اختي دبستني بقلم ندي الجمل

لمحة نيوز

لياسمين، وقالت
وصلت نتيجة التحليل الأخير...
وساد صمت ثقيل داخل العيادة.
...الدكتورة فضلت باصة في شاشة الكمبيوتر ثواني طويلة.
كلنا كنا مستنيين الكلمة اللي هتحدد مصير خمس سنين من عمري.
رفعت عينيها وقالت بهدوء
مدام ياسمين... النتيجة وصلت فعلًا.
بلعت ريقي بصعوبة.
قولي يا دكتورة.
فتحت التقرير، وبعدين قالت
في إصابة شديدة بقناتي فالوب... ودي من الأسباب الرئيسية اللي بتمنع الحمل.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
لكن قبل ما أنهار، كملت كلامها
بس التقرير لوحده ما بيقولش سبب الإصابة.
بصتلها بدموع.
يعني إيه؟
قالت
الإصابة دي ممكن تحصل بسبب التهاب شديد قديم، أو عملية، أو عدوى، أو أسباب طبية تانية... ومينفعش أقول إن حد تسبب فيها إلا لو في دليل واضح.
حماتي أول ما سمعت الكلام، أخدت نفس طويل كأنها رجعت للحياة.
أما شيماء... فكانت لسه بتعيط.
وفجأة قالت
أنا عندي دليل.
الكل لف ناحيتها.
مسحت دموعها، وقالت بصوت مكسور
في دفتر قديم... كنت بكتب فيه كل حاجة.
كريم صرخ فيها
إنتِ مجنونة؟
ردت
كنت بخاف أنسى... فكتبت كل اللي حصل.
ياسمين قربت منها خطوة.
دفتر إيه؟
قالت
كتبت يوم ما خدتك للمستوصف... وكتبت اسم الست اللي ودتني... وكتبت اسم المكان.
سكتت لحظة.
ثم قالت الجملة اللي حبست أنفاس الجميع
والأهم... إن فيه إيصال.
اتسعت عيون حماتها.
إيصال؟!
هزت شيماء رأسها.
أيوه... إيصال باسم الشخص اللي اداني الحقنة.
حماتها جريت عليها بعصبية.
اسكتي! الدفتر ده اتحرق من زمان.
لكن شيماء ردت وهي بتبكي
لأ... أنا كذبت عليكم.
سكتت العيادة كلها.
أنا مخبياه من سبع سنين... تحت هدوم الشتا في بيتي.
كريم حط إيده على راسه.
وأحمد، جوز شيماء، اللي كان وصل العيادة من شوية بعد ما عرف إن في مشكلة، بصلها بذهول.
إنتِ مخبية كل ده عني؟
هزت رأسها وهي منهارة.
كل يوم كنت بفتح الدفتر... وأقراه... وأقفل عليه تاني. كنت جبانة.
ياسمين كانت باصة لأختها، لكن ملامحها اتغيرت.
ما بقاش فيها صدمة...
بقى فيها غضب.
غضب عمره خمس سنين.
قالت بهدوء مخيف
هنروح دلوقتي.
شيماء رفعت رأسها.
فين؟
على بيتك.
ليه؟
عشان هفتح الدفتر قدام الكل... وأعرف الحقيقة كاملة.
في اللحظة دي...
رن جرس باب العيادة.
دخل رجل كبير في السن، أول ما شاف شيماء وقف مكانه.
وشها اصفر فجأة.
همست وهي بترتجف
مستحيل...
ياسمين بصتلها.
تعرفيه؟
شيماء رجعت خطوة لورا، وقالت بصوت يكاد لا يُسمع
ده... الراجل اللي اداني الحقنة زمان.
يتبع...الراجل وقف عند باب العيادة، وبص حواليه باستغراب.
كان شعره كله أبيض، وماسك ملف طبي في إيده، وواضح إنه جاي يكشف زي أي مريض.
لكن شيماء أول ما شافته، وشها فقد كل لونه.
رجعت لورا وهي بتهمس
هو... هو.
ياسمين بصت للراجل، وبعدين لشيماء.
متأكدة؟
هزت راسها بسرعة.
الراجل لاحظ إنهم بيبصوله، فقرب بخطوات هادية وقال
في حاجة يا جماعة؟
شيماء بدأت ترتعش.
لكن قبل ما تنطق، الراجل ركز في وشها.
وفجأة ضيق عينيه وقال
إنتِ... شيماء؟
سكت المكان كله.
قالت بصوت مخنوق
إنت فاكرني؟
تنهد وقال
أفتكرك إزاي؟ بعد اللي حصل يومها.
ياسمين مسكت دراعه بسرعة.
إيه اللي حصل؟ اتكلم.
الراجل بص ليها باستغراب.
حضرتك تبقي مين؟
أنا ياسمين... أختها.
أول ما سمع اسمها، اتغيرت ملامحه.
بص لشيماء بصدمة وقال
يعني دي البنت؟
ياسمين صرخت
بنت إيه؟ فهمني.
الراجل سكت شوية، وكأنه بيراجع ذكرياته.
وبعدين قال
أنا ماكنتش ممرض.
الكل اتصدم.
أنا كنت موظف استقبال في المستوصف.
ياسمين عقدت حواجبها.
أمال الحقنة؟
هز راسه وقال
أنا ماليش دعوة بأي حقنة. أنا اللي استلمت الفلوس من أختك يومها، وكتبت البيانات.
شيماء غمضت عينيها.
أما الراجل فكمل
بعدها دخلت مع دكتورة كانت بتشتغل في المستوصف.
الدكتورة الموجودة في العيادة قاطعته فورًا
اسمها كان إيه؟
قال الاسم.
أول ما سمعته، اتغير وش الدكتورة.
همست
الدكتورة دي... اتشطبت من النقابة من سنين.
كل الأنظار راحت لها.
قالت
كان عليها قضايا كتير بسبب أخطاء طبية جسيمة.
ياسمين قلبها بدأ يدق بعنف.
يعني ممكن هي السبب؟
الدكتورة هزت راسها.
ممكن... لكن لسه منعرفش.
الراجل أكمل كلامه
فاكر إن أختك خرجت من عندها وهي بتعيط.
بص لشيماء.
وسمعتها بتقول للدكتورة أهم حاجة أختي متعرفش.
ياسمين لفت ناحية شيماء.
يعني إنتِ كنتِ عارفة من يومها إن في حاجة غلط؟
شيماء انهارت تمامًا.
وقعت على الكرسي وهي بتصرخ
أيوه... بس خفت.
خفت من إيه؟
خفت أقولك... وخفت أخسرك... وكل يوم كنت بقول بكرة هعترف... لكن السنين جريت.
كريم قعد على الأرض وهو حاطط وشه بين إيديه.
أما ياسمين...
فأول مرة حسّت إن الصورة بدأت تتجمع.
لكنها كانت لسه ناقصة أهم قطعة.
التفتت للدكتورة وقالت
عايزة أعرف... هل الضرر اللي عندي حصل فعلًا من اللي عملته الدكتورة دي... ولا من حاجة تانية؟
الدكتورة قفلت الملف وقالت
الإجابة مش عندي... لكن ممكن تكون موجودة في ملفك القديم بالمستوصف.
وفي اللحظة دي...
ابتسم الراجل ابتسامة غريبة وقال
لو الملف لسه موجود...
ثم سكت.
ياسمين سألته بسرعة
تقصد إيه؟
قال وهو بيبصلها مباشرة
لأن قبل ما المستوصف يقفل... حد دخل مخصوص، وطلب يدفع أي مبلغ... مقابل إنه ياخد ملفك الطبي ويختفي.
وساد صمت مرعب داخل العيادة...ياسمين حسّت إن أنفاسها اتقطعت.
بصّت للراجل وقالت بصوت مرتعش
مين؟ مين اللي أخد الملف؟
هز راسه بأسف.
أنا ما شفتش وشه كويس... لكن فاكر حاجة واحدة.
إيه هي؟
كان معاه ست.
حماتها شهقت من غير ما تقصد.
كل العيون راحت عليها.
ارتبكت وقالت بسرعة
بتبصوا ليه؟
لكن الراجل كمل
الست هي اللي كانت بتتكلم أغلب الوقت... وكانت مُصرة إن الملف يختفي للأبد.
شيماء بدأت تبكي من جديد.
أنا... أنا معرفش حاجة عن الملف.
ياسمين بصتلها بحدة.
أنا مبقتش أعرف أصدقك في إيه.
الدكتورة قالت
لو الملف اختفى، ممكن نحاول نوصل لسجل المستوصف أو لأي نسخة من التحاليل القديمة.
الراجل هز راسه وقال
في احتمال.
إيه هو؟
صاحب المستوصف كان بيحتفظ بنسخة احتياطية من ملفات المرضى في مخزن خارج المستوصف.
ياسمين تمسكت بالأمل لأول مرة.
يعني ممكن الحقيقة لسه موجودة؟
لو النسخ دي ما اترمتش... أيوه.
كريم رفع رأسه لأول مرة وقال
أنا هاجي معاكي.
ياسمين بصتله ببرود.
ليه؟
لأن كفاية كدب... حتى لو هتكرهيني العمر كله، لازم تعرفي الحقيقة.
حماته صرخت فجأة
محدش هيروح في حتة!
الكل اتلفت لها.
كانت بتتنفس بسرعة، ووشها شاحب.
قالت وهي بتحاول تتمالك نفسها
اللي فات مات... نبطل ندور.
ياسمين قربت منها خطوة.
إنتِ خايفة من إيه؟
ما ردتش.
لكن أحمد، جوز شيماء، اتكلم لأول مرة
أنا عندي سؤال.
الكل بصله.
لو كريم كان عقيم من قبل الجواز... إنتوا ليه رفضتوا يخضع لأي كشف طول خمس سنين؟
ساد صمت ثقيل.
حماتها نزلت عينيها في الأرض.
أما كريم فقال بصوت مكسور
لأن أمي كانت مخبيّة عني حاجة.
ياسمين اتصدمت.
إيه؟
قال وهو بيبص لأمه
أنا فعلًا كنت فاكر إني عقيم... لكن التقرير اللي قال كده كان من سنين جدًا.
الدكتورة استغربت.
ومن ساعتها ما أعدتش التحاليل؟
لأ.
قالت بحزم
وده خطأ كبير... لأن بعض الحالات بتتغير مع الوقت، ومينفعش نعتمد على تقرير قديم.
حماتها حاولت تقاطعه
ملوش لازمة الكلام ده.
لكن كريم رد عليها لأول مرة بعصبية
بالعكس... يمكن أنا فضلت عايش كذبة سنين.
ياسمين بصت له بذهول.
لو كلامه صح...
يبقى يمكن هو ماكانش عقيم أصلًا.
ويمكن الحقيقة اللي اتبنت عليها حياتهم كلها... كانت غلط من البداية.
وفي اللحظة دي، فتحت الدكتورة باب مكتبها وقالت
يبقى أول خطوة... نعيد فحوصات الأستاذ كريم من جديد.
حماتها أغمضت عينيها، وكأنها كانت خايفة من الجملة دي أكتر من أي حاجة تانية.
يتبع...بعد
تم نسخ الرابط