ابني ادم بقلم زهرة الربيع
المحتويات
التانية.
يتبع...اتجمدنا كلنا في مكاننا.
المهندس نفسه، اللي كان من شوية بيقول إن ده تمدد في الأسمنت، بطل كلام.
الصوت رجع تالت مرة...
طق... طق... طق.
لكن المرة دي كان أبطأ، وكأنه إشارة متعمدة.
جوزي قرب من الحيطة وحط ودنه عليها.
بصلي وقال بصوت واطي
اسكتي...
سكتنا تمامًا.
ثوانٍ مرت، وبعدها سمعنا الصوت من جديد، لكن من مكان أقل شوية من اللي كان آدم بيلزق وشه فيه.
المهندس قال أنا مش هقدر أقول ده إيه، لكن الأفضل نفتح فتحة صغيرة ونتأكد.
وافقنا فورًا.
جاب الشنيور، وحدد مكان بعيد سنتيمترات بسيطة عن النقطة اللي كان آدم بيشير لها.
أول ما سنّ الشنيور لمس الحيطة...
آدم صرخ بأعلى صوته
لاااا!
دي كانت أوضح كلمة قالها في حياته.
جرى بسرعة ناحية المهندس، ومسك رجله بإيديه الصغيرتين، وهو بيهز راسه بعنف كأنه بيرفض يكمل.
وقف المهندس مستغرب.
أما أنا آدم وفضلت أسأله
ليه يا حبيبي؟ فيه إيه؟
كان بيعيط، وكل اللي قدر يقوله وهو بيشاور على الحيطة
وجع...
الكلمة دي خلت المهندس ينزل الشنيور من إيده.
قال بصراحة... أنا مش مرتاح. ممكن نجيب جهاز تصوير للحيطان الأول بدل ما نكسرها.
وافق جوزي، واتحدد ميعاد في اليوم التالي.
الليلة دي كانت من أطول الليالي في حياتنا.
لكن المفاجأة حصلت قبل ما ييجي الصباح.
الساعة كانت حوالي الثالثة إلا ربع.
الكهرباء قطعت فجأة.
والبيت كله غرق في ظلام تام.
فتحت كشاف الموبايل بسرعة.
لقيت آدم... مش في السرير.
لكن المرة دي، ماكانش واقف عند الحيطة.
كان قاعد على الأرض، ورسام بقلم شمع كان واقع جنبه.
ولما وجهت نور الكشاف ناحية الحيطة...
لقيت عليها رسمة كبيرة.
دوائر وخطوط كان مستحيل طفل عمره سنة يرسمها بالدقة دي.
وفي منتصف الرسمة...
شكل يشبه بابًا صغيرًا جدًا.
وتحته مباشرة...
ثلاثة حروف فقط.
حروف ماكنتش مفهومة لأي حد في البيت...
إلا جوزي.
أول ما شافها، شحب وجهه فجأة، واتراجع خطوة للخلف وهو بيهمس
مستحيل... الحروف دي أنا شوفتها قبل كده...
يتبع...فضلت أبص لجوزي وأنا مستنية يشرح.
لكن هو كان واقف مكانه، وشه أصفر، وعينه مثبتة على الحروف المرسومة على الحيطة.
قلت له بقلق إنت تعرفها؟
بلع ريقه بصعوبة وقال
من سنين... قبل ما نتجوز... كنت بدخل بيت جدي القديم في البلد. كان فيه باب خشب مقفول عمره ما حد فتحه. وعلى الباب ده كانت منقوشة نفس العلامات دي.
سألته بسرعة وإيه اللي كان ورا الباب؟
هز رأسه وقال ولا حد عرف... لأن جدي كان مانع أي حد يقرب منه، وبعد وفاته البيت اتهد.
الكلام زود حيرتنا أكتر.
تاني يوم، وصل الفني بجهاز تصوير الحوائط.
لف الجهاز على المكان كله، وبعدين وقف فجأة.
قال فيه تجويف فعلًا... عرضه حوالي متر وارتفاعه أكبر من المتوقع.
جوزي سأله يعني فيه أوضة؟
رد مش أوضة كاملة... لكن فراغ مقفول من زمان.
ثم أضاف وهو بيبص للشاشة
والأغرب... إن فيه جسم معدني جوه.
الكلمة دي قلبت البيت.
جسم معدني؟
إيه اللي ممكن يكون متبني جوا حيطة؟
طلبنا منه يحدد مكانه بالضبط.
رسم علامة بالقلم على الحائط وقال
لو هتفتحوا، افتحوا هنا.
في اللحظة دي...
آدم، اللي كان بيلعب بعيد، ساب لعبته، ومشى بهدوء ناحية العلامة الجديدة.
حط كف إيده الصغيرة عليها...
وبص لينا.
وبصوت هادئ جدًا قال
مش لوحدها...
أنا وجوزي بصينا لبعض في ذهول.
مش لوحدها؟
يعني إيه؟
إيه اللي مش لوحده؟
وقبل ما حد ينطق...
سمعنا صوت جرس الباب.
فتح جوزي.
كان البواب واقف.
وشه كان متوتر بشكل غريب.
قال من غير مقدمات
لو سمحتوا... لو ناويين تكسروا الحيطة دي... بلاش تعملوا كده النهارده.
جوزي استغرب وسأله إنت عرفت منين؟
البواب سكت ثواني...
وبعدين قال جملة خلت الرعشة تمشي في جسمي
لأن... في حد سألني الصبح إذا كنتوا بدأتوا فتحها ولا لسه.
ولما سأله جوزي
مين؟
رد البواب وهو بيبص ناحية باب الشقة المفتوح
ست كبيرة... قالتلي أوصل لكم رسالة واحدة...
وسكت.
ثم قال بهدوء
قالت قولوا للطفل يبعد عن الحيطة... لأنه الوحيد اللي لسه سامع.
يتبع...جوزي خرج يجري ورا البواب.
فين الست دي؟
لكن البواب بص حواليه باستغراب وقال
هي كانت واقفة هنا من دقيقة... أول ما خدت منها الرسالة وطلعت، اختفت. افتكرت إنها نزلت السلم.
نزل جوزي يدور عليها دورين تحت وفوق.
مفيش حد.
رجع وهو بيحاول يقنع نفسه إنها مجرد واحدة من سكان العمارة.
لكن البواب قال حاجة وقفته مكانه
الغريبة إنها كانت عارفة اسم ابنكم.
سألته بسرعة
قالت إيه؟
رد
قالت آدم هيحاول يفتح اللي اتقفل من سنين... والوقت قرب.
في الليلة دي محدش نام.
قفلنا أوضة الأطفال، وحطينا آدم بينا.
وقلت في نفسي مهما حصل، مش هسيبه يقرب من الحيطة تاني.
لكن حوالي الساعة الثالثة فجراً، صحيت على إحساس غريب.
مديت إيدي ناحية آدم...
مكانه كان فاضي.
قومت مرعوبة، أنا وجوزي جرينا ناحية أوضة الأطفال.
الباب كان مقفول بالمفتاح من برة...
زي ما إحنا سيبناه.
فتحناه بسرعة.
ولقينا آدم واقف قدام الحيطة.
لكن المرة دي، ماكانش لامسها.
كان واقف على بعد خطوة واحدة منها، وبيبص لفوق.
رفع صباعه الصغير وقال
باب...
بصينا في المكان اللي بيشاور عليه.
كان فيه شرخ رفيع جدًا في طبقة الدهان، مستقيم بشكل غريب، كأنه إطار باب قديم مستخبي تحت المعجون والدهان.
جوزي قرب ولمس الشرخ.
وفجأة...
جزء صغير من الدهان وقع على الأرض.
وظهر تحته خشب قديم.
خشب... وسط الحيطة.
اتراجعنا كلنا في صدمة.
كان واضح إن فيه باب قديم اتقفل واتبنى عليه من سنين طويلة.
وقبل ما جوزي يحاول يلمسه مرة تانية...
رن تليفونه.
رقم غريب.
رد.
فضل ساكت وهو بيسمع.
بعد ثواني، وشه اتغير تمامًا.
قفل المكالمة، وبصلي وقال
المقاول اللي بنى العمارة... مات من عشر سنين.
سألته باستغراب
إيه علاقة ده؟
قال وهو بيطلع الموبايل من جيبه
لأن اللي كلمني دلوقتي... عرف نفسه إنه المقاول ده... وقاللي إوعوا تفتحوا الباب قبل ما تعرفوا ليه اتقفل.
يتبع...فضلت أبص لجوزي وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
قلت له بعصبية
إنت بتهزر؟ واحد متوفي هيكلمك؟
ناولني الموبايل من غير كلمة.
بصيت على سجل المكالمات.
كان فيه رقم فعلًا... لكن الغريب إن الرقم بعد ثواني اختفى من السجل كأنه عمره ما اتصل.
جوزي حاول يتصل بيه تاني.
الرد الوحيد كان
هذا الرقم غير موجود بالخدمة.
في اللحظة دي، حسيت إن الموضوع خرج من مجرد صدف غريبة.
لكن جوزي، رغم خوفه، قال
لازم نعرف تاريخ الشقة دي.
في الصباح رحنا لأقدم ساكن في العمارة، راجل كبير اسمه عم حسين، كان عايش في الشارع من قبل ما العمارة نفسها تتبني.
أول ما سمع رقم شقتنا، سكت شوية.
وبعدين قال
زمان... قبل العمارة، كان هنا بيت قديم جدًا.
سألته
مين كان ساكنه؟
رد
ست عجوز كانت عايشة لوحدها... وكانت معروفة إنها بتحتفظ بكل ورق العيلة وصناديقهم القديمة.
اتجمدت مكاني.
تذكرت أول كلمة قالها آدم
الست هناك.
عم حسين كمل كلامه
بعد ما الست ماتت، البيت اتهد، واتبنت العمارة. لكن وقت الهدم كان فيه خلاف كبير... لأن العمال قالوا إنهم لقوا باب مقفول محدش عرف يفتحه.
بصينا لبعض.
الباب...
نفس الباب اللي بدأ يظهر تحت الحيطة.
قبل ما نسأله أي حاجة تانية، عم حسين قال
بس في حاجة عمري ما حكيتها لحد.
قربنا منه.
قال بصوت منخفض
بعد الهدم، اختفى واحد من العمال... ومحدش عرف راح فين.
سأل جوزي بسرعة
بلغوا عنه؟
هز راسه وقال
بلغوا... لكن الملف اتقفل بعد أيام، وقالوا إنه سافر.
ثم سكت لحظة وأضاف
بس أمه كانت كل يوم تيجي تقف قدام مكان البيت القديم... وتقول إن ابنها لسه جوه.
رجعنا البيت وإحنا مش قادرين نبطل نفكر.
ولما دخلنا الشقة...
لقينا آدم واقف قدام الحيطة.
لكن المرة دي كان ماسك في إيده حاجة عمرنا ما شفناها قبل كده.
مفتاح صغير... نحاسي... قديم جدًا.
المشكلة؟
إحنا متأكدين إنه ماكانش موجود في البيت قبل ما نخرج.
يتبع...وقفت مكاني وأنا ببص للمفتاح في إيد آدم.
كان صغير، نحاسي، عليه صدأ
متابعة القراءة