اتجوزنا
صغيرة جنب الشباك.
وفوق الترابيزة...
صندوق خشبي.
وعليه ورقة مكتوب فيها بخط روبرت
لو وصلتي لحد هنا... يبقى عرفتِ إن الحقيقة محتاجة صبر، مش غضب.
لكن قبل ما ألمس الصندوق...
لفت انتباهي شيء لم يكن موجودًا في أي رسالة سابقة.
على الحائط المقابل، كانت هناك صورة قديمة لي أنا وروبرت في أول سنة جواز.
وفي أسفلها بخطه
في ظهر الصورة... أول اعتراف كتبته في حياتي وقفت قدام الصورة، وإيدي كانت بتترعش.
نزّلتها من على الحيطة بحذر.
قلبتها.
فعلاً... كان فيه كلام مكتوب بقلم أزرق باهت.
بدأت أقرأ
اليوم ده كان أول يوم أوعد نفسي فيه إن عمري ما هخبي عنك حاجة... لكن الحياة خلتني أكسر الوعد ده.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كملت.
لو بتقري السطور دي، يبقى أكيد وصلتي للصندوق. لكن قبل ما تفتحيه، عايزك تعرفي حاجة واحدة... أنا كنت عارف إنك هتكملي الطريق، لأنك طول عمرك ما استسلمتيش.
كلير كانت واقفة بعيد، سايباني أقرأ لوحدي.
حطيت الصورة على الترابيزة، ومديت إيدي للصندوق.
كان مقفول بقفل نحاس صغير.
المفتاح اللي لقيناه في الظرف فتحه بسهولة.
أول ما الغطا اتفتح...
لقينا عشرات الظروف المرتبة بالتواريخ.
وفوقهم دفتر جديد، غير اللي شفناه عند سامح.
وعليه عنوان واحد
مذكراتي... من يوم عرفت الحقيقة.
فتحته.
أول صفحة كانت بتاريخ قبل الطلاق بحوالي ست شهور.
كتب فيها
النهارده استلمت نتيجة التحاليل. المرض بيتقدم بسرعة... لكن الخبر اللي عرفته بعدها بدقائق هو اللي خلاني أنسى السرطان.
قلبت الصفحة.
فيه شخص جه قابلني، وقال إنه معاه مستندات تثبت إن حق مراتي ما ضاعش، وإن الحقيقة موجودة من سنين.
وبعدها مباشرة، كان فيه سطر متعلم عليه مرتين بالقلم الأحمر
من اللحظة دي، قررت أوصل للحقيقة مهما كان الثمن.
كل صفحة بعد كده كانت بتحكي رحلة روبرت...
مواعيد مع محامين.
لقاءات مع شهود.
ملاحظات قصيرة.
ورسم لخريطة تربط بين كل الأشخاص اللي قابلهم.
لكن أكتر حاجة شدت انتباهي...
إن فيه ثلاث صفحات كاملة كانت متشالة من الدفتر.
مكانها ظاهر بوضوح.
قلت باستغراب
الصفحات دي فين؟
كلير قربت، وبصت مكان القطع.
ثم قالت
روبرت مستحيل يشيلها.
سكتنا.
لو هو ما شالهاش...
يبقى حد دخل الغرفة دي قبلي.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت باب الغرفة وهو بيتقفل بهدوء.
لفّينا بسرعة.
كان فيه ظرف جديد متزحلق من تحت الباب.
جريت وفتحته.
كان جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو بتدوروا على الصفحات الناقصة... فهي لسه موجودة. لكن المرة الجاية، متروحوش لوحدكم.
وفي آخر الورقة...
كان فيه موعد، وساعة، وعنوان مكان قديم على أطراف المدينة.
بصيت لكلير.
قالت بهدوء
واضح إن الشخص اللي بيساعد روبرت من البداية... لسه عايش، ولسه بيراقب كل خطوة بنعملها.
وتوقفتُ عن القراءة، وأنا عارفة إن اللقاء القادم هيكشف جزءًا جديدًا من الحقيقة... لكن لسه مش نهايتها في اليوم المحدد، خرجنا بدري.
العنوان كان لمكتبة قديمة في شارع هادئ، من النوع اللي الناس تعدي من جنبه من غير ما تلاحظ إنه موجود.
وصلنا قبل الموعد بعشر دقايق.
الباب كان مفتوح، لكن المكان فاضي.
أرفف مليانة كتب قديمة، وساعة حائط صوتها هو الوحيد اللي مسموع.
بعد دقائق، خرج راجل مسن من باب داخلي.
بص لنا، وكأنه كان عارفنا من قبل.
قال بهدوء
أنتِ زوجة روبرت.
أومأت برأسي.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أنا كنت مستنيه يوصلِك لحد هنا.
قلت بسرعة
حضرتك تعرفه؟
رد
عرفته في آخر سنة من عمره... لكنه كان بييجي هنا كل أسبوع تقريبًا.
فتح درجًا قديمًا، وأخرج ظرفًا بني اللون.
لكن ما سلمهوش ليا.
قال
قبل ما آخد أي خطوة، لازم أنفذ وصيته.
سألته
إيه كانت وصيته؟
قال
قال لي لو مراتي وصلت، اسألها سؤال واحد.
اتوترت.
إيه هو؟
بصلي مباشرة وقال
لو رجع بيكي الزمن لليوم اللي طلب فيه الطلاق... كنتِ هتوافقي؟
السؤال نزل على قلبي كالحجر.
فضلت ساكتة ثواني طويلة.
وبعدين قلت بصوت مكسور
لا... كنت هتمسك بيه أكتر.
هز الراجل رأسه بحزن.
وده بالضبط الرد اللي قال إنك هتقوليه.
ناولني الظرف أخيرًا.
فتحته.
كان فيه خطاب قصير بخط روبرت.
أنا كنت عارف إنك هترفضي تسيبيني، وعارف إنك كنتِ هتفضلي جنبي لآخر نفس. عشان كده... ما ادتكيش فرصة تختاري.
دموعي نزلت تاني.
لكن كان فيه حاجة تانية في الظرف.
وصل صغير من خزنة بأحد البنوك.
وفيه رقم فقط... بدون أي تفاصيل.
سألت الراجل
دي خزنة إيه؟
قال
روبرت استأجرها قبل وفاته بشهرين.
وفيها إيه؟
ابتسم وقال
ماعرفش.
استغربت.
إزاي؟
رد
لأن حتى أنا... ما فتحتهوش.
ثم أضاف
كل اللي أعرفه، إنه لما سلمني الوصل، قال جملة واحدة.
سألته بسرعة
إيه هي؟
قال
لو وصلت للخزنة، يبقى افتحيها بعد ما تسامحيني... مش قبل كده.
مسكت الوصل بين إيديا، وأنا حاسة إن كل خطوة بتكشف سرًا، لكنها تفتح أسرارًا أكبر.
وفي نفس اللحظة، لاحظت شيئًا غريبًا.
في أسفل الوصل... كان فيه ختم صغير جدًا، بالكاد يُرى.
شكله ماكانش ختم البنك.
كان رمزًا غريبًا... نفس الرمز اللي شفته مرسوم بخفة في آخر صفحة من مذكرات روبرت.
رفعت الوصل قدام النور، وهمست
الرمز ده... معناه إيه؟
الراجل المسن اتغيرت ملامحه فجأة.
ونطق لأول مرة بجملة أربكتنا
يبقى روبرت ما لحقش يقولك على الجمعية...اتسعت عيني.
قلت بسرعة
جمعية؟
سكت الراجل لحظة، وكأنه ندم إنه قال الكلمة.
ثم جلس على الكرسي وقال
متفهموش غلط... دي مش جمعية سرية ولا حاجة بالشكل اللي ممكن ييجي في بالكم.
أنا وكلير بصينا لبعض.
قال
دي كانت جمعية خيرية قديمة، بتساعد كبار السن وتحفظ أوراق الناس اللي ملهاش حد. روبرت لجأ لهم لأنه كان بيدور على مستندات عمرها عشرات السنين.
تنفست براحة بسيطة.
يعني الرمز ده شعار الجمعية؟
أومأ برأسه.
أيوه.
ثم فتح درجًا آخر وأخرج ملفًا صغيرًا.
ده آخر ملف روبرت سابه عندنا. قال مايتسلمش إلا لو وصلتي بنفسك.
أخذته وأنا أحاول أتماسك.
فتحته.
كان بداخله إيصالات، وصور قديمة، وخطاب قصير.
بدأت أقرأ
كل ما قربت من الحقيقة، اكتشفت إن أكبر خسارة في حياتي ما كانتش المرض... كانت السنين اللي ضاعت وإنتِ فاكرة إني خذلتك.
أغمضت عيني للحظة.
لم أكن أعرف هل أغضب... أم أحزن... أم أشتاق إليه أكثر.
واصلت القراءة.
لو قدرتِ ترجعي حق والدتك، أوعي تخلي الغضب ينتصر. الحق لما يرجع، لازم يرجع من غير ما يهدم باقي العيلة.
رفعت رأسي.
يعني كان عارف مين المسؤول؟
قال الرجل
كان عنده شكوك قوية... لكنه كان رافض يتهم أي حد من غير دليل كامل.
ثم أشار إلى صورة داخل الملف.
الصورة دي كان مهتم بيها جدًا.
أخرجتها.
كانت صورة عائلية قديمة في بيت جدي.
كل أفراد العائلة واقفين جنب بعض.
لكن روبرت كان محدد بقلم أحمر على زاوية الصورة.
في الخلفية...
كانت خزانة خشب قديمة.
وفي باب الخزانة، نفس الرمز الصغير الموجود على الوصل.
همست
الرمز كان موجود من زمان...
ابتسم الرجل وقال
ولما روبرت لاحظه، فهم إن فيه مكان في بيت جدكم محدش انتبه له قبل كده.
كلير سألت
تقصد الخزانة؟
هز رأسه.
هو كان مقتنع إن الخزانة نفسها مش المهمة... اللي وراها هو المهم.
نظرت للصورة مرة أخرى.
وفجأة تذكرت شيئًا.
في بيت جدي...
كانت تلك الخزانة مثبتة في الحائط، ولم أر أحدًا يفتحها طوال طفولتي.
قلت بصوت خافت
إحنا لازم نروح بيت جدي.
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة وقال
يمكن هناك... تلاقوا آخر قطعة ناقصة من اللغز.
وانطلقت أنا وكلير، وكل واحدة فينا تعرف أن ما ينتظرنا في البيت القديم قد يغيّر نظرتنا لكل ما حدث... لكن الحقيقة الكاملة لم تظهر بعد وصلنا بيت جدي قبل المغرب بدقائق.
البيت كان مقفول من سنين، لكن ابن عمي كان محتفظ بالمفتاح.
لما عرف إننا عايزين ندخل، استغرب، لكنه ما سألش أي أسئلة.
أول ما دخلت، حسيت بريحة الخشب القديمة رجعت بيا لطفولتي.
كل حاجة تقريبًا كانت في مكانها...
النجفة النحاس.
الساعة الكبيرة.
والخزانة اللي كانت في الصورة.
وقفت قدامها وأنا مش قادرة أشيل عيني عنها.
قلت لكلير
هي دي.
قربنا منها.
من بره كانت خزانة عادية جدًا.
فتحناها.
أطباق قديمة... شوية كتب... ومفرش مطرز.
ولا أي حاجة غير طبيعية.
تنهدت بإحباط.
يمكن روبرت كان غلط.
لكن كلير كانت بتبص للصورة القديمة.
وفجأة قالت
استني...
قربت الصورة من الخزانة.
بصي.
بصيت.
في الصورة، مقبض الخزانة كان على اليمين.
أما الخزانة اللي قدامنا...
المقبض على الشمال.
قطبت جبيني.
إزاي؟
ابن عمي سمع كلامنا وقال
آه... دي مش الخزانة الأصلية.
لفينا نبصله.
قال
دي اتغيرت من حوالي عشرين سنة، بعد ما القديمة اتكسرت.
قلبي دق بعنف.
وراحت فين القديمة؟
حك ذقنه وهو بيحاول يفتكر.
على ما أظن... جدي رفض يرموها.
يعني فين؟
قال
يمكن في المخزن الخلفي.
جريت تقريبًا ناحية المخزن.
بعد دقائق من البحث وسط الأثاث القديم...
لقيناها.
الخزانة القديمة، مغطاة بقماش أبيض سميك.
شيلنا القماش.
كانت مطابقة للصورة تمامًا.
حتى الخدش الصغير اللي في الباب