اتجوزنا
اتجوزنا بعد ما عرف إنه عنده سرطان في المرحلة الرابعة، وفضلنا سوا نعدّي أزمات مال، ومرض، وتربية عيال، وكل حاجة صعبة ممكن تقابل أي زوجين.
ولما الدكتور قال إن السرطان وصل لمرحلة متأخرة، كنت متأكدة إننا هنواجهه سوا زي ما واجهنا كل حاجة قبل كده.
لكن فجأة... سحب روبرت إيده من إيدي وقال من غير حتى ما يبصلي
مش عايزك تكوني معايا... عايز أقضي اللي باقيلي من عمري مع الست اللي بحبها بجد.
في كام كلمة بس... هدّ أربعين سنة جواز.
بعد الطلاق بثلاث أسابيع، اتجوز كلير... الست اللي كانت شغالة معاه.
ولما شفت صورة فرحهم، لقيته لابس القميص الأزرق اللي أنا جايباهوله في عيد جوازنا.
فضلت قاعدة في البيت، بعيط على الراجل اللي كسر قلبي بعد عمر كامل قضيناه سوا.
تاني يوم الصبح، حد خبط على الباب.
فتحت... لقيت كلير واقفة.
دخلت وقعدت على ترابيزة المطبخ، وساكتة، ومش قادرة تبصلي.
فضل بينا صمت كام دقيقة... لحد ما سألتها
إيه اللي جابك؟ حصل لروبرت حاجة؟
بصتلي وهي بتطلع ظرف من شنطتها وقالت
روبرت وصاني ما أجيش هنا غير بعد وفاته... وقال لازم تعرفي الحقيقة، ولازم تاخدي كل حاجة كانت من حقك.
طلعت ورق قانوني، ودفتر بنك قديم... وربطة العنق الزرقا اللي كان لابسها يوم ما مضى ورق الطلاق.
قلبي وقع.
إيه ده كله؟
حطت الورق قدامي بهدوء.
وأول ما شفت الاسم المكتوب في أول صفحة... إيدي اترعشت.
كانت مستندات تخص ميراث أمي... الفلوس اللي روبرت طول عمره كان بيقول إنها ضاعت.
بصيت لكلير وأنا مش فاهمة أي حاجة.
فقربت مني وقالت بهمس
روبرت ما سبكيش لأنه بطل يحبك.
وقتها الدنيا كلها لفت بيا.
أمال ليه طلّقني؟ وليه خلّى ولادي يقفوا ضدي؟ وليه حرمني أكون جنبه في آخر أيامه؟
الإجابة كانت مستخبية جوه الورق اللي كان قدامي...
كلير فضلت ساكتة شوية، كأنها بتحارب نفسها قبل ما تنطق.
وبعدين زقّت الظرف ناحيتي أكتر وقالت
اقري... بس أوعي تحكمي عليه قبل ما تكملي كل الورق.
فتحت أول صفحة، وكانت عبارة عن كشف حساب بنكي باسمي... تاريخ فتحه يرجع لأكتر من خمسة وعشرين سنة.
الاسم... اسمي أنا.
لكن التوقيع... مش توقيعي.
اتجمدت في مكاني.
إيه ده؟
قالت بهدوء
كملي.
قلبت الصفحة اللي بعدها، ولقيت صورة من توكيل رسمي.
برضه باسمي.
لكن فيه حاجة غريبة.
التوقيع مختلف تمامًا عن أي توقيع مضيته في حياتي.
بدأ نفسي يعلى.
مين عمل كده؟
كلير هزت راسها.
روبرت عرف الحقيقة متأخر جدًا.
رفعت عيني عليها بسرعة.
حقيقة إيه؟
قالت
من حوالي سنة ونص... وهو بيدور على أوراق قديمة تخص البيت... اكتشف صدفة ملف كامل مستخبي.
سكتت لحظة، وكأنها بتفتكر كل كلمة.
الملف ده كان فيه مستندات عمره ما شافها قبل كده.
قلبي كان بيدق بعنف.
وكان فيه إيه؟
ردت وهي بتبص للظرف
كان فيه دليل إن ميراث والدتك عمره ما ضاع.
اتسعت عيني.
أمال راح فين؟
قالت بصوت منخفض
اتنقل... لكن مش بإرادتك.
فضلت باصة لها مستنية تكمل.
قالت
ولما روبرت عرف مين اللي نقل الفلوس... اتغير.
مين؟
لكنها ما جاوبتش.
بدل كده طلعت صورة قديمة محطوطة بين الورق.
أول ما لمحتها، شهقت.
الصورة كانت لروبرت...
واقف جنب شخص أنا ما شفتوش من سنين طويلة.
الشخص اللي اختفى فجأة من حياتنا بعد وفاة أمي.
الشخص اللي كان آخر واحد دخل مكتب المحامي يوم تقسيم الميراث.
حسيت إن دماغي هتنفجر.
هو... هو رجع تاني؟
كلير هزت راسها ببطء.
رجع... وللأسف رجع قبل ما روبرت يعرف إنه مريض.
اتسمرت مكاني.
إيه علاقته بكل ده؟
قالت
لأنه لما ظهر... بدأ يهدد روبرت بحاجة عمره ما حكالك عنها.
بلعت ريقي بالعافية.
إيه هي؟
كلير بصت ناحية باب المطبخ، وكأنها خايفة حد يسمع، وقالت
فيه صندوق أمانات في البنك... مفتاحه كان مع روبرت طول السنين دي.
وأخرجت من جيبها مفتاحًا صغيرًا لامعًا، ووضعته فوق الطاولة.
قبل ما يموت... سلمني المفتاح ده.
بصيت للمفتاح، ثم للظرف، ثم لكلير.
فسألتها وأنا صوتي بيرتعش
إيه اللي جوه الصندوق؟
تنهدت وقالت
الحقيقة كلها... لكن روبرت كتب بخط إيده إن الصندوق ما يتفتحش إلا بعد ما تقري كل الورق الأول.
مديت إيدي ناحية آخر ورقة في الملف...
لكن قبل ما ألمسها، لقيت ظرف صغير وقع على الأرض.
كان مقفول بالشمع الأحمر.
ومكتوب عليه بخط روبرت
لو وصلتي للظرف ده... يبقى عرفتي إن اللي كسر حياتنا ما كانش المرض... وكانش الطلاق وقفت أبص للظرف كأنه هيجاوب على كل الأسئلة اللي عشتها سنين.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفك ختم الشمع.
جواه ورقة واحدة... مكتوبة بخط روبرت.
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش موجود. وعارف إنك هتكرهيني بعد اللي عملته، لكن أرجوكي كملي للنهاية.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كملت قراءة.
أنا لما عرفت إن المرض وصل للمرحلة الرابعة، كنت فاكر إن أصعب خبر هسمعه هو إني هموت. لكن بعد أسبوع واحد، عرفت خبر كان أصعب بكتير.
رفعت عيني لكلير.
إيه الخبر ده؟
قالت بهدوء
كملي... كل كلمة هتلاقي بعدها إجابة.
رجعت للرسالة.
وأنا بدور في ملفات قديمة، وصلت لورق يثبت إن ميراث والدتك متحوّل لحساب باسمك من سنين، لكن التوقيعات كلها مزورة.
قلبي كان بيدق بعنف.
بلغت محامي قديم كنت بثق فيه، وطلبت منه يراجع كل حاجة. وبعد شهور من المراجعة، اكتشف إن اللي حصل ما كانش مجرد خطأ... كان متخطط له من البداية.
اتنفست بصعوبة.
قلبت الصفحة.
كان فيه تقرير قانوني مختصر، وفي آخره جملة متعلم عليها بالقلم الأحمر
يوجد شاهد واحد فقط ما زال على قيد الحياة، ورفض الإدلاء بأقواله إلا لصاحبة الحق شخصيًا.
بصيت لكلير بسرعة.
مين الشاهد؟
هزت راسها.
روبرت عمره ما قال اسمه.
أمال عرفتي الكلام ده إزاي؟
فتحت شنطتها، وطلعت مفكرة جلد قديمة.
دي كانت عنده على المكتب... طلب مني أسلمهالك مع الورق.
فتحت المفكرة.
كانت مليانة تواريخ، وملاحظات، وأسماء محامين.
لكن في آخر صفحة...
كان فيه عنوان مكتوب بخط كبير.
وعنوان بيت قديم.
تحته جملة قصيرة
ابدئي من هنا... وهتعرفي ليه اضطرّيت أبعدك عني.
سألتها وأنا بحاول أستوعب
روبرت راح المكان ده؟
ردت
أكتر من مرة.
وقابل الشاهد؟
سكتت ثواني، ثم قالت
أيوه... لكن رجع من المقابلة دي شخص تاني.
إزاي؟
تنهدت وقالت
رجع مقتنع إن فيه حاجة ناقصة... وإن الحقيقة أكبر من مجرد ميراث.
اتجمدت في مكاني.
يعني إيه أكبر؟
مدت إيدها وفتحت جيبًا صغيرًا في المفكرة، وأخرجت مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا غير مفتاح البنك.
المفتاح ده كان متعلق بورقة.
أخدت الورقة منها.
كان مكتوب فيها
لو لقيتي المفتاح، يبقى افتحي المخزن القديم قبل أي مكان تاني... لأن أول دليل مستخبي هناك من أربعين سنة.
رفعت رأسي إليها ببطء.
مخزن إيه؟
نظرت إليّ وقالت
المخزن اللي تحت بيت والدتك القديم... المكان اللي محدش دخله من يوم وفاتها.
وفي اللحظة دي... رن هاتف كلير.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها فجأة.
قفلت الرنة من غير ما ترد.
قلت بقلق
مين؟
ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت
فيه حد عرف إن الورق وصل لك... وسبقنا بخطوة كلير قامت بسرعة وقفلت الستارة وهي بتبص من الشباك.
قلت بقلق
فيه حد بره؟
هزت رأسها ببطء.
مش متأكدة... لكن العربية اللي واقفة آخر الشارع شوفتها أكتر من مرة.
بصيت من فتحة بسيطة بين الستارة، لكن ماقدرتش أشوف غير عربية فضي، إزازها غامق، والموتور شغال.
رجعت أبص لكلير.
إحنا نعمل إيه دلوقتي؟
قالت بحزم
أول حاجة... محدش يعرف إن الورق بقى عندك.
جمعت المستندات بسرعة، وحطتها تاني في الظرف.
وقبل ما أقف، لفت نظري ورقة صغيرة كانت لازقة في آخر الملف.
ماكنتش واخدة بالي منها.
سحبتها بهدوء.
كانت مكتوبة بخط روبرت
لو حصل أي حاجة قبل ما توصلي للمخزن... روحي عند الأستاذ سامح. هو الوحيد اللي يعرف مكان الدفتر.
همست
دفتر؟
كلير قالت
أنا أول مرة أشوف الورقة دي.
قلبت الورقة على ضهرها.
كان فيه رسم بسيط لبيت والدتي القديم.
لكن الغريب...
إن فيه علامة مرسومة تحت السلم الداخلي.
افتكرت حاجة فجأة.
وأنا صغيرة، كنت كل ما أنزل تحت السلم ألاقي أمي تمنعني وتقولي
المكان ده مالوش دعوة بالعيال.
ساعتها كنت فاكرة إنها خايفة عليا من التراب أو الحشرات.
لكن دلوقتي...
الجملة رجعت ترن في وداني بطريقة مختلفة.
بصيت لكلير.
إحنا لازم نروح النهارده.
قالت
دلوقتي؟
هززت رأسي.
لو فعلاً فيه حد بيدور على الورق، يبقى أكيد بيدور على اللي مستخبي في البيت كمان.
خرجنا بعد أقل من ربع ساعة.
طول الطريق، ولا واحدة فينا كانت بتتكلم.
كل واحدة غرقانة في أفكارها.
ولما وصلنا قدام البيت...
حسيت إن الزمن رجع أربعين سنة.
نفس الباب الخشب.
نفس الشجرة اللي كانت أمي بتسقيها كل صباح.
لكن...
الباب كان موارب.
اتجمدت في مكاني.
أنا متأكدة إن البيت مقفول من سنين.
بصتلي كلير وهمست
إحنا آخر ناس كان المفروض يبقى معاهم مفتاح البيت...