اتجوزنا

لمحة نيوز


قربت بحذر، ولمست الباب بإيدي.
فتح لوحده بصوت صرير طويل.
دخلنا خطوة واحدة...
وفجأة سمعنا صوت ارتطام جاي من آخر الممر.
حد كان جوه البيت.
وبعدها بثواني، وصلنا صوت رجل كبير في السن وهو بيقول بهدوء
اتأخرتوا... كنت مستنيكم من زمان بصيت أنا وكلير لبعض في ذهول.
الصوت كان هادي... لكن فيه ثقة خلت قلبي يدق أسرع.
مشينا ناحية آخر الممر بخطوات بطيئة.
ولما دخلنا الصالة القديمة، لقينا راجل كبير في السن قاعد على كرسي خشب، قدامه عصاية، وعلى الترابيزة صندوق صغير مقفول.
أول ما شافني، وقف بصعوبة.
وقال وهو بيبتسم ابتسامة حزينة
أخيرًا جيتي.
قلت بحذر
حضرتك مين؟
رد
اسمي سامح... والمحامي روبرت كتب اسمي في الرسالة، صح؟
اتسعت عيني.
إنت الأستاذ سامح؟
هز رأسه.
أيوه.
كلير همست
يبقى هو الشخص اللي كان روبرت يقصده.
سامح أشار لنا نقعد.
قبل ما أسلمكم أي حاجة، لازم أسألك سؤال.
بصيت له باستغراب.
اتفضّل.
قال
بعد كل اللي حصل... لسه شايفة إن روبرت ظلمك؟
سكت شوية.
الإجابة كانت صعبة.
قلت بصوت منخفض
وجعني... لكن لسه مش فاهمة ليه عمل كده.
تنهد سامح وقال
وده سبب وجودكم هنا.
فتح درج صغير في الترابيزة، وأخرج مفتاحًا قديمًا.
ولما حطيته جنب المفتاح اللي جابته كلير...
المفتاحين كانوا جزءين من مفتاح واحد.
بصيت له بدهشة.
يعني إيه ده؟
ابتسم وقال
الصندوق اللي روبرت سابه... عمره ما كان هيتفتح بمفتاح واحد.
كلير قربت وسألته
وليه؟
رد بهدوء
لأن روبرت كان عارف إن الحقيقة أكبر من شخص واحد... وكان لازم يبقى فيه شاهد على فتحها.
بعدها حمل الصندوق الخشب الصغير، ووضع المفتاحين في مكانهما.
لفّهما معًا ببطء...
وصدر صوت تك.
فتح الغطاء.
جواه ماكانش فيه دهب... ولا فلوس.
كان فيه دفتر جلد أسود، ومجموعة صور قديمة، ورسالة مختومة.
سامح مد إيده للدفتر، لكنه ما فتحوش.
وقال
الدفتر ده اتكتب على مدار سنين طويلة.
ثم بصلي مباشرة.
وفي أول صفحة... هتعرفي اسم أول شخص بدأ القصة كلها.
مددت إيدي ببطء.
فتحت الغلاف.
وفي أول سطر، كان مكتوب بخط روبرت
لو وصلتي للدفتر... يبقى جه الوقت تعرفي الحقيقة من أولها، مش من نهايتها.
قلبت الصفحة الأولى...
وأول اسم ظهر قدامي خلاني أقف مكاني من الصدمة.
الاسم... كان اسم شخص من عيلتنا، شخص عمره ما حد شك فيه، وكان أقرب الناس لأمي.
أغلقت الدفتر بسرعة، وأنا أحاول أستوعب ما رأيته.
رفعت رأسي إلى سامح، فوجدته يقول بهدوء
من هنا... كل إجابة هتفتح باب لسؤال أكبر اتنفست بصعوبة، وفتحت الدفتر مرة تانية.
الاسم كان واضح قدامي.
خالك... محمود.
شهقت من غير إرادة.
مستحيل...
خالي محمود كان أكتر واحد وقف جنبي بعد وفاة أمي.
هو اللي كان بيحضر كل مناسبة، ويسأل على ولادي، ويقول دايمًا
أختي أمانة في رقبتي، وبنتها أمانة أكبر.
بصيت لسامح.
أكيد فيه غلطة.
هز رأسه بهدوء.
روبرت قال إنك هتقولي الجملة دي.
وقلب الصفحة اللي بعدها.
كانت نسخة من خطاب قديم، بختم مكتب محاماة، وتاريخه يرجع لأربعين سنة.
الخطاب كان بيقول إن إجراءات تقسيم الميراث اتأجلت بسبب نقص بعض المستندات.
لكن تحت الخطاب، كان روبرت كاتب بخط إيده
بعد مراجعة السجلات، اكتشفت إن المستندات ما اختفتش... حد أخفاها.
ابتلعت ريقي.
يعني خالي هو اللي أخفاها؟
سامح رفع إيده بسرعة.
لا... أوعى تستنتجي قبل ما تشوفي كل الأدلة.
كلير بصتلي وقالت
روبرت كان بيكرر نفس الكلام... كان بيقول إن الحقيقة لازم تكتمل الأول.
كملت تقليب الدفتر.
كل صفحة كانت فيها تاريخ، ومكان، وملاحظات قصيرة.
لحد ما وصلت لصفحة فيها عبارة واحدة بس.
قابلته يوم 14 مايو... وكان خايف أكتر مني.
سألت سامح
قابل مين؟
رد
الشخص اللي اسمه مكتوب في أول صفحة.
وقال إيه؟
تنهد وقال
رفض يتكلم... لكنه سلّم روبرت مفتاحًا، وقال له لو أنا مت قبل ما أقول الحقيقة، افتح المكان ده.
قطبت جبيني.
مكان إيه؟
سامح أخرج صورة صغيرة من بين صفحات الدفتر.
كانت الصورة لمخزن قديم خلف بيت والدتي.
مكان نسيناه كلنا مع مرور السنين.
على باب المخزن كان فيه قفل حديد صدئ.
وخلف الصورة، كتب روبرت
ما لقيتش فرصة أفتحه... ويمكن ده يكون آخر خيط.
نظرت إلى كلير.
إحنا لازم نروح.
سامح أومأ برأسه.
لكن خلي بالكوا...
من إيه؟
قال بصوت منخفض
فيه ناس كانت بتراقب روبرت وهو بيدور على الحقيقة... ولو عرفوا إنكم كملتوا مكانه، ممكن يحاولوا يسبقوكم.
خرجنا من البيت القديم، وكل واحد فينا شايل جزء من اللغز.
ولما وصلنا عند المخزن...
لقينا القفل مكسور.
والباب مفتوح سنتيمترات قليلة.
حد... كان دخل قبلنا بدقائق وقفت مكاني، وقلبي بيدق بعنف.
بصيت لكلير، وهي همست
إحنا اتأخرنا.
قربت من باب المخزن ودفعته بهدوء.
الباب طلع صريرًا طويلًا، والغبار اتطاير في الهوا.
المكان كان ضلمة، وريحة الخشب القديم مالية الجو.
شغلت كشاف الموبايل.
النور لف على أرفف قديمة، وصناديق خشب، وأدوات زراعية صدئة.
لكن اللي لفت انتباهي...
إن التراب على الأرض كان فيه آثار أحذية واضحة.
حد دخل فعلًا.
وحد خرج.
لكن...
كان فيه أثر تالت.
آثار بتوصل لآخر المخزن...
وبعدين بتختفي.
قلت باستغراب
إزاي؟
كلير نزلت على ركبتها وبصت للأرض.
بصّي هنا.
كان فيه لوح خشب مختلف عن باقي الأرضية.
عليه خدوش حديثة، كأن حد شاله ورجعه مكانه بسرعة.
مسكناه سوا، ورفعناه بحذر.
تحته ظهر صندوق معدني صغير.
لكن الغريب...
الصندوق كان مفتوح.
وفاضي.
حسيت إن كل التعب راح هدر.
إحنا وصلنا متأخر.
لكن كلير ما ردتش.
كانت مركزة في حاجة جوه الصندوق.
مدت إيدها وطلعت ورقة صغيرة مطوية، كانت لازقة في الركن من الداخل.
فتحتها.
كان مكتوب بخط روبرت
لو لقيتوا الصندوق فاضي... ماتخافوش. أنا كنت متوقع إن حد يسبقكم.
بصيت لكلير بسرعة.
كملت القراءة
عشان كده، ماحطيتش أهم دليل هنا.
شهقت.
يعني الدليل لسه موجود؟
هزت رأسها وهي تكمل
اللي في الصندوق كان مجرد طُعم. أما الحقيقة، فحطيتها في مكان محدش هيفكر يدور فيه.
أسفل الرسالة كان فيه سطر واحد.
ارجعوا لأول مكان بدأنا فيه حياتنا أنا وهي.
سكتنا إحنا الاتنين.
كلير بصتلي وقالت
يقصد بيتكم؟
هززت رأسي.
لا...
بدأت أفتكر أول سنة جواز.
البيت الصغير اللي استأجرناه بعد الفرح.
المكان اللي عشنا فيه أول خمس سنين، قبل ما نشتري البيت الحالي.
المكان اللي روبرت كان دايمًا يقول
ده البيت الوحيد اللي شهد على أيامنا الحلوة.
وفجأة افتكرت حاجة.
في آخر يوم قبل ما نسيب البيت ده، روبرت أصر يشيل بنفسه ساعة الحائط القديمة.
وقتها استغربت ليه مهتم بيها أوي.
لكن دلوقتي...
كل حاجة بدأت تركب مع بعضها.
رفعت عيني لكلير وقلت
إحنا لازم نروح البيت القديم... حالًا.
لكن قبل ما نخرج من المخزن...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام الباب.
وبعدها ثواني...
اتقفل باب المخزن من برّه.
وسمعنا صوت رجل يقول بهدوء
واضح إنكم قربتوا من الحقيقة... لكن للأسف، الرحلة هتقف هنا أنا وكلير بصينا لبعض في لحظة صمت.
حاولت أفتح الباب، لكنه كان متقفل بإحكام من الخارج.
خبطت عليه بقوة وقلت
مين بره؟
ماجاش رد.
لكن بعد ثواني، اتسمع صوت خطوات بتبعد ببطء، وبعدها صوت عربية وهي بتتحرك.
كلير جريت ناحية الشباك الصغير اللي فوق.
بصت من خلاله وقالت
العربية مشيت.
تنفست براحة بسيطة.
لفيت أبص للمخزن مرة تانية.
أكيد فيه مخرج تاني.
بدأنا نفتش المكان.
وراء دولاب خشب قديم، لقينا بابًا صغيرًا كان مستخدم زمان كمدخل للحديقة الخلفية.
القفل كان صدي، لكن الخشب نفسه كان ضعيف.
بعد محاولات، قدرنا نفتحه ونخرج.
أول ما خرجنا، لقيت على الأرض ظرفًا أبيض.
مكانش موجود قبل ما ندخل.
رفعته بحذر.
ماكانش مكتوب عليه اسمي...
ولا اسم كلير.
كان مكتوب عليه بخط واضح
إلى من يكمل طريق روبرت.
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه مفتاح صغير، وكارت قديم.
الكارت كان تابع لفندق قديم في وسط المدينة.
وخلفه، جملة واحدة
الغرفة 214... آخر مكان احتفظ فيه روبرت بنسخة من مذكراته.
كلير ابتسمت لأول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية.
وقالت
يبقى سبقهم.
استغربت.
مين؟
قالت
روبرت.
إزاي؟
قالت وهي بتقلب الكارت
هو كان عارف إن أي مكان يخص الميراث هيبقى أول مكان يدوروا فيه... فخبّى أهم مذكراته في مكان مالوش أي علاقة بالقصة.
ركبنا العربية، وطول الطريق كنت بفكر في سؤال واحد.
لو روبرت خطط لكل ده...
يبقى إمتى؟
وإزاي قدر يعمله وهو بيحارب المرض؟
وصلنا الفندق.
كان قديم جدًا، لكنه لسه شغال.
دخلنا بهدوء.
ورحت للاستقبال، ووريت الموظف الكارت.
أخده، وبص له باستغراب.
ثم رفع عينه وقال
الغرفة 214... مقفولة من سنين.
سألته
ومفتاحها؟
بص للمفتاح اللي في إيدي، وابتسم ابتسامة خفيفة.
واضح إن حضرتك معاك النسخة الوحيدة.
طلعنا السلم.
كل درجة كنت بحس إني بقرب من إجابة سؤال عشت معاه سنين.
وقفنا قدام باب الغرفة.
أدخلت المفتاح.
لفّ بسهولة... كأن الباب كان مستنينا.
فتحنا.
الغرفة كانت كما تركها آخر شخص دخلها.
غطاء أبيض على الأثاث.
وترابيزة

تم نسخ الرابط