جوزي قالي
المحتويات
ظرف أبيض صغير.
استغربت.
قال لها بالإنجليزية
واحد طلب مني أسلمه لحضرتك قبل ما يمشي.
عقدت حاجبيها.
الظرف كان مكتوب عليه اسمها بالكامل...
بخط عربي تعرفه جيدًا.
تجمدت يدها قبل ما تفتحه...فضلت ماسكة الظرف ثواني من غير ما تفتحه.
أول فكرة جت في دماغها
إزاي حد يعرف اسمي هنا؟
قلبت الظرف.
مافيش عنوان.
مافيش اسم مرسل.
بس خط اليد...
كان مألوف جدًا.
فتحت الظرف بهدوء.
لقيت جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
يمكن تكوني مستغربة إزاي الرسالة وصلتلك... متقلقيش، أنا ماجتش وراكي، ولا حد بيراقبك. مجرد صدفة خلتني أعرف إنك هنا. لو قررتي تقري للنهاية، هتعرفي الحقيقة اللي محدش قالهالك.
وقفت عند الجملة الأخيرة.
الحقيقة اللي محدش قالهالك.
اتنهدت وهي بتقول لنفسها
هو لسه فيه أكتر من اللي حصل؟
وفي آخر الورقة كان فيه اسم واحد فقط.
عماد.
افتكرت بعد لحظات...
عماد.
صاحب والد أحمد القديم، والراجل اللي كان بيحضر كل المناسبات العائلية، لكنه اختفى من سنين.
استغربت.
إيه اللي يخليه يبعتلها رسالة دلوقتي؟
وليه في روما تحديدًا؟
وفي نفس الوقت...
كان أحمد بيفتش في البيت لأول مرة بتركيز.
فتح الدولاب.
كل هدومها المهمة اختفت.
فتح الدرج.
أوراقها الشخصية مش موجودة.
حتى الكتب اللي كانت بتحب تقراها أخدتها.
فهم إنها ما سافرتش بدافع الغضب...
دي كانت مخططة تسيب كل حاجة من لحظة ما اكتشفت الحقيقة.
رن جرس الباب.
كانت أخته دينا.
دخلت وهي لابسة عادي بعد ما خلصت مراسم الفرح.
بصت حواليها وسألت
هي فعلًا مش هترجع؟
أحمد رد بصوت مكسور
مش عارف.
دينا قعدت وسكتت شوية.
وبعدين قالت لأول مرة
أنا كنت فاكرة إنك قولتلها إن الفرح اتحدد فجأة... ماكنتش أعرف إنك قلتلها إن ماما تعبانة.
رفع أحمد رأسه بسرعة.
إنتِ كنتي فاكرة كده؟
هزت رأسها.
أيوه... ولو كنت أعرف الحقيقة، كنت هرفض يبدأ الفرح بالطريقة دي.
قبل ما يرد...
خرج صوت والدته من الصالة.
بلاش نفتح الموضوع ده تاني.
لكن دينا بصتلها بثبات لأول مرة وقالت
لا... لازم يتفتح.
ساد الصمت في البيت كله...
وكان واضح إن أسرارًا أخرى بدأت تطفو على السطح، لكن لا أحد كان مستعدًا لما سيُقال بعد ذلك حماتها زفرت بضيق، وقعدت على الكنبة وهي بتضم إيديها.
قالت بنبرة حاولت تخليها هادئة
خلاص... اللي حصل حصل.
لكن دينا ردت عليها فورًا
لأ يا ماما... ما حصلش وخلاص.
لفتت تبص لأحمد.
أنا سألتك قبل الفرح بيوم هي مراتك جاية؟
هز أحمد رأسه بالإيجاب.
وأنت قلتلي إنها اعتذرت لأنها مشغولة في الشغل.
نزل أحمد عينيه في الأرض.
لأول مرة...
اكتشف إن الكذبة ما كانتش على زوجته بس.
دي كانت على أخته كمان.
سادت لحظة صمت طويلة.
قطعها والد أحمد وهو داخل الصالة.
كان ماسك في إيده صندوق صغير.
حطه على الترابيزة وقال
افتحه.
استغرب أحمد.
فتح الصندوق.
لقى جواه عشرات الصور.
كلها صور عائلية.
أعياد.
عزايم.
رحلات.
وفي كل صورة تقريبًا...
كانت زوجته هي اللي واقفة في آخر الصف.
بتبتسم.
وشايلة أطفال العيلة.
أو بتوزع الأكل.
أو بتساعد حد.
لكن...
ولا صورة واحدة كانت واقفة فيها في النص مع العيلة.
الأب قال بهدوء
عارف مين اللي كان بيصور الصور دي؟
هز أحمد رأسه بالنفي.
هي.
سكت الكل.
كمل الأب
كانت كل مرة تقول للمصور صوروا العيلة الأول... وأنا هصورهم.
قلب صورة ورا التانية.
وقال
وفي الآخر... لما جه أهم يوم في بيتنا... محدش حتى فكر يقولها تعالي.
دينا دموعها نزلت.
أما حماته...
فاكتفت بالنظر بعيد.
في نفس الوقت...
كانت هي في روما قدام نافورة قديمة.
أخرجت الرسالة مرة تانية.
وقرأت السطر الأخير بتركيز.
لو حبيتي تعرفي ليه اتصرفوا بالشكل ده... تعالي بكرة الساعة عشرة الصبح للمكتبة العربية في شارع فيا كوندوتي. القرار قرارك.
ماكانش في الرسالة أي تهديد.
ولا طلب ترجع.
ولا حتى اعتذار.
بس فضولها بدأ يكبر.
مين عماد؟
وليه اختار يقابلها في مكان عام؟
وهل فعلًا عنده حاجة هي الوحيدة اللي ما تعرفهاش؟
قفلت الرسالة، وحطتها في شنطتها.
وبصت للساعة.
باقي أقل من 12 ساعة على الموعد.
ولأول مرة من يوم سفرها...
احتارت.
هل تتجاهل الرسالة وتكمل حياتها...
ولا تروح تسمع خمس دقايق، يمكن يكون في كلام يغيّر فهمها لكل اللي حصل...؟في اليوم التالي...
صحيت بدري.
فتحت الستارة.
الشمس كانت داخلة من شباك الفندق، والمدينة بدأت تصحى على مهل.
بصت للرسالة مرة أخيرة.
وقالت لنفسها
هسمع... خمس دقايق. مش أكتر.
لبست ونزلت.
وصلت المكتبة قبل الموعد بعشر دقايق.
مكان هادي.
رفوف كتب.
وريحة قهوة.
قعدت في ركن بعيد، وهي كل شوية تبص على الباب.
الساعة بقت عشرة إلا دقيقة...
وبعدين...
دخل راجل في أوائل الستينات.
شعره أبيض.
ولابس بدلة بسيطة.
أول ما شافها، وقف مكانه ثانيتين.
كأنه بيتأكد إنها هي.
قرب منها بابتسامة خفيفة وقال
أنا عماد.
أشارت له يقعد.
قالت مباشرة
عندي خمس دقايق.
هز رأسه.
وده حقي عليك.
فتح شنطة جلد صغيرة كانت معاه.
طلع منها ملف أزرق.
وحطه قدامها.
قبل ما تفتحيه... عايز أقولك حاجة.
فضلت ساكتة.
قال
أنا ماجتش أدافع عن أحمد... ولا عن أمه... ولا أطلب منك ترجعي.
رفعت عينيها لأول مرة.
كمل
أنا جيت لأنك خرجتي من بيتهم وإنتي فاهمة جزء من الحقيقة... لكن مش كلها.
مد إيده ناحية الملف.
افتحيه.
فتحته بحذر.
في أول صفحة...
نسخة من عقد شقة.
العنوان...
كان نفس عنوان الشقة اللي كانت هي وأحمد عايشين فيها.
لكن اسم المالك...
ماكانش أحمد.
ولا والده.
كان اسم شخص تاني.
قلبت الصفحة.
لقى إيصالات سداد قديمة.
وبعدين خطاب رسمي.
سألته باستغراب
إيه علاقة ده بيا؟
ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال
علاقته إنك طول خمس سنين كنتي فاكرة إنكم بتبنوا حياتكم مع بعض...
وسكت.
ثم أضاف
وفي تفاصيل مهمة عمر أحمد ما حكاهاش ليكي.
قبل ما ترد...
رن موبايل عماد.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
قفل المكالمة من غير ما يرد.
قال بهدوء
واضح إنهم عرفوا إني قابلتك.
هي ضمت الملف لصدرها.
وقالت
مين عرف؟
رد وهو واقف
أحمد... وأبوه.
ثم نظر إليها نظرة طويلة وقال
وأظن إنهم في الطريق إلى هنا... لكن قبل ما يوصلوا، لازم تشوفي آخر ورقة في الملف.
مدت إيدها ببطء...
وقلبت الصفحة الأخيرة...
وفور ما وقعت عينيها عليها...
اتسعت حدقتاها، وتجمدت أنفاسها، بينما قال عماد بصوت منخفض
وده السبب الحقيقي اللي خلاني أطلب أقابلك...كانت الورقة الأخيرة عبارة عن خطاب قديم.
مصفر من الزمن.
وفي آخره توقيع أحمد.
بدأت تقرأ بسرعة.
لكن بعد أول سطرين...
رفعت عينيها لعماد وقالت باستغراب
أنا مش فاهمة.
ابتسم وقال
اقري للنهاية.
رجعت تبص للورقة.
كان الخطاب عبارة عن تعهد كتبه أحمد قبل الجواز بأيام، يقر فيه إنه المسؤول عن كل التزاماته المادية، وإنه لن يعتمد على أي دخل خاص بزوجته في إدارة حياته أو مصروفات بيتهما، إلا إذا كان برضاها الكامل.
طوت الورقة ببطء.
وقالت
وده يفرق إيه دلوقتي؟
رد عماد بهدوء
يفرق لأنه أول سنة بعد الجواز كان ملتزم بكل كلمة كتبها.
وبعدين؟
وبعدين... بدأ يعتمد على مرتبك بالتدريج، وإنتِ بموافقتك، لحد ما بقى الأمر بالنسبة له عادة.
سكت لحظة.
وأضاف
الغلط مش إنك ساعدتيه... الغلط إنه مع الوقت نسي إن ده كان فضل منك، وبقى يعتبره حق مكتسب.
فضلت ساكتة.
الكلام وجعها...
لأنه كان حقيقي.
افتكرت كل مرة كانت تدفع فيها فاتورة، أو تسدد قسط، وهو يقول لها
إحنا واحد.
لكن لما جه يوم فرح أخته...
اتعامل معاها كأنها مش من العيلة أصلًا.
تنهد عماد وقال
أنا كنت شاهد على بداية حياتكم... وما حبيتش نهايتها تكون مبنية على سوء فهم.
قالت بهدوء
مفيش سوء فهم.
استغرب.
قالت وهي تقفل الملف
هو كذب عليّ... واستبعدني... وسكت لما أُهنت.
هز عماد رأسه.
وده شيء ملوش تبرير.
وقف وهو يجمع أوراقه.
أنا قلت اللي عندي.
وقبل ما يمشي...
قال
بس خلي بالك... ساعات الإنسان يخسر أغلى حاجة عنده، مش لأنه كان سيئ... لكن لأنه ساب غيره يقرر مكانه.
خرج من المكتبة.
وسابها قاعدة لوحدها.
بصت من الشباك.
الشارع كان هادي.
لكن فجأة...
وقفت عربية أجرة قدام المكتبة.
نزل منها أحمد...
ومعاه والده فقط.
بص حواليه بسرعة، كأنه بيدور عليها.
في اللحظة نفسها...
كان بينها وبينه باب زجاجي واحد فقط.
هو لسه ما شافهاش.
أما هي...
فكانت تقدر تقوم، وتمشي من الباب الخلفي في ثوانٍ...
أو تفضل مكانها، وتسمع لأول مرة ما الذي جاء أحمد ليقوله بنفسه وقفت مكانها.
إيدها كانت على شنطتها.
ولو قامت دلوقتي...
هتخرج من الباب الخلفي، وهيضمن إنها مش هتشوفه تاني.
لكنها فجأة حسّت إن الهروب المرة دي مش هيقفل الصفحة...
اللي هيقفلها إنها تسمع، وبعدها تقرر.
بعد ثوانٍ...
رفع أحمد عينه.
ولما لمحها...
اتجمد مكانه.
كان واضح إنه ما كانش متوقع إنها تستناه.
اتحرك ناحيتها ببطء.
لكن قبل ما يوصل...
والده مد إيده ومنعه.
وقال بهدوء
سيبني أتكلم الأول.
قرب الأب منها.
وقال
أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.
بصتله من غير ما ترد.
كمل
ولا جاي أقولك سامحيه.
سحب كرسي وقعد.
أنا جاي أعتذر... عن نفسي.
استغربت.
قال
لأني كنت شايف إن في حاجات غلط بتحصل... وسكت.
نزل عينه.
وساعات السكوت بيبقى ذنب.
أما أحمد...
فكان واقف على بعد خطوات.
واضح عليه الإرهاق.
دقنه طالعة.
وعينه محمرة كأنه ما نامش من يوم الفرح.
أخيرًا اتكلم.
أنا عارف إنك مش هتصدقيني.
قالت بهدوء
جرب.
أخذ نفسًا عميقًا.
أنا يوم ما قلتلك إن أمي تعبانة... كنت عارف إني بكذب.
وده أنا عرفته.
لكن اللي ما تعرفيهوش... إن قبلها بيوم حصلت خناقة كبيرة في البيت.
رفعت حاجبها.
قال
أمي قالت إنها مش عايزاكي تحضري الفرح.
سكت لحظة.
وأضاف
وقالت إن لو حضرتي... هي هتمشي من القاعة.
الصمت ملأ المكان.
قالت
وأنت اخترت ترضّيها.
أغمض عينيه.
أيوه.
واخترت تكذب علي.
أيوه.
واخترت تسيبني أتفرج على البث وأكتشف لوحدي.
ما ردش.
لأنه ماكانش عنده
متابعة القراءة