ابني ادم بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

خفيف، وفي طرفه نقش دقيق على شكل زهرة.
جوزي أخده منه بهدوء، وقلبه بين صوابعه.
وقال
المفتاح ده قديم جدًا... بس جه منين؟
فتشنا البيت كله.
فتشنا ألعاب آدم، الأدراج، الدولاب، حتى المكان اللي كان بيلعب فيه قبل ما نخرج.
ولا أي أثر لمفتاح تاني أو علبة ممكن يكون طلع منها.
الغريب إن آدم أول ما جوزي شال المفتاح من إيده، بدأ يعيط بعنف، ومد إيده ناحيته وهو بيكرر
باب... باب...
قررنا منقربش من الحيطة في اليوم ده.
لكن جوزي صور المفتاح وبعت الصورة لصاحبه، شغال في ترميم البيوت الأثرية، يمكن يعرف عمره أو استخدامه.
بعد ساعتين رد عليه برسالة قصيرة
المفتاح شكله مش بتاع شقة حديثة... ده أقرب لمفاتيح الأبواب الخشبية القديمة اللي كانت بتتعمل يدويًا من عشرات السنين.
الكلام ده زود حيرتنا.
وفي نفس الوقت، جرس الباب رن.
فتح جوزي.
كان راجل كبير في السن، لابس بدلة قديمة، وماسك ظرف بني.
قال
حضرتك ساكن في الشقة دي من سنتين؟
جوزي استغرب وقال
أيوه.
ناول له الظرف وقال
أنا كنت بنضف مخزن تابع للمقاول اللي بنى العمارة، ولقيت الورق ده عليه رقم الشقة. قلت أوصله بدل ما يترمي.
قبل ما نسأله أي حاجة، الراجل مشي بسرعة.
فتحنا الظرف.
كان فيه رسم هندسي قديم للعمارة.
لكن الرسم كان مختلف عن شكلها الحالي.
في المكان اللي المفروض فيه أوضة آدم...
كان مرسوم مربع صغير، ومكتوب جنبه بخط أحمر
لا يُفتح.
وتحتها توقيع غير واضح، وتاريخ أقدم من تاريخ بناء العمارة نفسها.
بصينا لبعض، وإحساس واحد سيطر علينا...
إن اللي ورا الحيطة، موجود من قبل العمارة كلها.
وفجأة...
آدم، اللي كان بيلعب على الأرض، رفع راسه ناحية الحيطة، وابتسم لأول مرة من أسابيع.
وبصوت هادئ جدًا قال
قرب...
وساعتها...
سمعنا صوت المفتاح اللي على الترابيزة...
وهو بيتحرك لوحده سنتيمترات قليلة، كأنه بينجذب ناحية الحيطة.
يتبع...اتسمرت عينينا على المفتاح.
في الأول افتكرنا إن الترابيزة مائلة، أو إن حد خبطها من غير ما ياخد باله.
لكن جوزي حط إيده على الترابيزة.
كانت ثابتة تمامًا.
والمفتاح... كمل حركته ببطء.
سنتيمتر... وراء سنتيمتر...
لحد ما وقف عند أقرب حافة ناحية الحيطة.
في اللحظة دي، آدم ساب لعبته، ومشى بخطوات هادية، ومد إيده وأخد المفتاح، كأنه عارف بالضبط هيعمل بيه إيه.
جريت آخده منه، وقال لأول مرة جملة كاملة، رغم إن كلامه لسه كان متكسر
ده... مش بتاعي.
بصيت أنا وجوزي لبعض.
سألته بهدوء
أمال بتاع مين يا حبيبي؟
رفع عينه ناحية الحيطة، وقال كلمة واحدة
أمانة.
الكلمة دي خلتنا نسكت.
مين علم طفل عنده سنة كلمة أمانة؟
وليه بيقولها بالطريقة دي؟
في المساء، صاحب جوزي رد عليه بعد ما ورّى صورة الرسم الهندسي لأحد المهندسين القدامى.
قال له
في حاجة غريبة... الرسم ده متعدل عليه.
إزاي؟
النسخة الأصلية كان فيها ممر صغير في مكان أوضة ابنكم. بعدين حد شطب عليه بالحبر الأحمر وكتب يُغلق نهائيًا.
جوزي قفل المكالمة وهو بيتمتم
يعني حد أخفى الممر بإيده...
وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب.
فتحنا.
كان ساعي بريد.
قال
في جواب باسم صاحب الشقة.
استغربنا.
إحنا اشترينا الشقة من سنتين، وكل المكاتبات بتيجي باسمنا.
بصينا على الظرف.
كان مكتوب عليه اسم مالك الشقة الأول... بخط قديم باهت.
والأغرب...
إن ختم البريد كان واضح جدًا.
لكن التاريخ المطبوع عليه كان
15 8 1994
يعني قبل أكتر من ثلاثين سنة.
ورغم كده...
الظرف كان جديد، كأنه اتبعت النهارده.
فتحناه ببطء...
وكانت أول ورقة فيه تبدأ بجملة واحدة
إذا وصلتك هذه الرسالة، فمعنى ذلك أن الباب بدأ يفتح من جديد...
يتبع...فتح جوزي الرسالة وإيده بتترعش.
الورقة كانت مصفرة من الزمن، لكن الخط كان واضح جدًا، كأنها اتكتبت امبارح.
بدأ يقرأ بصوت مسموع
إذا وصلتك هذه الرسالة، فمعنى ذلك أن الباب بدأ يفتح من جديد... ولو الطفل هو أول من انتبه له، فلا تمنعه من الإشارة، لكن لا تدعه يلمسه وحده.
اتجمدنا.
كل كلمة في الرسالة كانت بتحكي بالضبط اللي حصل مع آدم.
كمل القراءة
ستجد مفتاحًا نحاسيًا... فلا تستخدمه قبل أن تعرف الحقيقة كاملة، لأن ما خلف الباب ليس كما تظن.
رفعت عيني بسرعة ناحية الترابيزة.
المفتاح... اختفى.
أنا وجوزي جرينا ندور عليه.
لقيناه 
كان ماسكه بكلتا إيديه، وبيبص للحيطة من غير ما يرمش.
حاول جوزي ياخده منه، لكن آدم همس بهدوء
لسه...
ساعتها حسيت بقشعريرة.
الرسالة كملت
قبل ثلاثين عامًا، أخطأنا قرارًا واحدًا... وظننا أن إغلاق الباب سينهي كل شيء. لكنه أخفى الحقيقة فقط.
في آخر الورقة كان فيه اسم الشخص اللي كتبها...
ولما قرأه جوزي، وقع الخطاب من إيده.
قلت له بلهفة
مين؟
بصلي وهو مصدوم وقال
ده... اسم أبويا.
أنا اتلخبطت.
إزاي؟ أبوك عمره ما قال إنه عاش هنا.
هز راسه وقال
ولا مرة... ولا حتى ذكر اسم الشارع.
وقبل ما نلحق نستوعب الصدمة...
رن موبايل جوزي.
المتصل كان والده.
أول ما رد، سمعناه بيقول بصوت مرتبك
إوعوا تفتحوا أي حاجة... أنا جاي لكم دلوقتي، وفيه كلام كان لازم أقوله من سنين.
أول مرة في حياتي أسمع في صوته الخوف بالشكل ده.
وبعد أقل من عشرين دقيقة...
وقف قدام باب الشقة.
كان ماسك شنطة جلد قديمة، باين عليها إنها متفتحتش من عشرات السنين.
دخل، وحطها على الترابيزة، وبص مباشرة ناحية الركن.
وأول جملة قالها كانت
أنا كنت فاكر إن المكان ده اختفى للأبد... لكن واضح إن حد سبقنا ورجع يدور عليه.
ثم فتح الشنطة ببطء...
وأخرج منها صورة قديمة بالأبيض والأسود.
ولما قربها مننا...
شهقت.
لأن الصورة كانت لنفس البيت القديم قبل هدمه...
وكانت فيها الست العجوز التي كان آدم يشير إليها دائمًا.
لكن الصدمة الحقيقية...
أنها كانت واقفة، وماسكة بيدها طفلًا صغيرًا...
وكان الطفل يشبه آدم بشكل لا يُصدق.
يتبع...أخدنا الصورة من إيد والد جوزي، وكلنا بقينا نبص فيها من غير كلام.
ملامح الطفل كانت مرعبة في مدى شبهها بآدم.
نفس العينين الواسعتين.
نفس خصلة الشعر اللي بتنزل على الجبهة.
حتى الابتسامة الخفيفة كانت شبهه.
قلت بصوت متقطع
مين الطفل ده؟
والد جوزي قعد على الكرسي كأنه شايل حمل سنين، وقال
اسمه... يوسف.
يبقى قريبكم؟
هز رأسه بالنفي.
لا... عمره ما كان من العيلة.
سكت لحظة، ثم أكمل
لكن في يوم... اختفى.
ساد الصمت.
ثم قال
كنت وقتها شاب صغير، والبيت القديم كان لسه موجود. الناس كلها كانت بتتكلم عن الطفل اللي اختفى فجأة، والست العجوز كانت تقول إنه خرج من البيت ومارجعش.
سأل جوزي بسرعة
والشرطة؟
قال
دورت... وماوصلتش لحاجة.
ثم أشار إلى الصورة وقال
بعدها بأيام، البيت اتهد، والموضوع اتقفل، وكل واحد كمل حياته.
مددت إيدي آخد الصورة مرة تانية.
وفي ضهرها كان مكتوب بخط اليد
التُقطت قبل يوم واحد من الإغلاق.
رفعت رأسي باستغراب.
الإغلاق؟
قبل ما والد جوزي يرد...
آدم نزل من على الكنبة، ومشى بهدوء ناحية الصورة.
حط صباعه على وش الست العجوز.
وقال
تيتا...
كلنا بصينا له في ذهول.
ثم حرك صباعه ناحية الطفل اللي في الصورة.
وسكت.
لكن بدل ما يقول أنا أو أي كلمة، قال بهدوء
زعلان...
والد جوزي شهق.
قال
نفس الكلمة...
بصيناله باستغراب.
قال
آخر مرة شوفت الست العجوز، كانت ماسكة الصورة دي، وبتقول وهي بتبكي يوسف زعلان... ولسه مستني الأمانة ترجع.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط خفيف من ناحية الحيطة.
مرة واحدة...
ثم مرتين...
ثم ثلاث مرات.
لكن المرة دي، الصوت ماكانش جاي من جوه الحيطة.
كان جاي...
من خلف الباب الرئيسي للشقة.
نظرنا جميعًا نحو الباب.
ثم انطلق الجرس.
رنّة واحدة طويلة.
ولما فتح جوزي الباب...
لم يجد أحدًا.
لكن على الأرض، أمام العتبة مباشرة...
كانت هناك علبة خشبية صغيرة، مقفولة بقفل نحاسي...
والشكل الغريب...
أن المفتاح الذي وجده آدم كان بنفس مقاس ذلك القفل تمامًا.
يتبع...وقف والد جوزي وهو بيبص للمفتاح، وقال بحزم
قبل ما نفتح أي حاجة... لازم تعرفوا الحقيقة.
فتح العلبة الجلد القديمة اللي جابها معاه، وطلع منها دفتر مذكرات قديم.
قال
الدفتر ده كان
تم نسخ الرابط