
مين هو؟
فتح الضابط الملف.
ثم قال
اسمه... سامي فؤاد.
وقبل أن يكمل جملته، اتسعت عينا ياسين داخل الزنزانة عندما سمع الاسم من بعيد، وهمس لأول مرة بقلق حقيقي
لا... مستحيل تكون راحت له لوحدها...
لأن سامي فؤاد لم يكن مجرد شاهد قديم...
بل كان الرجل الوحيد الذي يعرف مكان شيء أخطر من كل الأدلة التي ظهرت حتى الآن، وإذا وصل إليه الشخص الخطأ قبل ملك، فلن يبقى ما يثبت الحقيقة أبدًا في اللحظة اللي عرف فيها ياسين إن ملك راحت لسامي فؤاد...
لأول مرة من خمس سنين، فقد هدوءه.
وقف قدام باب الزنزانة وهو بيصرخ
لازم تمنعوها... سامي عمره ما كان خاين، لكنه مستعد يموت قبل ما يسلّم اللي معاه.
داخل الشقة القديمة...
سامي فؤاد قفل الباب، وبص لملك بعينين مليانين حزن.
قال
أبوك كان عارف إن اليوم ده هييجي.
أخرج من خلف مكتبة قديمة صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحه ببطء...
كان بداخله دفتر جلدي قديم، وعدة صور، وخطاب مختوم.
ناولهم لملك وقال
الحاجات دي لازم توصل للواء حسن... ومحدش غيره.
سألته ملك
ليه حضرتك ما رحتش بنفسك؟
ابتسم بحزن.
لأن من يوم الجريمة... وأنا مطارد.
في نفس الوقت...
كان اللواء حسن قد أدخل التاريخ الأخير في الذاكرة الإلكترونية.
التاريخ لم يكن يوم الجريمة...
ولا يوم القبض...
بل كان تاريخ ميلاد ملك.
انفتحت الذاكرة.
ظهر ملف واحد فقط.
عنوانه
إذا وصلت إلى هنا... فأنت تبحث عن الحقيقة.
فتحوه.
كان بداخله فيديو صُوِّر قبل الجريمة بساعات.
ظهر ياسين وهو يتحدث إلى الكاميرا
لو بتشوفوا الفيديو ده، يبقى أنا غالبًا اتحبست أو اتقتلت. فيه ناس خططت تحملني جريمة أنا ماليش دعوة بيها. كل الأدلة اللي هتظهر ضدي مزورة، لكن الحقيقة موجودة عند سامي فؤاد... ولو بنتي كبرت، هتعرف توصله.
ثم أنهى الفيديو باسم الشخص الذي دبّر المؤامرة، مدعومًا بمستندات وصور تثبت كل كلمة.
وصلت ملك إلى السجن ومعها الصندوق.
فتح اللواء الخطاب المختوم.
كان فيه اعتراف مكتوب بخط أحد أفراد العصابة السابقين، وموقّع ببصمة إصبعه، يقر فيه أن ياسين لم يطلق الرصاصة، وأنه تحمّل التهمة لأنه رفض المشاركة في قتل رجل بريء.
خلال ساعات، اجتمعت النيابة بشكل طارئ.
صدر قرار عاجل بوقف تنفيذ حكم الإعدام.
ثم أُعيد فتح القضية رسميًا.
وبعد أسابيع من التحقيقات، تطابقت الأدلة الجديدة مع التسجيلات والمستندات.
صدر الحكم النهائي...
ببراءة ياسين عبدالعزيز من جريمة القتل.
أما المتورطون الحقيقيون، فقد أُلقي القبض عليهم واحدًا تلو الآخر، بعدما انهارت شبكة التستر التي استمرت خمس سنوات.
خرج ياسين من السجن بعد خمس سنوات من انتظار الموت.
كانت ملك واقفة عند البوابة.
جريت نحوه لأول مرة.
احتضنها بقوة، وهو يبكي دون أن يحاول إخفاء دموعه.
قال لها
فاكرة همستِ لي إيه يوم الزيارة؟
ابتسمت وقالت
قلت لك... أنا صدقتك يا بابا... ووعدتك
إني هرجع لك اسمك.
رفع ياسين رأسه إلى السماء، وأغمض عينيه.
لم يكن أسعد لأنه نجا من الإعدام...
بل لأنه ربّى ابنة لم تفقد إيمانها ببراءته، حتى عندما فقد العالم كله ثقته فيه.
تمت.

تم نسخ الرابط