جوزي كل يوم بقلم صابرين محمد

لمحة نيوز

باب صغير مخفي.
وعلى الباب
كان فيه نفس النقش الموجود على الحجر.
لكن تحت النقش كانت جملة محفورة
لا تُفتح الغرفة إلا بحضور صاحبة الدم.
نظر الجميع ناحيتي.
وفهمت في اللحظة دي
إن كل اللي حصل من أول ليلة الساعة 3 الفجر
ماكانش بسبب جوزي.
كان بسببي أنا.
لكن السؤال اللي أرعبني
ليه كان لازم أكون أنا اللي أفتح الباب؟
يتبعسقطت الجملة على المكان كأنها قنبلة.
الشخص اللي وثقتي فيه طول السنين هو أول واحد خان أبوكي.
بصيت لجوزي.
لأول مرة في حياتي، حسيت إني مش عارفة أقرأ ملامحه.
هو اللي كان بيطمني
هو اللي كان بيحاول يحميني
هو اللي كان ينزل كل ليلة الساعة تلاتة
هل كان بيحاول يحميني فعلًا؟
ولا كان بيحاول يوصل للحاجة دي قبلي؟
قلت بصوت مرتجف
رد عليا يا ياسين الكلام ده صح؟
فتح فمه عشان يتكلم، لكن صمته كان أطول من اللازم.
وده وجعني أكتر من أي اعتراف.
قلت
كنت عارف أبويا؟
نزل عينه.
أيوه.
اتسعت عيني.
من إمتى؟
قال بصوت هادي
قبل ما أعرفك.
ضحكت بصدمة
يعني كل السنين دي وإنت مخبي عليا إنك تعرف أبويا؟
قرب خطوة.
مش بالشكل اللي أنتِ فاهمه.
لكن الرجل الموجود خلف الباب ضحك وقال
هو عمره ما قالك إن جده وأبوكي كانوا شغالين مع بعض؟
بصيت لجوزي.
شغالين في إيه؟
سكت.
فقال الرجل
في حماية السر اللي تحت البيت.
اقترب جوزي من الباب الحجري وقال
اسمعيني الأول.
لكنني تراجعت.
لا دلوقتي أنا عايزة أسمع الحقيقة من غير ما تخبي عني حاجة.
أخذ نفسًا طويلًا وقال
أبوكي ما كانش ضحية بس أبوكي كان جزء من الحكاية.
الجملة نزلت عليّ كأنها صفعة.
يعني إيه؟
يعني كان بيحاول يصلح غلطة عملها من سنين.
سألته
وإنت كنت فين في كل ده؟
نظر لي.
كنت مكلف أراقب المكان.
صمت.
ثم قال
وأراقبك أنتِ.
شعرت ببرودة في أطرافي.
تراقبني؟
خفض رأسه.
جدي طلب مني أحميك لو أي حد حاول يوصلك.
صرخت
تحميني ولا تراقبني؟!
قبل أن يرد، سمعنا صوت ارتطام من داخل الغرفة.
الشخص الجالس على الكرسي بدأ يتحرك أكثر.
رفع يده بصعوبة وأشار للورقة.
كأن فيه حاجة تانية.
أخذ جوزي الورقة منه.
لكن قبل ما يقرأها
انطفأ الكشاف مرة أخرى.
وفي الظلام سمعنا صوت همس قريب جدًا مني
ابعدي عن ياسين
تجمدت.
لأن الصوت كان صوت امرأة.
صوت أعرفه جيدًا.
صوت أمي.
أشعل جوزي الكشاف بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
لكن على الأرض أمامي
كانت هناك صورة قديمة.
رفعتها.
وكانت الصورة لأمي
وهي واقفة في نفس الغرفة تحت البيت.
وبجانبها
كان جوزي.
لكن الصورة قديمة جدًا
من قبل أن أعرفه بسنوات.
نظرت له وأنا لا أستطيع الكلام.
إنت كنت تعرف أمي كمان؟
لم يرد.
وفي اللحظة دي فهمت
إن جوزي لم يكن يكتشف أسرار البيت.
هو كان يعرفها من البداية.
وفجأة سمعنا صوت الباب الحجري يُفتح من الخارج.
والشخص الواقف خلفه قال
كفاية لعب
ثم وجه الكشاف علينا.
حان الوقت تعرفي مين أمك كانت بتحاول تحميك منه.
وسلط النور على وجهه.
وكان الشخص الذي يقف هناك
أمي.
يتبعصرخت من غير ما أحس.
رجعت لورا وأنا ماسكة في ذراع جوزي.
لا لا يمكن.
الشخص اللي قدامنا كان شبه أبويا بشكل يخوف.
نفس شكل العينين
نفس ملامح الوجه
لكن كان فيه حاجة غلط.
حاجة خلتني أعرف إنه مش هو.
الرجل اللي قال إنه أخو أبويا قرب بحذر، ووجه الكشاف عليه.
وفجأة قال بصوت مبحوح
مستحيل
جوزي بص له
إنت تعرفه؟
الرجل لم يرد.
اقترب أكثر، ثم قال
ده مش شخص غريب.
سكت لحظة.
ده أخويا.
اتجمدنا.
عمي صرخ
إنت بتقول إيه؟!
رد الرجل
أبويا كان عنده ولدين لكن واحد منهم اختفى من زمان.
بصيت للشخص الجالس.
كان ساكن تمامًا.
قربت منه بخوف.
هو عايش؟
لكن قبل ما ألمسه، مد إيده ببطء.
كلنا اتراجعنا.
كان ماسك ورقة صغيرة.
فتحها جوزي.
وكان المكتوب فيها
لو وصلتوا للغرفة الأخيرة يبقى الخطة نجحت.
بصينا لبعض.
الخطة؟
أي خطة؟
ثم تحرك الرجل بصعوبة، ورفع رأسه وقال بصوت ضعيف
اتأخرتوا
قرب جوزي منه
مين عمل فيك كده؟
لكن الرجل لم ينظر له.
كان ينظر لي أنا.
وقال
بنتك أبوكي كان عارف إنهم هيوصلوا لك.
تجمدت.
بنتي؟
هز رأسه.
أقصد أنتِ.
ثم أشار للورقة.
أبوكي كتب كل حاجة.
فتحت الورقة.
كان فيها سطر واحد فقط
ابنتي لا تثقي في أقرب شخص لك.
في اللحظة دي
كلنا بصينا لبعض.
لأن الجملة دي معناها إن الخطر مش شخص بعيد.
الخطر كان بيننا.
جوزي شد على إيدي وقال
لازم نخرج من هنا.
لكن قبل ما نتحرك
سمعنا صوت ارتطام قوي من خارج الغرفة.
الباب الحجري بدأ يقفل!
صرخ عمي
حد قفل علينا!
جرى جوزي ناحية الباب وحاول يمنعه، لكنه كان بيتحرك ببطء شديد.
وقبل ما يقفل تمامًا، ظهر ظل شخص واقف في الخارج.
وجهه مش واضح.
لكن صوته كان واضح
أخيرًا كل اللي كنت مستنيه اتجمع هنا.
اتجمدنا.
ثم قال
دلوقتي هتعرفوا الحقيقة كلها.
وسكت لحظة.
وهتعرفي يا بنت أخويا إن الشخص اللي وثقتي فيه طول السنين
هو أول واحد خان أبوكي.
نظرنا كلنا ناحية الشخص الوحيد الذي لم يتحرك
جوزي.
يتبعفضل جوزي ماسك التليفون وهو مش قادر يرد.
رنّة وراء رنّة
وكلنا واقفين مستنيين.
قلت له بصوت مخنوق
مين يا ياسين؟
رفع الشاشة ناحيتي.
ولما شفت الاسم
حسيت إن الدنيا وقفت.
كان اسم شخص أعرفه.
شخص قريب جدًا مني.
شخص كنت بفتح له بيتي وأحكي له أسراري.
أخويا.
نظرت لأمي بسرعة.
هو كان يعرف؟
أمي نزلت عينيها.
والسكوت كان الإجابة.
حسيت بصدمة أكبر من كل اللي فات.
يعني كل الناس دي كانت عارفة وأنا الوحيدة اللي عايشة في كذبة؟
قربت أمي مني.
كنا بنحاول نحميكي.
رجعت خطوة.
لا أنتم كنتوا بتحموا السر، مش بتحموني أنا.
في اللحظة دي رد جوزي على المكالمة ووضع الهاتف على السماعة.
جاء صوت أخي من الطرف الآخر
وصلتوا للغرفة؟
لم يتكلم أحد.
فقال
كنت عارف إنكم هتفتحوها في الآخر.
صرخت
إنت كنت عارف كل حاجة؟
سكت للحظة.
ثم قال
أيوه.
نزلت دموعي.
ليه؟
جاء صوته هادئًا بشكل مرعب
لأن أبوكي قبل ما يموت ساب حاجة واحدة ناقصة وكان لازم أعرف مكانها.
قال جوزي بغضب
إنت اللي كنت بتلاحقني؟
ضحك أخي.
كنت بتراقبك أنت كمان.
ثم قال
لكنكم مش فاهمين أهم حاجة.
سألته
إيه؟
قال
الغرفة اللي أنتوا واقفين فيها مش هي النهاية.
نظرنا لبعض.
وأضاف
دي مجرد غرفة الحفظ.
سكت لحظة.
أما الحقيقة الحقيقية فهي في مكان تاني.
اقترب جوزي من الحائط.
فين؟
قال أخي
تحت الغرفة دي.
تجمدنا.
ثم أكمل
المكان اللي أبوك خبى فيه الدليل الأخير.
فجأة، سمعنا صوت تكسير من خلفنا.
الحائط القديم بدأ يتشقق.
وكأن شيئًا من الداخل يحاول الخروج.
أمي همست
لا
نظرنا جميعًا ناحية الشق.
ومن بين الحجارة ظهر صندوق معدني صغير.
كان مخفيًا داخل الحائط.
جوزي أخرجه بحذر.
كان عليه قفل.
لكن هذه المرة لم يكن يحتاج الحجر.
كان يحتاج
بصمة.
نظر الجميع لي.
فهمت.
كان ينتظرني أنا.
وضعت إصبعي على القفل.
وبمجرد أن فتح
وجدنا بداخله شيئًا واحدًا فقط.
شريط تسجيل قديم.
وعليه ورقة مكتوب عليها
إلى ابنتي اسمعيه وحدك.
نظرت لجوزي.
ثم لأمي.
ثم للجميع.
لكن قبل ما أشغل الشريط
ظهر صوت أخي من الهاتف مرة أخرى
لو سمعتي التسجيل ده مش هتقدري ترجعي تثقي في أي حد.
ثم انقطع الاتصال.
وضغطت زر التشغيل
وخرج صوت أبي.
صوت لم أسمعه منذ سنوات.
قال
لو أنتِ بتسمعيني دلوقتي يبقى أنا فشلت أحميك.
وسكت لحظة.
ثم قال الجملة التي جعلت أمي تبكي وجوزي يغمض عينيه
لأن الشخص اللي خانني مش واحد من أعدائي.
الشخص اللي خانني كان من دمي.
ثم سمعنا صوت حركة في التسجيل.
وصوت أبي يقول
وأخطر حاجة إن بنتي متجوزة من ابنه.
نظرت لجوزي ببطء
والشريط ما زال يعمل.
يتبعوقفت مكاني كأني فقدت القدرة على الحركة.
أمي؟
لكن أمي كانت ميتة من سنين.
أو على الأقل ده اللي اتقال لي.
خرج صوتي بصعوبة
مستحيل
المرأة الواقفة عند الباب لم تقترب.
كانت تبص لي بعينين مليانين دموع.
وقالت
تم نسخ الرابط